قانون قديم بآثار جديدة.. هل تتحمّل أسواق العراق صدمة التعرفة الجديدة؟

مع دخول قرارات التعرفة الكمركية الجديدة حيّز التنفيذ، تصاعد الجدل في العراق بين مخاوف شعبية من موجة غلاء أسعار، ورواية حكومية تؤكد أن الإجراءات تنظيمية لا ضريبية.

ميدل ايست نيوز: مع دخول قرارات التعرفة الكمركية الجديدة حيّز التنفيذ، تصاعد الجدل في العراق بين مخاوف شعبية من موجة غلاء أسعار، ورواية حكومية تؤكد أن الإجراءات تنظيمية لا ضريبية، وفيما أكد مستشار حكومي أن السوق لم تعتد تطبيق حزمة إجراءات كمركية، لفت إلى قدرة السوق على امتصاصها مستقبلاً، خصوصاً وأن الإجراءات نابعة من قراءة السياسة الاقتصادية للبلاد، في وقت تباينت آراء اقتصاديين حول توقيت التطبيق وآلياته وسرعة تنفيذه، وسط اتهامات لتجار بتضخيم الأزمة بحثاً عن مصالح شخصية.

وفي هذا الشأن، يقرّ المستشار الاقتصادي والمالي لرئيس الحكومة مظهر محمد صالح، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، بأن “السوق العراقية لم تعتد تطبيق حزمة متزامنة من إجراءات التكيّف في السياسة الكمركية دفعة واحدة، ولا سيما مع إدخال إجراءات تقنية وتنظيمية جديدة تُعرف بنظام التتبّع الكمركي، الذي يمثل، نموذجاً متقدماً من الانضباط الرقمي عالي التدقيق في مسار تدفّق السلع المستوردة إلى البلاد”.

ويوضح صالح، أن “هذه الإجراءات، وإن بدت صعبة ومعقّدة في مرحلتها الأولى، إلا أن السوق قادرة على امتصاصها تدريجياً عبر مسارين رئيسيين؛ أولهما تعزيز المعرفة الدقيقة بطبيعة السلع الداخلة إلى العراق، من حيث جهة الصنع والمنشأ الحقيقي، بما يسهم في الحد من التشوهات التجارية والغش والتلاعب في بيانات الاستيراد”.

أما المسار الثاني، بحسب المستشار الحكومي، فـ”يتعلق بالحفاظ على سلامة مسارات التحويل الخارجي، والحد من ظواهر غسل الأموال أو تسرب العملة الأجنبية إلى أنشطة لا ترتبط بالأغراض التجارية المشروعة، وهو ما يعد، وفق صالح، هدفاً محورياً في إطار ضبط السياسة النقدية والمالية”.

وفي ما يخص التعرفة الكمركية الجديدة، يشير المستشار الحكومي، إلى أنها “جاءت استناداً إلى قراءة السياسة الاقتصادية للواقع المالي للبلاد، وإلى توجهات حمائية تستهدف دعم المنتج الوطني وتنظيم التجارة الخارجية”، مؤكداً أن “هذا الخيار يندرج ضمن صلاحيات التقدير السيادي للسياسة الاقتصادية”.

ويخلص صالح، إلى أن “فرض هذه التعرفة يهدف إلى تحقيق توازن دقيق بين تعظيم الإيرادات العامة من جهة، والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي ومنع الاختلالات في السوق من جهة أخرى”، مشدداً على أن “نجاح هذه الإجراءات يبقى مرتبطاً بقدرة السوق والفاعلين الاقتصاديين على التكيّف التدريجي معها”.

وكانت الهيئة العامة للكمارك في العراق، أعلنت تطبيق التعريفة الكمركية الجديدة بنسبة 15 بالمئة اعتباراً من مطلع 2026، فيما أشارت إلى أن زيادة التعريفة لا تشمل السلع الضرورية التي تمسّ حياة المواطن. وقال مدير عام الهيئة، ثامر قاسم داود، إنه “اعتباراً من 1 كانون الثاني يناير 2026 سيتم تطبيق التعريفة الجمركية الجديدة من خلال فرض رسوم جمركية بنسبة 15 بالمئة كرسم جمركي على السلع الكمالية، بالإضافة إلى تطبيق المواصفات العراقية الخاصة بالسيارات المستوردة بشكل إلزامي”.

وأثار فرض وتعديل ضرائب ورسوم كمركية جديدة في مطلع عام 2026 جدلاً واسعاً في العراق، وتصاعد القلق من موجة غلاء تضرب السوق، إذ شهد الشارع العراقي حالة من الاستياء الشعبي والغضب عقب تداول أنباء عن فرض تعريفات كمركية جديدة.

وشمل الجدل تعديل الرسوم الكمركية على سلع حيوية وكمالية، منها: الأدوية والمستلزمات الطبية بحيث تم توحيد نسب التعرفة لتصبح 5% (بعد أن كانت تتراوح بين 0.5 و4 بالمئة)، السيارات الهجينة (الهايبريد) إذ تم إلغاء الإعفاء السابق وفرض رسم كمركي بنسبة 15 بالمئة، أسوة بالسيارات الاعتيادية. الذهب والخدمات الرقمية، وذلك بفرض ضريبة 5 بالمئة على الذهب، وأنباء عن إعادة ضريبة 20 بالمئة على بطاقات تعبئة الهاتف والإنترنت، لكن الحكومة نفت فرض “ضرائب جديدة”، موضحة أن الإجراءات تتعلق بـ”استيفاء أمانات ضريبية” عبر نظام “الأسيكودا” الإلكتروني لتنظيم التجارة.

من جهته، يؤكد الباحث في الشأن الاقتصادي نبيل جبار التميمي، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن “تطبيق التعرفة الكمركية الحالية يأتي استناداً إلى قانون التعرفة الكمركية المُقرّ عام 2010، والذي يتضمن جداول تفصيلية بنسب الرسوم المفروضة على مختلف السلع، إلى جانب تشريعات أخرى مرتبطة بحماية المنتج المحلي”.

ويوضح التميمي، أن “الحكومة، وبموجب هذه القوانين، فرضت رسوماً إضافية على بعض السلع، ما يعني أن المادة المستوردة قد تخضع لتعرفة كمركية منصوص عليها في قانون الكمارك، فضلاً عن رسوم إضافية ناتجة عن تطبيق قانون حماية المنتج المحلي”.

ويشير إلى أن “حكومة محمد شياع السوداني كانت قد اتجهت، خلال الفترة الماضية، إلى ما يشبه تصفير التعرفة الكمركية، عبر خفض الرسوم على المواد الغذائية إلى حدود 1–2 بالمئة، وعلى الأعلاف إلى نحو 0.5 بالمئة، فيما لم تتجاوز التعرفة على بقية السلع 6 بالمئة، إضافة إلى اعتماد آلية احتساب الرسوم على أساس الحاويات، حيث فُرضت مبالغ مقطوعة على الحاويات الصغيرة والكبيرة”.

إلا أن قرار الحكومة بالعودة إلى التطبيق الكامل للتعرفة الكمركية في نهاية دورتها، بحسب التميمي، “سيؤدي حتماً إلى تغيّر أسعار السلع في السوق، مع توقعات بارتفاع معدلات التضخم نتيجة زيادة كلف الاستيراد”.

وفي ما يتعلق بسعر صرف الدولار، يلفت الباحث في الشأن الاقتصادي، إلى أن الإشكالية لا تتوقف عند التعرفة الكمركية فقط، بل تمتد إلى آلية “التصريح المسبق ونظام الأسيكودا، اللذين فرضتهما الحكومة لربط التحويلات المالية بالإجراءات الكمركية”.

ويرى أن “هذه الآلية ستخلق حالة من الإرباك في تمويل التجارة والاستيراد، إذ سيتعرض التجار لضغوط بيروقراطية إضافية بفعل اشتراطات معقدة، من بينها التعامل مع جهات محددة ووكلاء معتمدين، وربط الحوالات ببيانات جمركية دقيقة”.

ويحذر التميمي من أن “هذا المسار قد يقود إلى إرباك مزدوج في السوق، يتمثل بشحة بعض السلع من جهة، وارتفاع أسعارها من جهة أخرى”، مرجحاً أن “يدفع ذلك عدداً من التجار إلى العودة للتعامل مع السوق السوداء في الحصول على الدولار، كما كان الحال قبل عام 2023، لتفادي المنصة والتصريح المسبق، ما قد يفاقم الضغط على سعر الصرف”.

ويرى الباحث التميمي، أن “الحكومة أخطأت في ربط تحصيل الرسوم الكمركية بملف الحوالات بهذا الشكل، بغض النظر عن مشروعية تطبيق قانون التعرفة من حيث المبدأ”، محذراً من أن “الإصرار على هذا النهج قد يخلق أزمة ممتدة يصعب احتواؤها سريعاً”.

ويردف أن “غياب التطبيق التدريجي وعدم دراسة الأبعاد الاقتصادية لهذه القرارات بشكل كافٍ قد يؤدي إلى صدمة في السوق، تنعكس على المستهلك بارتفاع الأسعار، وعلى الاقتصاد بزيادة الطلب على الدولار واضطراب الاستقرار النقدي، نتيجة ضعف التنسيق بين البيانات الكمركية والتحويلات المالية وحركة الاستيراد”.

وكان الخبير الاقتصادي باسم جميل أنطوان حذر من أن هذه الإجراءات تخلق تضخماً نقدياً يؤدي إلى ارتفاع سريع في الأسعار، في حين سيكون من الصعب إعادة خفضها لاحقاً، وفيما وصف ما يجري بأنه “مضاربة مغلفة”، أشار إلى أن الارتفاع الحالي في الأسعار لا يستند إلى مبررات اقتصادية حقيقية، بل استغله المضاربون، وأن ارتفاع الدولار هو جزء من هذه العملية.

وشهد سعر صرف الدولار ارتفاعاً نسبياً منذ بدء العام الحالي بالتزامن مع تطبيق التعرفة الكمركية ونظام الأسيكوادا.

لكن الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني، يقلّل بدوره، من حجم الجدل المثار بشأن تطبيق التعرفة الكمركية، معتبراً أن المسألة “ُضخمت أكثر من حجمها الحقيقي، وأن قانون التعرفة الكمركية مشرّع منذ عام 2010، فيما جرى في عام 2016 تصنيف السلع إلى مجاميع محددة، في إطار محاولة لتسهيل التطبيق وضبط المنافذ الحدودية”.

ويوضح المشهداني، أن “محاولات تطبيق القانون سابقاً اصطدمت بالأوضاع الأمنية وضعف السيطرة على المنافذ، فضلاً عن تدفق السلع عبر إقليم كردستان خارج السياقات الكمركية المنتظمة، ما دفع، وبناءً على توصيات صندوق النقد الدولي، إلى اعتماد نظام المجاميع بدلاً من فرض نسب تفصيلية على آلاف السلع، حيث جرى تقسيمها إلى ست مجاميع رئيسية”.

ويشير إلى أن “إدخال نظام الأسيكودا جعل العراق ملزماً عملياً بتطبيق التعرفة الكمركية، ولا سيما بعد شكاوى التجار في عام 2017 من بطء الإجراءات وتعرضهم للابتزاز وتكدس الحاويات في الموانئ. وضمن محاولات المعالجة، جرى اعتماد الرسوم القطعية على الحاويات”، إلا أن المشهداني يصف هذا الإجراء بغير المنصف، “لأن قيمة البضائع داخل الحاويات تختلف بشكل كبير، وقد تكون حاوية واحدة أقل قيمة بكثير من أخرى تخضع للرسوم ذاتها”.

وحول ربط الجمارك بالتحويلات المالية، يوضح المشهداني، أن “نظام الأسيكودا يعتمد التدقيق التفصيلي في بيانات الاستيراد، بما في ذلك الشركة المصنعة والبيانات المصرفية والتصريح المسبق لطلب الدولار”.

ويبيّن أن هذا “الإجراء يهدف إلى معالجة الفجوة بين حجم التحويلات الخارجية، التي بلغت نحو 80 مليار دولار العام الماضي، وقيمة البضائع المستوردة فعلياً، التي لم تتجاوز 35 مليار دولار وفق بيانات الجمارك، ما يعزز قدرة البنك المركزي على ضبط الحوالات والحد من الهدر والتهريب”.

ويرى الخبير الاقتصادي، أن استقرار السوق مرتبط بانتظام الإجراءات، مؤكداً أن “اعتراض بعض التجار نابع من تضرر مصالحهم، لا من حرصهم على المستهلك”.

ويشدد على أن “الرسوم الكمركية تُعد إجراءً طبيعياً معمولاً به في جميع الدول، وأنها تركز بالأساس على السلع الكمالية مثل السيارات الفارهة، فيما تبقى المواد الغذائية الأساسية خاضعة لنسب منخفضة لا تتجاوز 5 بالمئة أو تكون معفاة، كما أن الأدوية لا تُفرض عليها رسوم مرتفعة، خلافاً لما يُشاع عن مضاعفة شاملة للأسعار”.

ويؤكد المشهداني، أن “تطبيق التعرفة الكمركية لم يكن قراراً مفاجئاً، بل جاء بعد دراسات ومناقشات امتدت منذ آب أغسطس الماضي، بمشاركة ممثلين عن القطاعين الخاص والتجاري، الذين قدموا أوراقهم وملاحظاتهم”.

ويختم بالقول إن “محاولات إرباك السوق عبر الدعوة إلى وقف الاستيراد تمثل ضغطاً سياسياً واقتصادياً أكثر منها موقفاً مهنياً”، لافتاً إلى أن الدولة، كما التجار، بحاجة إلى استقرار السوق لضمان استمرار الدورة الاقتصادية ودفع الالتزامات المالية”.

وتأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه الاقتصاد العراقي من اختلالات هيكلية متراكمة، أبرزها الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية وارتفاع الإنفاق التشغيلي وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب بيئة إقليمية ودولية مضطربة تشهد انكماشاً اقتصادياً وحروباً تجارية انعكست على سياسات الرسوم والضرائب في العديد من الدول.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة + سبعة =

زر الذهاب إلى الأعلى