الصحافة الإيرانية: ما الذي دفع روسيا إلى إنهاء سنوات من التسويف في تسليم الأسلحة إلى إيران؟

بعد سنوات من التسويف يبدو أن روسيا بدأت أخيراً وبوتيرة متسارعة في تعويض تقصيرها في السنوات الماضية، ويمكن عزو السبب الأهم في ذلك إلى التوجه الإيراني الجديد والشامل نحو التسليح الصيني.

ميدل ايست نيوز: بعد سنوات من التلكؤ الروسي في تزويد إيران بالمقاتلات الحربية المطلوبة، برزت النتائج السلبية لهذا المسار بشكل جلي خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً. ومع تزايد استياء طهران من أسلوب موسكو في إدارة صفقات التسليح، ولا سيما ما يتعلق بمنظومات S300 وS400 والمقاتلات الحربية، تحركت إيران سريعاً بعد انتهاء الحرب وأوفدت وفداً رفيع المستوى من وزارة الدفاع والقوات المسلحة إلى بكين، لبحث شراء مقاتلات صينية. وبالنظر إلى أن امتلاك المقاتلات لا يحقق فعالية عملياتية من دون تكاملها مع أنظمة الدفاع الجوي والرادارات، أدرجت إيران هذه المنظومات أيضاً ضمن خطط الشراء.

وقال محمد مونسان، أستاذ جامعي إيراني في مقال على موقع دبلوماسي إيراني، إن مسؤولين إيرانيين وتقارير مختلفة تحدثت أيضا عن شراء صواريخ صينية بعيدة المدى وثقيلة. وبلغ التوجه الإيراني والانفتاح على التسليح الصيني حدّاً أفادت معه إحدى وسائل الإعلام التابعة لتجمع «بريكس» بوجود معلومات عن استئجار أو شراء غواصة نووية صينية قادرة على حمل صواريخ بالستية. هذا التوجه الإيراني الشامل نحو التسليح من الصين شكّل أكبر ناقوس خطر بالنسبة لروسيا. فموسكو كانت، بعد الثورة الإسلامية، ترى سوق السلاح الإيراني شبه حكر عليها. فقد وُجدت في إيران مختلف أنواع الأسلحة الروسية، من المنظومات الهجومية والدفاعية، بما في ذلك المقاتلات والغواصات والرادارات، وصولاً إلى الأسلحة الخفيفة وبنادق الكلاشينكوف، وحتى الطائرات المدنية. بلغ هذا التعاون مستوى جعل بعض العسكريين الإيرانيين يتلقون دوراتهم التخصصية في روسيا، ويحتاجون إلى تعلم اللغة الروسية للعمل على المعدات الروسية.

اليوم، وبعد حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل، أدرك الروس خطراً جدياً: التسويف والإخلال المتكرر بالالتزامات من جانب موسكو أدى إلى فقدان سوق السلاح الإيراني وانتقاله إلى أيدي الصينيين. إذ كانت الزيارات المتكررة بين المسؤولين العسكريين الإيرانيين والصينيين تُعد في نظر الروس ناقوس خطر كبيراً. وللمرة الأولى، بات السوق التقليدي للسلاح الروسي مهدداً بالاستحواذ من قبل الصين. كما أن المسؤولين العسكريين الإيرانيين، الذين كانوا غاضبين من موسكو، لم يترددوا في الإعلان العلني عن ميلهم إلى التسليح الصيني، مع تغذية مصادر الأخبار بهذه المعطيات بشكل واضح. وقد أثمرت هذه الاستراتيجية في نهاية المطاف، وأجبرت الروس على تغيير سلوكهم حتى لا يتخلفوا عن الركب.

وبعد نحو شهر من انتهاء الحرب، توالت التقارير عن هبوط طائرات شحن عسكرية روسية في مطارات إيرانية. ومن البديهي أن تواجه دولة تُبقي سوق تسليحها معلقاً لسنوات طويلة بيد طرف واحد في أوقات الأزمات ألعاباً سياسية وإخلالات مفاجئة وشروطاً غير مناسبة.

ليت التوجه الحالي لدى المسؤولين العسكريين الإيرانيين نحو تنويع مصادر التسليح، ولا سيما الانفتاح على السلاح الصيني، كان قد بدأ قبل عقد أو عقدين من الزمن. غير أن من المؤسف أن النهج المعادي للصين الذي تبنته بعض الحكومات الإيرانية في السابق كان له بلا شك أثره في هذا المسار، وهو خطأ باتت عواقبه اليوم واضحة للجميع.

وقد يكون النموذج الهندي في هذا السياق مناسباً، إذ تعتمد الهند، إلى جانب الأسلحة الأميركية والفرنسية والإسرائيلية، على الأسلحة الروسية وحتى اليابانية والكورية، ولم تحصر سوق وارداتها العسكرية بطرف واحد، سواء كان أميركياً أو روسياً. ومن المثير للاستغراب أن روسيا، التي كانت تبرر إخلالها بالتزاماتها تجاه إيران بالحرب في أوكرانيا، تُصر في المقابل على بيع مقاتلات سوخوي 35 وسوخوي 57 للهند، بل وحتى على تصنيع سوخوي 57 داخل الهند مع نقل كامل للتكنولوجيا. كما عرضت على نيودلهي بيع منظومة الدفاع الجوي بعيدة المدى S500. ويُذكر أن الهند تُعد من الداعمين والحلفاء التقليديين لإسرائيل.

حاجة إيران فرصة لاستعراض «التنين الأحمر»

خلال العقدين الماضيين، كان يُنظر إلى الصين باعتبارها قوة اقتصادية كبرى، دون إيلاء اهتمام كبير لقدراتها العسكرية. أما اليوم، فقد تحولت الحرب بين إيران وإسرائيل إلى ساحة مواجهة بين القوة العسكرية للشرق والغرب. فقد سخّر الأميركيون والأوروبيون كل إمكاناتهم لدعم إسرائيل، وفي المقابل يعمل الصينيون والروس على تعزيز قدرات إيران.

وجود روسيا في سوق السلاح الإيراني يُعد مسألة قديمة وتقليدية، لكن الحضور القوي للصين بأسلحة متطورة وفائقة الحداثة في نزاع عسكري عنيف يمكن أن يبرز وجهاً جديداً من عظمة القوة العسكرية الصينية أمام العالم. بالتالي، إذا اندلعت حرب أخرى بين إيران وإسرائيل، يمكن اعتبارها ميداناً لاختبار الأسلحة الصينية الحديثة. ومن المؤكد أن الصين لن تفوت مثل هذه الفرصة، لأنها ستفتح لها أبواب سوق السلاح العالمي وتدر عليها عوائد اقتصادية ضخمة.

وخلال المواجهة المحدودة بين الهند وباكستان، أظهرت المقاتلة الباكستانية J-10، وهي من صنع صيني، أداءً لافتاً في مواجهة مقاتلات «رافال» الهندية المصنّعة في فرنسا، وهو ما أدى إلى زيادة الطلبات على المقاتلات الصينية. وإذا ما حققت الأسلحة الصينية نجاحاً في حرب شاملة محتملة بين إيران وإسرائيل، فإن ذلك قد يضع الصين بسهولة في موقع القوة العظمى الجديدة في سوق السلاح العالمي.

وتبلغ القيمة الإجمالية لسوق صادرات السلاح العالمية حالياً نحو 650 مليار دولار، تستحوذ الولايات المتحدة على نحو 50 في المئة منها. أما حصة روسيا فتتراوح بين 30 و55 مليار دولار، وكان نحو 8 مليارات دولار منها في عام 2024 مرتبطة بإيران. في المقابل، لا تمتلك الصين حتى الآن حصة كبيرة من سوق السلاح العالمي، إذ تقل صادراتها عن ملياري دولار، وتعد باكستان زبونها الرئيسي، بما يشكل نحو ثلثي صادراتها العسكرية.

ويشير الحضور النشط للصين في المعارض العسكرية العالمية، إلى جانب الدعاية الواسعة لمنتجاتها العسكرية، إلى سعيها للحصول على حصة كبيرة من هذا السوق البالغ 650 مليار دولار. وفي هذا السياق، تبدو إيران زبوناً مناسباً وقادراً، ولديها دافع عالٍ لاستخدام هذه الأسلحة في حرب حقيقية وشاملة، وهي فرصة قد لا تتكرر لسنوات طويلة. وتبدي الولايات المتحدة حساسية شديدة إزاء فقدان هذا السوق المربح، وقد لوّحت مسبقاً بفرض عقوبات على الدول التي تشتري الأسلحة الصينية.

ختاماً، بعد سنوات من التسويف، يبدو أن روسيا بدأت أخيراً، وبوتيرة متسارعة، في تعويض تقصيرها في السنوات الماضية. ويمكن عزو السبب الأهم في ذلك إلى التوجه الإيراني الجديد والشامل نحو التسليح الصيني. فالروس يرون في هذا التحول خطراً يهدد حصتهم من السوق الإيرانية، وهي سوق إذا ما فُقدت، فقد تتحول إلى نموذج يُحتذى به من قبل زبائن تقليديين آخرين للسلاح الروسي في آسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية.

يبدو أن «الدب البني» قد استيقظ من سباته الشتوي على وقع نيران «التنين الصيني»، ويسعى اليوم إلى الحفاظ على نفوذه وتثبيت موقعه. وهو توجه عسكري ذكي من جانب المسؤولين الإيرانيين يستحق الإشادة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إحدى عشر + ثلاثة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى