قطع الإنترنت في إيران يشلّ قطاع التعليم
يواجه القطاع التعليمي في إيران معاناة وشللاً خلال الفترة الأخيرة في مجالات التدريس والبحث العلمي والاتصالات الأكاديمية، وذلك عقب الانقطاع التام للإنترنت منذ الثامن من يناير/ كانون الثاني الجاري.

ميدل ايست نيوز: يواجه القطاع التعليمي في إيران معاناة وشللاً خلال الفترة الأخيرة في مجالات التدريس والبحث العلمي والاتصالات الأكاديمية، وذلك عقب الانقطاع التام للإنترنت منذ الثامن من يناير/ كانون الثاني الجاري. يأتي هذا التوقف في أعقاب التطورات الدامية التي شهدتها البلاد، والتي تحولت فيها التظاهرات إلى اشتباكات نجمت عنها أعمال قتل وعنف وتخريب واسعة النطاق.
وتُعدّ شبكة الإنترنت الدولي العمود الفقري للتعليم العالي والبحث العلمي عالمياً، بالإضافة إلى دورها المحوري في التعليم المدرسي. وسابقاً، كانت تُعلَّق الدراسة الحضورية في الجامعات والمدارس الإيرانية، عندما كانت تشتد حدة الظروف الأمنية أو البيئية، سواء خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة في يونيو/ حزيران الماضي، أو خلال احتجاجات سابقة أو مع سوء الأحوال الجوية وتداعيات التلوث البيئي. وكان يتم التحوّل إلى التعليم الافتراضي عبر الإنترنت، لكن لم يكن قطع الإنترنت يستمر كل هذه الفترة.
منذ نحو أسبوعين حتى تاريخ كتابة التقرير، يعاني الطلاب والتلامذة الإيرانيون من الانقطاع الكلي للإنترنت الدولي، ما أعاق الانطلاق بصفوف افتراضية. وكانت غالبية المحافظات الإيرانية قد فتحت مدارسها الاثنين الماضي، لكن كثيراً منها بما فيها المدارس في طهران، أعادت إغلاق أبوابها أمس الأربعاء، نتيجة البرد وسوء الأحوال الجوية.
كما تعرّض قطاع التعليم لأضرار مادية مباشرة، وقد أفاد رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، إبراهيم عزيزي، بتضرر 250 مدرسة في مختلف أنحاء إيران خلال الاحتجاجات. من جهته، صرّح رئيس منظمة إعادة بناء وتطوير وتجهيز المدارس في إيران، حميد رضا خان محمدي، بأن المدارس المتضررة ستخضع للإصلاح السريع بمساعدة الأهالي، وفقاً لما نقله موقع الحكومة الإيرانية.
وأول من أمس الثلاثاء، أعلنت هيئة البث الإيرانية الرسمية، أن سلطات الأمن الإيرانية أغلقت 40 ألف محطة لشركة ستارلينك المملوكة لإيلون ماسك، التي تمكّن المستخدمين من الوصول إلى الإنترنت عبر القمر الاصطناعي. مع العلم أن السلطات الإيرانية كانت قد تعهدت يوم الاثنين الماضي، بإنهاء الحظر المفروض على استخدام الإنترنت خلال الأيام الأربعة المقبلة.
في حديث خاص لـ”العربي الجديد”، يؤكد المعلم الإيراني محمود عبداللهي أن الانقطاع الواسع والتام لخدمات الإنترنت الدولي في إيران خلال الأسبوعين الماضيين، والذي تزامن مع انعقاد امتحانات الفصل الدراسي الأول، قد خلّف تبعات كبيرة، أحياناً لا يمكن تعويضها للطلاب. ويوضح أن طلاب المرحلة الثانوية على وجه الخصوص، يعتمدون بنسبة كبيرة على المنصات الإلكترونية في مسيرتهم التعليمية.
ويقول عبداللهي: “خلال الاحتجاجات، لم يتوقف الإنترنت الدولي فحسب، بل حتى الإنترنت المحلي خرج عن الخدمة بالكامل لساعات وأيام متتالية، ما أدى إلى انقطاع كامل لقنوات الاتصال بين المعلمين والطلاب وتوقف منصة شاد التعليمية عن العمل بشكل كلي في فترات متعددة”.
وبعد استعادة خدمة الإنترنت المحلي، ظلّ الوصول إلى هذه المنصة مقيّداً بقيود زمنية وفنية؛ وفق عبداللهي، إذ اقتصر على إمكانية إرسال الرسائل في الفترة الزمنية الممتدة ما بين الساعة 7:30 صباحاً وحتى الرابعة عصراً. وحتى هذا النطاق الزمني لم يكن متاحاً لجميع المستخدمين، إذ عجز بعض المعلمين حتى خلال هذه الساعات عن إرسال الرسائل أو رفع المحتوى.
ويشير المعلم الإيراني إلى أن هذا الوضع قد أدى إلى شلل تام لفصول الدعم الدراسي، ومراجعة الدروس، والاستعداد للامتحانات. وفي النهاية، تمّ إلغاء امتحانات الفصل الأول لمدة أسبوعين وتأجيلها إلى وقت لاحق، وهو قرار أدى إلى تأخير بدء الفصل الدراسي الثاني.
يوضح عبداللهي أن هذا التأخير المتسلسل يخلق ضغطاً مضاعفاً على الخطة التعليمية للفصل الثاني، إذ يجعل إتمام الدروس بشكل كامل وبجودة عالية، أمراً مشكوكاً فيه. كما أدى الغموض بشأن مواعيد إقامة الامتحانات، والعجز عن التواصل مع المعلمين، والخوف من التأخر الدراسي، إلى رفع مستوى القلق لدى الطلاب بشكل ملحوظ. وقد واجه العديد من المعلمين ضغطاً مضاعفاً لتعويض الوقت الضائع، وهو ضغط أثّر ليس على جودة التدريس فقط، بل أيضاً على التركيز التعليمي، بحسب قوله.
وفي هذا السياق، تقول حديثه رضائي لـ”العربي الجديد”: “الوضع لا يُطاق. كان ابني يستعد لامتحان القبول في الجامعات بعد الثانوية العامة. وكانت خطته تعتمد على الحصص الدراسية عبر الإنترنت وتحميل الأفلام التعليمية والاختبارات التجريبية الإلكترونية. لكن منذ انقطاع الإنترنت، تشتت تركيزه تماماً، وصار يتشاجر معي يومياً متحسراً على مستقبله، ويسألني لماذا لا نستطيع الحصول على الإنترنت”. وتقول: “كان ابني مجتهداً جداً في دراسته، وكان يطمح إلى اجتياز امتحان القبول في تخصص الطب بجامعة طهران، لكنّه يخشى اليوم ضياع فرصته”.
وتخبر كمالي، والدة طالبة في الصف التاسع، أنّ ابنتها بدأت امتحانات الفصل الدراسي، وقد أعلنت المدرسة أنّها ستقوم بتحميل كل الملخصات، ونماذج الأسئلة، وحتى الأفلام التعليمية على قناة “شاد” ومنصة المدرسة، لكن ابنتها لا تستطيع فتح صفحة واحدة في المنصة منذ ثلاثة أيام.
وتضيف لـ”العربي الجديد” أنّ ابنتها تسألها كل يوم بقلق: “ماما، إذا جرى الامتحان ولم أرَ الملخصات ماذا سأفعل؟”، مؤكدةً أنّ انقطاع الإنترنت تسبّب في تأخر الطلاب عن دراستهم، بينما ينتاب الأهالي الشعور بالعجز التام وعدم القدرة على فعل أي شيء.
ويُعدّ طلاب الدراسات العليا الفئة الأكثر تضرراً من الأزمة، إذ توقفت مسيرتهم البحثية في منتصف الطريق، نظراً لاستحالة تدوين الرسائل والأطروحات والمقالات البحثية المُحكمة، إلى جانب صعوبة الوصول للمقالات الحديثة والمنشورات البحثية أو حتى مراجعة المصادر، ما خلق لديهم حالة من الحيرة والضغط النفسي الشديد.
يقول كريم طرفي، وهو طالب دكتوراه في الأدب العربي، إنّه في خضم الأحداث التي تشهدها إيران، ووسط خطوات احترازية أمنية شملت تعطيل خدمات الإنترنت بشكل واسع، يجد قطاع التعليم العالي نفسه على مفترق طرق صعب. ويضيف لـ”العربي الجديد” أنّ قطع الشبكة العنكبوتية جاء بالتزامن مع نهاية الفصل الدراسي الأول، وهو توقيت حاسم تشهد فيه الجامعات زخماً من المحاضرات والاختبارات وتسليم الأبحاث، خصوصاً طلبة الدراسات العليا.
ويتابع الطالب الإيراني: “لم يقتصر القرار على تحويل التعليم الحضوري إلى تعليق مؤقت فحسب، بل أدى إلى شلل كامل في المنظومة الأكاديمية الرقمية. ونتيجة قطع الإنترنت، لم يتمكن الطلاب من الوصول للمواقع الجامعية الرسمية، والمجلات العلمية المحلية والعالمية، ومنصات المكتبات، وعجزوا عن تحميل الكتب الرقمية من المواقع العالمية، ما جعل الطلاب والباحثين في عزلة معلوماتية.
ويؤكد طرفي أن المعاناة تفاقمت مع انقطاع خدمات البريد الإلكتروني، الذي يمثل أداة مهمة للتواصل بين الأساتذة والطلاب، وإدارة الشؤون الجامعية، معتبراً أن هذا الانقطاع المفاجئ عن العالم الرقمي يضع مستقبل فصلٍ دراسي كامل على المحك، ويُلقي بظلاله على الطلاب، لجهة قدرتهم على استكمال الواجبات والالتزام بالمواعيد النهائية للأبحاث.
كذلك، يواجه أعضاء الهيئة التدريسية في الجامعات الإيرانية تحديات كبيرة تتمثل في صعوبة تحديث المحتوى التعليمي، وتحكيم المقالات، وإرسال الأبحاث للمجلات العالمية، بل وحتى استقبال البريد الإلكتروني.



