إيران.. هل يشكل توحيد سعر الصرف مخرجًا من الفساد أم عبئًا إضافيًا على الاقتصاد؟

أكد خبير اقتصادي أن إزالة الدعم عن العملة الأجنبية في إيران لبعض السلع ناتجة عن عدم توفر العملة الكافية لتخصيصها، موضحاً أن العديد من السلع لا تستطيع الحصول على العملة من السوق الرسمية بسبب نقص العرض.

ميدل ايست نيوز: مع الزيادة الشديدة في سعر الصرف غير الرسمي في إيران خلال الأشهر الأخيرة، لم تقتصر إجراءات الحكومة على إزالة الدعم على العملة عن السلع الأساسية مثل البقوليات والأرز وبعض الأدوية، بل انتشرت تكهنات عن احتمال إلغاء هذا الدعم بالكامل من موازنة العام المقبل.

وفي الوقت نفسه، ومع اتساع الفجوة بين سعر الصرف في السوق الرسمية وسعر السوق غير الرسمي، يحاول البنك المركزي الإيراني تحت الضغط رفع الأسعار الرسمية وتحويل المصدرين تدريجيًا إلى السوق الثانوية بهدف تقليص الفجوة وتشجيع المصدرين على إعادة العملات الأجنبية إلى النظام الرسمي. غير أن التجارب السابقة أظهرت أن هذه السياسات غالبًا ما تترك إرثًا من الضغط والتضخم على المواطنين.

وأظهرت تجربة حذف دعم العملة الأخيرة أنه بينما استقر معدل التضخم بعد صدمة كورونا عند نحو 30%، ارتفع التضخم السنوي إلى 64% بعد تطبيق سياسة إزالة الدعم في مارس 2023.

وفي الأشهر الأخيرة، أدى الارتفاع الحاد في أسعار البقوليات وبعض السلع الأساسية في الأسواق الإيرانية نتيجة إزالة تدريجية لدعم العملة الذي كان بقيمة 28,500 تومان إلى تأكيد التأثير التضخمي لهذه السياسة. ووفقًا لتقارير مركز الإحصاء، وصل معدل التضخم السنوي للخضروات والبقوليات في يوليو 2025 إلى مستوى قياسي بلغ 66%. ومنذ بداية العام، ارتفعت أسعار السلع مثل السكر والبقوليات بأكثر من 50%، وهو ما أثر بدوره على أسعار باقي السلع.

إلا أن نظام تعدد أسعار الصرف لم يكن بلا آثار سلبية على الاقتصاد. فوفقًا لإحصاءات نائب رئيس البنك المركزي لشؤون الصرف الأجنبي، لم يتم إعادة نحو 18 مليار دولار إلى الدولة في 2024، ووصل هذا الرقم في العام الحالي إلى 9 مليارات دولار. وكان نائب برلماني قد صرح سابقًا أن بين عامي 2018 و2024 لم يتم إعادة حوالي 56 مليار دولار من عائدات الصادرات إلى الداخل.

في ظل هذه الظروف، تم إطلاق السوق الأولى للعملة بهدف اكتشاف سعر أكثر واقعية للصرف، إلا أن أسعار الصرف في السوق الأولى بدأت منذ بداية 2025 بالاستقرار تدريجيًا، بينما وصل سعر الدولار في السوق الحرة إلى أكثر من 100 ألف تومان، وظلت أسعار السوق الرسمية بين 67 و70 ألف تومان، مما قلل من حوافز التصدير.

وبناءً على ذلك، تم التوجه لإنشاء السوق الثانوية للعملة، لتغطية الطلب الحقيقي للمصدرين بأسعار أعلى، إذ بدأ عند أكثر من 84 ألف تومان وارتفع لاحقًا إلى نحو 90 ألف تومان، دون أن يضيف ضغوطًا كبيرة على التضخم. ويبدو أن السياسة تهدف تدريجيًا إلى إلغاء السوق الأولى وتحويل جميع المصدرين إلى السوق الثانوية لتقليل الفجوة وتحفيز العرض، إلا أن هذا الإجراء قد يكون له عواقب جسيمة على الاستقرار الاقتصادي إذا لم يترافق مع إصلاحات مؤسسية.

لا خيار سوى إلغاء دعم العملة

قال الخبير الاقتصادي كامران ندري في حديثه مع صحيفة شرق إن هذه السياسة لم تكن خيار المركزي الإيراني بقدر ما هي واقع مفروض عليه، مضيفًا أن إزالة دعم العملة المفضلة عن بعض السلع ناتجة عن عدم توفر العملة الكافية لتخصيصها. وأوضح أن العديد من السلع لا تستطيع الحصول على العملة من السوق الرسمية بسبب نقص العرض.

وأشار ندري إلى أن المسؤولين في البنك المركزي ووزارة النفط يكررون أن بيع النفط وتوفير العملة لا يشكل مشكلة، لكن الواقع في السوق ينفي ذلك.

وأضاف أن معظم الاقتصاديين حذروا منذ البداية من أن سياسة العملة الرخيصة غير مستدامة على المدى الطويل، لما لها من آثار على الفساد والاحتكار، إذ يحصل المستوردون على عملة منخفضة التكلفة بينما تصل السلع بأسعار مرتفعة للمستهلك. كما أن الحكومة تفتقر إلى أدوات فعالة للرقابة، والتجربة أثبتت أن السلع المدعومة أيضًا عانت من تضخم مرتفع، أحيانًا يفوق معدل التضخم العام.

وأكد ندري أن هذه السياسة فشلت عمليًا، واستمرارها يهدر الموارد المحدودة للبلاد. واعتبر أن الحكومة بحاجة إلى تغيير نهجها من خفض الأسعار بشكل مصطنع إلى دعم مباشر للفئات المستضعفة، مثل رفع الرواتب وفق التضخم وزيادة المعاشات للمتقاعدين والأسر المحتاجة واستخدام أدوات مثل بطاقات التموين.

وأضاف أن الانتقال نحو سعر صرف موحد قد يحمل بعض التضخم، لكنه سيحد من الرشوة والمحسوبية، شريطة أن يترافق مع دعم فعّال للفئات المتوسطة والفقيرة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 + 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى