الصحافة الإيرانية: ملامح «الحرب العالمية المتفرقة» ونهاية النظام التقليدي

يشهد العالم اليوم انتقالاً تاريخياً من نظام أحادي القطبية إلى فضاء متشظٍ ومضطرب؛ انتقال لا يتم عبر حرب تقليدية شاملة، بل من خلال ظاهرة باتت تُعرف بـ«الحرب العالمية المتفرقة».

ميدل ايست نيوز: يشهد العالم اليوم انتقالاً تاريخياً من نظام أحادي القطبية إلى فضاء متشظٍ ومضطرب؛ انتقال لا يتم عبر حرب تقليدية شاملة، بل من خلال ظاهرة باتت تُعرف بـ«الحرب العالمية المتفرقة». في هذا النموذج، تلاشت الحدود التقليدية بين الحرب والسلم، وبين الأمن والاقتصاد، وبين الداخلي والدولي.

وقال علي رحيمي بور، الخبير في العلاقات الدولية، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني، إن أزمة فنزويلا لا تُعد مجرد كارثة إنسانية، بل تمثل ساحة صراع بالوكالة بين الولايات المتحدة وروسيا والصين. كما أن المناورات العسكرية الصينية في بحر الصين الجنوبي لا تقتصر على استعراض القوة، بل تشكل جزءاً من معركة أوسع للسيطرة على الممرات التجارية الاستراتيجية لمستقبل الاقتصاد العالمي.

وفي الشرق الأوسط، تتشابك المنافسة الثلاثية بين إيران والسعودية وتركيا مع الدور المعقد لدولة الإمارات العربية المتحدة، التي تجمع بين التحالف مع إسرائيل والتنافس مع السعودية، إلى جانب مساعي الغرب لإضعاف محور المقاومة تدريجياً.

هذا التشظي ليس عشوائياً، بل يعكس ملامح استراتيجية كبرى تهدف إلى استنزاف الفاعلين المستقلين عبر ضغوط متزامنة تشمل الحرب الاقتصادية، والحرب النفسية، وزعزعة الأمن الحدودي، والصراعات بالوكالة.

إن تحليل هذه التطورات بوصفها أزمات منفصلة يحول دون فهم الصورة الأشمل؛ فترابط مصائر كراكاس وطهران ودمشق وبكين يشير إلى ولادة نظام عالمي جديد، تُقاس فيه القوة أقل بساحات القتال وأكثر بميادين الاقتصاد والمعلومات والقدرة المجتمعية على الصمود. وفي هذه المعادلة الجديدة، تحظى إيران بحساسية استراتيجية استثنائية.

إيران اليوم ليست مجرد مراقب، بل تُعد أحد المحاور الرئيسية في هذه «الحرب المتفرقة». فالضغوط الاقتصادية القصوى، ومحاولات تأجيج الاضطرابات الداخلية، ونشاط الجماعات المسلحة على الحدود، والسعي إلى العزلة الإقليمية، تشكل جميعها أبعاداً مختلفة لاستراتيجية استنزاف متكاملة.

مع ذلك، يمكن لكل نقطة ضعف، إذا ما أُديرت بذكاء، أن تتحول إلى عنصر قوة. يكمن مفتاح نجاح إيران في هذه المرحلة لا في استنساخ أنماط التحالف أو المواجهة التقليدية، بل في بلورة نموذج قائم على «القدرة على الصمود الفاعل». ويرتكز هذا النموذج على ثلاثة أسس: أولاً، تعزيز القواعد الاقتصادية والاجتماعية للحد من الهشاشة أمام الحرب الاقتصادية. ثانياً، انتهاج دبلوماسية مرنة وغير استقطابية قادرة على المناورة بين تناقضات القوى الكبرى وبناء تحالفات مرحلية وموضوعية. ثالثاً، الاستثمار في القوة الناعمة وبناء سردية فعالة لتحييد الحرب النفسية.

المستقبل سيكون من نصيب الأمة القادرة، وسط أمواج هذا التحول المضطرب، ليس فقط على الصمود، بل على استيعاب منطق القوة الجديد وتثبيت دورها كفاعل بنّاء في صياغة النظام العالمي الآخذ في التشكل.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى