خط أنابيب من بحر عُمان إلى أصفهان: حلّ إسعافي أم تعميق لأزمة المياه في إيران؟
أزاح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الستار عن أحدث محاولات البلاد للتخفيف من أزمة شح المياه المزمنة

ميدل ايست نيوز: في السادس من كانون الأول/ ديسمبر، كشف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن أحدث محاولات البلاد للتخفيف من أزمة شح المياه المزمنة، عبر تدشين خط أنابيب بطول 800 كيلومتر لنقل المياه المحلاة من بحر عُمان إلى محافظة أصفهان التي تعاني جفافاً حاداً.
ويبلغ حجم المشروع، الذي يمتد تنفيذه على مدى عامين، نحو 350 تريليون ريال (قرابة 300 مليون دولار)، وقد جرى تمويله إلى حد كبير من قبل شركة «فولاذ مباركه»، أكبر منتج للصلب في إيران. وقد روّج المسؤولون للمشروع بوصفه «شريان حياة استراتيجياً» للصناعة، وصمام أمان لنهر زاينده رود، الذي كان يوماً ما محرك اقتصاد أصفهان، قبل أن يجف معظم أشهر السنة نتيجة سوء الإدارة والجفاف.
وتواجه إيران أزمة داخلية متفاقمة يقودها شح المياه المزمن والانقطاعات المتكررة للكهرباء، فيما تقف طهران على حافة «الإفلاس المائي» وسط انخفاض تاريخي في منسوب الخزانات ولجوء السلطات إلى عمليات طارئة لاستدرار السحب. وتُظهر صور الأقمار الصناعية أن إيران تدخل أسوأ أزمة مائية منذ نصف قرن، بينما يحذّر محللون بيئيون من أن خط الأنابيب ليس أكثر من حل مؤقت يتجاوز الإخفاقات البنيوية التي تغذي الأزمة. ويكشف التنفيذ السريع للمشروع، والخلفيات السياسية المحيطة به، وتداعياته الأوسع، نموذجاً لإدارة المياه لم تعد إيران قادرة على تحمّل كلفته.
ورغم أن الخط قد يخفف الضغوط قصيرة الأمد على نهر زاينده رود، فإن خبراء يحذرون من أنه لا يفعل سوى نقل الأزمة من مكان إلى آخر. فعمليات التحلية تنتج محاليل ملحية عالية التركيز، وإذا جرى تصريفها بشكل غير سليم، فقد ترفع ملوحة أجزاء من بحر عُمان إلى ما يصل إلى 1.5 ضعف، وتزيد حرارة المياه بنحو درجتين مئويتين، ما يهدد النظم البيئية البحرية ومصايد الأسماك المنهكة أصلاً. كما يعبر خط الأنابيب بعضاً من أكثر مناطق إيران جفافاً، حيث يمكن للحرارة والتعرّض المباشر أن يتسببا في تبخر ما بين 20 و30 في المئة من المياه المنقولة، في حين تنطوي بقايا المحاليل الملحية على مخاطر تلويث التربة الهشة. وقد عارضت دائرة حماية البيئة الإيرانية مراراً مشاريع النقل المائي هذه، مشددة على هشاشة الخليج العربي بسبب ضحالة مياهه وارتفاع معدلات التبخر والتلوث النفطي المزمن.
غير أن المشكلة الأعمق تكمن في أن المشروع ينسجم مع نمط طويل الأمد في إيران يقوم على الارتجال بدلاً من الإصلاح. فالقطاع الزراعي يستهلك نحو 90 في المئة من موارد المياه في البلاد، في حين لا يساهم سوى بنحو 12 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي معادلة تعكس الاعتماد على أساليب ري بالغمر غير الكفؤة وزراعة محاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه، مثل الأرز، في أحواض جافة. كما يتجاوز استخراج المياه الجوفية معدلات التغذية الطبيعية بمرتين إلى ثلاث مرات في العديد من السهول، ما أدى إلى هبوط الأرض بمعدل يتراوح بين 25 و35 سنتيمتراً سنوياً، وانهيار قنوات «القيَنات» التاريخية التي يعود عمرها إلى قرون.
وتقلصت مساحات أراضٍ رطبة مثل بحيرة أورمية بنحو 90 في المئة، مسهمة في توليد عواصف غبار باتت تجتاح الشرق الأوسط. ووفقاً لمعهد الموارد العالمية، تُصنّف إيران ضمن 25 دولة تواجه «إجهاداً مائياً شديداً للغاية».
ويحذّر خبراء، من بينهم كاوه مدني، نائب رئيس دائرة حماية البيئة الإيرانية السابق والمدير الحالي لمعهد المياه والبيئة والصحة بجامعة الأمم المتحدة، من أن المشاريع العملاقة مثل خط الأنابيب تستنزف الموارد على حساب حلول أكثر واقعية وجدوى، مثل تحديث أنظمة الري أو إصلاح شبكات المياه الحضرية التي تفقد نحو 30 في المئة من الإمدادات بسبب التسربات. ومن دون معالجة الإفراط الزراعي في استخدام المياه، الذي جرى الدفاع عنه طويلاً تحت شعارات «الاكتفاء الذاتي» و«اقتصاد المقاومة»، فإن خطوط التحلية مهددة بأن تتحول إلى «فيلة بيضاء» مكلفة، تزيد من استنزاف المالية العامة المثقلة أصلاً بالعقوبات.
وإلى جانب المخاطر البيئية، يفرض المشروع أعباء إضافية على البنية التحتية. فتصريف المحاليل الملحية في البحر المفتوح يجري من دون آليات مراقبة طويلة الأمد، كما تتطلب التحلية ما بين 3 و5 كيلوواط/ساعة من الكهرباء لكل متر مكعب، وهو عبء كبير على شبكة كهرباء وطنية تعاني أصلاً من انقطاعات متكررة.
ويخدم إطلاق بزشكيان للمشروع عدة أهداف سياسية. فعلى الصعيد الداخلي، يسعى إلى تعزيز صورته الإصلاحية في مواجهة خيبة أمل واسعة من أدائه منذ انتخابه عام 2024. وتقديم المشروع بوصفه شريان حياة للإنتاج الصناعي، ولا سيما لشركة فولاذ مباركه، أحد أعمدة الاقتصاد، يخاطب مباشرة قواعده من الطبقة العاملة في أصفهان، إحدى أقوى دوائره الانتخابية. كما ينسجم تركيزه الساحلي الأوسع مع اقتراحه نقل العاصمة الإيرانية إلى منطقة مكران، في خطوة يقول إنها قد تتيح الهروب من هبوط طبقات المياه الجوفية في طهران ومخاطرها الزلزالية، وإن كان خبراء يشككون في قدرة مثل هذا الانتقال على خفض الطلب الوطني على المياه بشكل ملموس.
ويتيح المشروع للحكومة أيضاً تفادي إصلاحات أكثر حساسية قد تمس ما يُعرف بـ«مافيا المياه». إذ تهيمن شركات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني على عقود بناء السدود ونقل المياه، محققة أرباحاً كبيرة مع تجاهل الاعتراضات البيئية. وقد أثار أمر بزشكيان بتسريع تنفيذ سدود مثل «خرسان-3»، رغم افتقارها إلى التراخيص، اشتباكات في مدينة ياسوج جنوب غربي إيران، حيث يتهم السكان السلطات بالتضحية بالغابات وسبل العيش المحلية لصالح نقل المياه إلى المركز. ولا يزال هذا النموذج الفوقي، الذي لم يتغير عملياً منذ عام 1979، يفضل مصالح النخب على التوزيع العادل للمياه، ما يغذي موجات احتجاج متكررة من خوزستان إلى طهران.
وعلى الصعيد الدولي، يحمل خط الأنابيب رسالة جيوسياسية، إذ يقدمه المسؤولون دليلاً على قدرة إيران على الابتكار في ظل العقوبات، بما في ذلك استخدام تقنيات التحلية بالتناضح العكسي المطورة محلياً. غير أن التداعيات الإقليمية يصعب التحكم بها، وقد تقوض مساعي طهران لتحسين علاقاتها مع الجوار.
اقتصادياً، يسهم المشروع في تأمين إنتاج الصلب، أحد قطاعات التصدير القليلة الموثوقة في إيران، لكنه يفعل ذلك على حساب ارتفاع نفقات الطاقة وتراجع الإنتاجية الزراعية، ما يؤدي إلى زيادة التضخم الغذائي الذي تجاوز حالياً 50 في المئة في السلع الأساسية مثل الأرز.
أما على الصعيد الأمني، فإن تفاقم شح المياه يقوّض الدعم الريفي للنظام ويزيد التوترات مع العراق وأفغانستان حول الأحواض النهرية المشتركة. وعلى المستوى العالمي، تشكل تجربة إيران تحذيراً لدول أخرى قاحلة: فمن دون تخصيص شفاف للمياه، وإصلاحات حقيقية في الكفاءة، واتفاقيات فعالة عابرة للحدود مثل تلك التي نصت عليها اتفاقية الكويت لعام 1978، قد تؤدي المشاريع الهندسية الكبرى إلى تسريع الانهيار بدلاً من منعه.
وفي المحصلة، يشتري خط أنابيب بزشكيان وقتاً لمصانع أصفهان، لكنه يرسخ أكثر نموذجاً في الحوكمة دفع نظام المياه في إيران إلى حافة الانهيار. فالتخفيف الحقيقي يتطلب خطوات سياسية محفوفة بالمخاطر تجنبتها الدولة لعقود، مثل خفض الدعم، وإغلاق الآبار غير القانونية، وفرض قيود صارمة على المياه الجوفية، ولا مركزية إدارة الموارد المائية. وكما يحذّر مدني: «الجفاف الشديد هو المدقق، وليس السبب». وما لم تتغلب المساءلة على الأيديولوجيا، فإن عطش إيران مرشح للتفاقم.



