الصحافة الإيرانية: السياسة الخارجية هي المشكلة الأولى للاقتصاد

لا يبدو أن أمام الحكومة الإيرانية خيارًا سوى دراسة إمكانية التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة بجدية أكبر. فالواقعية تقتضي النظر إلى موقع الولايات المتحدة بوصفها قوة لا تزال متفوقة اقتصاديًا وعسكريًا من دون منازع.

ميدل ايست نيوز: هناك إجماع على أن إيران تواجه أوضاعًا صعبة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي. فقد أدى ارتفاع أسعار العملات الأجنبية والذهب والمواد الغذائية إلى وضع الاقتصاد في موقع حرج وأسهم في إرباك المجتمع. كان لتحذير الدكتور عبده تبريزي بشأن اتجاه إيران نحو اعتماد الدولار نحو الدولرة، واحتمالية ارتفاع التضخم من 60 بالمائة إلى ما بين ألفين وثلاثة آلاف بالمائة تداعيات واسعة النطاق. وهنا، من الطبيعي أن تتصاعد حدة الخلافات السياسية حول كيفية الخروج من الوضع الراهن، وأن يبرز في صلب النقاش سؤال أساسي: كيف يمكن وقف هذا المسار المدمّر وعكس اتجاهه؟

وقال الدبلوماسي الإيراني السابق كوروش أحمدي، في مقال على صحيفة شرق، إنه في رسالة حديثة وقّعها بعض الاقتصاديين، جرى التأكيد على ضرورة حذف النفقات غير المنتجة من الموازنة، وتنفيذ إصلاحات اقتصادية وتسعيرية من دون تحميل كلفتها حصريًا للفئات الهشة، وبناء الثقة العامة عبر الشفافية في موارد الموازنة ونفقاتها، وغيرها من التوصيات.

لا شك أن هذه النصائح بالغة الأهمية، كما أن الاقتصاديين قادرون على تقديم توصيات أخرى متعددة في مجالات مختلفة من السياسات العامة وصنع القرار. لكن السؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه التوصيات القيّمة كافية في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية والنفسية الراهنة، وهل يمكن للآليات الاقتصادية البحتة، من دون اتخاذ خطوات سياسية مهمة على صعيدي السياسة الداخلية والخارجية، أن تُخرج إيران من منطقة الخطر.

من المستبعد تقديم إجابة إيجابية عن هذا السؤال. فطالما استمرت العقوبات بوصفها أداة مولّدة للتضخم، وطالما بقيت البلاد في حالة تعليق ناتجة عن وضع «لا حرب ولا سلام»، وطالما يسود شعور عام بأن المسؤولين واقعون في نوع من الارتباك والتردد، وأن غياب الأمل بالمستقبل يشكل العائق الأكبر أمام الفاعلين الاقتصاديين، فمن غير المرجح أن تحقق الآليات الاقتصادية والسياسات العامة وحدها فعالية كافية. ويزداد ذلك صعوبة في ظل أن معالجة مشكلات كبرى مثل سوء الإدارة والفساد المنهجي تتطلب وقتًا أطول وحزمًا أكبر.

في مثل هذه الظروف، يمكن لإحداث تحول في السياسة الخارجية أن يساهم بشكل فعّال في إخراج البلاد من منطقة الخطر، وأن يوفّر الوقت والمساحة اللازمين لمعالجة المشكلات الداخلية الكبرى. لا يبدو أن أمام الحكومة الإيرانية خيارًا سوى دراسة إمكانية التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة بجدية أكبر.

فالواقعية تقتضي النظر إلى موقع الولايات المتحدة بوصفها قوة لا تزال متفوقة اقتصاديًا وعسكريًا من دون منازع، ولا توجد مؤشرات على تراجع محتمل يمكن أن يكون ذا فائدة لنا على المدى المنظور. فالاقتصاد الأميركي، الذي يشكل الأساس الرئيس لقوته العسكرية، لا يزال متقدمًا بفارق ملموس على بقية القوى العالمية.

ففي حين سجل الاقتصاد الأميركي نموًا تراوح بين 120 و130 في المئة خلال الفترة من 2008 إلى 2024، لم يتجاوز نمو اقتصاد أوروبا خلال المدة نفسها 60 إلى 70 في المئة، بينما لم يتخطَّ نمو الاقتصاد الروسي 22 في المئة. وخلال هذه الفترة، كانت الصين القوة الوحيدة التي حققت نموًا لافتًا يفوق بكثير نمو الولايات المتحدة، إذ زادت حجم اقتصادها بنحو 280 في المئة. ومع ذلك، لا يزال الاقتصاد الأميركي، بناتج محلي إجمالي يقترب من 30 تريليون دولار، متقدمًا بفارق معتبر على الاقتصاد الصيني الذي يقدّر بنحو 18 تريليون دولار.

ومع تباطؤ نمو الاقتصاد الصيني خلال السنوات الخمس الماضية من متوسط يقارب 9 في المئة في عقدي الألفين والعقد الثاني من القرن الحالي إلى ما يزيد قليلًا على 4 في المئة، يبقى من غير الواضح ما إذا كانت الصين قادرة على مواصلة مسارها الناجح لتجاوز الاقتصاد الأميركي أم لا.

في فترات حكم الإدارات الديمقراطية في الولايات المتحدة، كان بإمكان إيران التعويل على أدوات وحجج قانونية ومسارات مثل دبلوماسية المسار الثاني والتواصل بين الشعوب وبعض الاتصالات الدبلوماسية وحتى وقت قريب على المفاوضات غير المباشرة بوساطة هذا البلد أو ذاك. وحتى في الولاية الأولى لدونالد ترامب، كانت هناك إمكانية للتوصل إلى اتفاق معه ضمن الخطوط الحمراء الإيرانية، في إطار ما كان يطرحه بشأن «تعديل الاتفاق النووي».

كما أُهدرت فرصة التفاهم خلال إدارة جو بايدن. غير أن الظروف تغيرت الآن لسببين: الأول أن ترامب يتحرك بسرعة نحو شخصنة السياسة الخارجية، ولم يكتفِ عمليًا بتهميش الدبلوماسيين ومجلس الأمن القومي، بل بات حتى وزير الخارجية يفتقر إلى دور مؤثر. والثاني أن ترامب تجاوز أيضًا مجمل قواعد القانون الدولي، وأغلق القنوات الدبلوماسية التقليدية، ولم يعد يولي قيمة لهذه المسارات المعهودة.

ويضاف إلى ذلك اعتقاد ترامب بأن إيران قد ضعفت وفقدت أوراقها، وهو ما يزيد تعقيد المشهد. فهو يرى أنه عالج مشكلته الأساسية مع إيران عسكريًا، وأن بقية القضايا لا تحظى بأهمية تُذكر بالنسبة للولايات المتحدة. وفي مثل هذه الظروف، لا يبدو أن لدى ترامب دافعًا لإظهار مبادرة إيجابية.

لكن في ظل الخطط المغامرة لإسرائيل، من المرجح أن تعارض الولايات المتحدة أي عمل عسكري إسرائيلي جديد في المرحلة الراهنة، وأن تركز بدلًا من ذلك على تشديد العقوبات، وربما استغلال المادتين 14 و15 من القرار 1929 المتعلقتين بتفتيش السفن، وهو ما يبدو أنه بدأ بالفعل. وبما أن مثل هذه السياسة قد تفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في إيران، فلا سبب يمنع طهران من اختبار إمكانية حل الخلافات مع الولايات المتحدة عبر مفاوضات مباشرة وشاملة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة عشر − إحدى عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى