الصحافة الإيرانية: سعر الصرف إلى أين؟
تطل أخبار سعر الصرف في إيران يومياً في صفحات وسائل الإعلام والصحف الإيرانية، لكنها في الأسبوعين الماضيين تصدرت العناوين والتحليلات والتقارير بشكل غير مسبوق.

ميدل ايست نيوز: تطل أخبار سعر الصرف في إيران يومياً في صفحات وسائل الإعلام والصحف الإيرانية، لكنها في الأسبوعين الماضيين تصدرت العناوين والتحليلات والتقارير بشكل غير مسبوق. فسعر كل دولار أميركي، الذي كان قبل اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل يتراوح في نطاق 70 إلى 90 ألف تومان، عاد مع بداية الحرب التي استمرت 12 يومًا إلى قناة 100 ألف تومان، ثم تراجع بعد انتهاء الحرب إلى مستوى 80 ألف تومان، غير أن هذا التراجع لم يدم طويلًا، إذ عاد الدولار منذ شهر سبتمبر إلى قناة 100 ألف تومان، قبل أن يتجاوز الآن وبوتيرة حادة مستوى 140 ألف تومان.
وقالت صحيفة شرق الإيرانية، إن الارتفاع الحاد في سعر الدولار أدى إلى امتناع عدد من محال الصرافة في سوق طهران عن بيع الدولار وإغلاقها أبوابها أمام الزبائن، لتدخل الصرافات في حالة شبه إغلاق. وفي موازاة ذلك، شهدت أسعار الذهب والعملات الذهبية قفزة حادة، حيث تجاوز سعر غرام الذهب عيار 18 في سوق طهران 15.5 مليون تومان، فيما تخطى سعر القطعة الواحدة من العملة الذهبية «إمامي» 160 مليون تومان.
ولم يكن ارتفاع أسعار الذهب في سوق طهران ناتجًا فقط عن صعود الدولار، إذ سجل الذهب في الأسواق العالمية أيضًا أرقامًا قياسية، حيث تجاوز سعر الأونصة 4500 دولار. وعلى خلفية التقلبات الحادة في الأسعار، دخلت الآن شريحة من محال بيع الذهب في طهران وبعض المدن الإيرانية الأخرى في حالة شبه إغلاق مع توقف حركة التداول.
وكان اتحاد الذهب والمجوهرات في طهران قد أعلن سابقًا أن المركزي الإيراني أقدم في خطوة وُصفت بالغريبة على تجميد حسابات 800 من تجار الذهب، في وقت رجحت فيه بعض التقديرات أن يكون الهدف من هذا الإجراء الحد من تداول الذهب والسيطرة على الارتفاع الحاد في أسعار سوق الذهب والعملات الذهبية.
بزشكيان: لا نملك المال!
ولم تتوقف التطورات عند هذا الحد، إذ ترددت أنباء عن احتمال استقالة أو إقالة محمد رضا فرزين، محافظ البنك المركزي الإيراني، حيث نشرت بعض وسائل الإعلام صورًا لجلسة مجلس الشورى الخاصة بمناقشة مشروع موازنة العام المقبل، إلا أن فرزين لم يكن حاضراً فيها. في المقابل، تعرض الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي مرر منذ أيام مشروع موازنة العام المقبل إلى البرلمان، لسيل من الانتقادات.
وأعدّت الحكومة الإيرانية موازنة العام المقبل بطابع انكماشي شديد، ففي وقت تجاوز فيه معدل التضخم 40 في المئة، حددت نسبة زيادة رواتب الموظفين والمتقاعدين عند 20 في المئة فقط.
وفي السياق ذاته، أعلن علي مدني زاده وزير الاقتصاد الإيراني، والذي يُقال إنه يميل إلى السوق الحرة، مرارًا عن عزمه توحيد سعر الصرف، مشيرًا إلى أن رفع العملة المدعومة للسلع الأساسية والأدوية يجب أن يتم تدريجيًا. كما أقدمت الحكومة خلال الأسابيع الماضية على حذف أربعة أصفار من العملة الوطنية، وأعلنت تحديد ثلاثة أسعار للبنزين. وإضافة إلى ذلك، كشفت الحكومة عن نيتها رفع أسعار المياه والكهرباء.
وردًا على الانتقادات المتعلقة بزيادة أسعار المحروقات، وإلغاء العملة التفضيلية، والاكتفاء بزيادة رواتب الموظفين والمتقاعدين بنسبة 20 في المئة، قال بزشكيان إن الحكومة لا تملك المال، وإن موارد العملة الأجنبية محدودة وغير كافية، متسائلًا عمّا إذا كان لدى المنتقدين إجابة عن مصدر الأموال التي يفترض أن تؤمّنها الحكومة.
من جانبه، قال محمد رضا فرزين، خلال اجتماع مع نواب البرلمان، إنه غير مسؤول عن تأمين العملة الأجنبية، بل عن تخصيصها. غير أن تصريحات بزشكيان وأعضاء حكومته قوبلت مجددًا بموجة من الانتقادات من نواب البرلمان ومراقبين آخرين، اعتبروا أن الحكومة تعلن صراحة عجزها عن السيطرة على الغلاء واحتواء ارتفاع الأسعار. ويرى هؤلاء المنتقدون أن هذا النوع من التصريحات ساهم في تسريع وتيرة ارتفاع سعر الصرف.
هل بزشكيان لا يقول الحقيقة؟
في المقابل، قال ألبرت بغزيان، الخبير الاقتصادي وعضو هيئة التدريس في جامعة طهران، لصحيفة «شرق»، إن تصريح الحكومة بعدم امتلاكها للمال يعكس الواقع، لافتًا إلى أن كثيرًا من منتقدي هذه الصراحة كانوا في السابق يتهمون الحكومات السابقة باتباع «العلاج الإعلامي» في سوق الصرف، ويقولون إن الحكومة والبنك المركزي لا يصرّحان بالحقائق ويلجآن إلى التهدئة الكلامية.
وأضاف بغزيان أن الحكومة الرابعة عشرة تواجه أعقد وضع اقتصادي تشهده إيران خلال العقود الأربعة الأخيرة، حيث تضافرت مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية وتوقعات سلبية لتأجيج أجواء السوق. واعتبر أن تقديم مشروع موازنة العام المقبل إلى البرلمان، وطرح تضخم بحدود 40 في المئة، وإلغاء العملة التفضيلية، إلى جانب تصريحات المسؤولين الاقتصاديين، فضلًا عن احتمال اندلاع حرب جديدة وارتفاع منسوب التوترات الدولية، كلها عوامل أدت إلى تصاعد حاد في مستوى عدم اليقين، وهو ما يفسر تفاعل سوق الصرف مع هذه الإشارات.
وأكد هذا الخبير الاقتصادي أن «حتى لو كانت الحكومة تواجه قيودًا حقيقية في موارد العملة الأجنبية، فإن طرح هذه القضايا بهذه الصيغة يخلّف آثارًا نفسية قوية في السوق، إذ يسارع المستوردون إلى تأمين احتياجاتهم من العملة في أقرب وقت، بينما يتريث المصدّرون في عرض العملة، ما يؤدي إلى زيادة الطلب الاحتياطي وارتفاع الضغوط على سعر الصرف».
وختم بغزيان بالقول إن الحكومة تفتقر إلى برنامج واضح لمكافحة التضخم، وإن الموازنة تعاني من اختلالات هيكلية خطيرة، في وقت يُعفى فيه نحو 50 في المئة من الاقتصاد من الضرائب أو لا يدفع ضرائب فعلية، الأمر الذي يحد من الإيرادات الضريبية. وأضاف أن بعض بنود الموازنة ذات طبيعة تضخمية بوضوح، وأن إلغاء العملة التفضيلية والاعتماد المفرط على الاستثمارين الخاص والأجنبي، من دون توفير البنية اللازمة لذلك، فاقم منسوب القلق في الأسواق.



