ليلة يلدا في إيران: أطول ليالي السنة… واحتفال لا تنطفئ جذوته رغم الغلاء

مع بزوغ أول أيام شهر "دي" الإيراني، الذي كان يُعرف بـ«يوم الشمس»، كان الإيرانيون يحتفلون بالعبور من العتمة إلى الضوء، ويخصصون ثلاثة أيام كاملة للفرح دون عمل.

ميدل ايست نيوز: عشية أطول ليالي السنة عند الإيرانيين تتزين البيوت ولو ببساطة لاستقبال ليلة يلدا؛ الليلة التي تودّع فيها إيران الخريف وتستقبل الشتاء، وتتحول منذ قرون إلى مناسبة للدفء الإنساني واللقاءات والذاكرة الجماعية. ورغم أن الغلاء المتصاعد جعل موائد يلدا أصغر وأقل تنوعًا، فإن الرغبة في البهجة والاحتفال ما تزال حاضرة، كشمعة تقاوم عتمة الليل الطويل.

في الساعات الأخيرة من آخر أيام الخريف والذي يصادف اليوم الأحد 21 ديسمبر، يجتمع الإيرانيون في بيوتهم أو عند الأصدقاء والأقارب. تمتد سهراتهم حتى ساعات الفجر الأولى، يتخللها الحديث والضحك والموسيقى، وتناول الفاكهة والمكسرات، وقراءة الشعر، في طقس اجتماعي يُجسد معنى التضامن والحميمية.

لكن يلدا لم تكن دائمًا مناسبة للفرح. ففي إيران القديمة، كانت هذه الليلة ترمز إلى ذروة الظلام، وكانت تُعدّ ليلة خطرة ومشؤومة، لأن الظلمة في المخيال الإيراني القديم ارتبطت بالشر والفوضى. لهذا، كان الناس يتجمعون حول النار، لا للاحتفال، بل لمواجهة أطول ظلام في السنة معًا، انتظارًا لشروق الشمس وانتصار النور.

مع بزوغ أول أيام شهر “دي” الإيراني، الذي كان يُعرف بـ«يوم الشمس»، كان الإيرانيون يحتفلون بالعبور من العتمة إلى الضوء، ويخصصون ثلاثة أيام كاملة للفرح دون عمل. ومع مرور الزمن، ولا سيما بعد التحولات الثقافية والدينية التي أعقبت دخول الإسلام على البلاد، تغيّر معنى يلدا، وتحولت من ليلة مظلمة إلى ليلة تُحتفى بها، وأصبحت رمزًا للصبر والأمل وبداية النور.

لا تزال اليوم بيوت كثيرة في إيران تحيي ليلة يلدا، وتعلو أصوات الموسيقى والفرح في أحياء المدن، وإن كان ذلك بحذر وتوجس. فخلال العقود الأربعة الماضية لم تكن مظاهر الرقص والغناء محل ترحيب من التيارات الحاكمة، لكن في السنوات الأخيرة تراجع التدخل الرسمي في الحياة الخاصة، بينما بقيت الأزمة الاقتصادية الخانقة العامل الأكبر الذي ألقى بظلاله الثقيلة على هذه المناسبة.

فمثلاً، جولة في أسواق طهران، من تجريش شمالًا إلى نازي آباد جنوبًا، تكشف حجم التغير، فقد ارتفعت أسعار الفاكهة الأساسية ليلدا وعلى رأسها الرمان والبطيخ والخرما بنحو مرة ونصف مقارنة بالعام الماضي. ففي حين كان شراء كيلوغرام من الرمان أو الخرما أمرًا اعتياديًا، بات اليوم عبئًا على كثير من الأسر الإيرانية بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية.

للمفارقة، يشير الباعة إلى أن مبالغ من هذا الحجم كانت في أوائل ثمانينيات القرن الماضي كافية لشراء منزل أو شقة واسعة في ضواحي طهران، أما اليوم فلا تكفي إلا لشراء كيلوغرام واحد من الفاكهة.

ورغم ذلك، يؤكد بائعو الفاكهة أن الإقبال لم ينعدم. كثيرون يشترون الحد الأدنى، متمسكين بالتقاليد ولو بشكل رمزي. فالفاكهة كما يبدو ما تزال أولوية على حساب المكسرات، التي ارتفعت أسعارها بنحو 40% خلال عام واحد، ما جعل شراء الكميات الكبيرة منها شبه مستحيل.

في محال المكسرات، تغيّر سلوك الزبائن بوضوح. بعد أن كان البعض يشتري عدة كيلوغرامات من الفستق أو الخلطات الفاخرة، بات معظم الناس يكتفون بعشرات الغرامات، أو يستعيضون عنها بالحلويات المحلية، والشوكولاتة، والحلوى التقليدية.

لم يقتصر الغلاء في إيران على الفاكهة والمكسرات. فمائدة العشاء خلال هذه الليلة، التي لا تخلو عادة من الدجاج أو اللحم، تأثرت هي الأخرى. فأسعار اللحوم ارتفعت بنحو 40% مقارنة بالعام الماضي، ما دفع كثيرًا من العائلات إلى تقليص الكميات أو الاستغناء عنها تمامًا. يؤكد القصابون أن المبيعات في نهاية هذا الخريف كانت أقل بكثير من السنوات السابقة، في مؤشر واضح على تراجع القدرة الشرائية.

ورغم كل هذه الضغوط، يبدو أن الإيرانيين يرفضون التخلي عن «سلاح الفرح». قد تكون المائدة أبسط، وقد تقل الأصناف، لكن اللقاءات والضحك والرقص والجلوس مع الأحبة، ما تزال جوهر ليلة يلدا. فكما يقول الفنان الإيراني الراحل محمد رضا شجريان: «الحياة ليست إلا لقاءً».

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة عشر − 15 =

زر الذهاب إلى الأعلى