تهديد أم خوف من حرب شاملة… ما هي قصة إغلاق السفارات الأوروبية في طهران؟

يعزز هذا السلوك الأوروبي، من دون قصد، الرواية الإيرانية حول طبيعة المرحلة. فطهران تسعى منذ مدة إلى التأكيد على أن أي صراع محتمل لن يكون محدوداً أو مضبوطاً أو محصوراً بينها وبين الولايات المتحدة.

ميدل ايست نيوز: أغلقت النمسا، على غرار بريطانيا، سفارتها في طهران بعیداً عن الأضواء والتصريحات الرسمية ودون أي ضجيج إعلامي يذكر. للوهلة الأولى قد يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها شكل من أشكال الاحتجاج الأوروبي على التطورات الأخيرة في إيران، إلا أن القصة أعمق من ذلك، إذ تتخذ أوروبا هذه المرة موقفاً مختلفاً في سياق التوتر القائم بين إيران والولايات المتحدة. وبإغلاق السفارة النمساوية، تصبح هذه البعثة الدبلوماسية ثاني سفارة أوروبية تغادر إيران بعد السفارة البريطانية.

وقال موقع رويداد 24، إن إغلاق سفارة في دولة ما لا يعني مجرد إقفال أبواب مبنى دبلوماسي، بل يحمل في طياته رسالة متعددة الأبعاد وذات دلالات عميقة في ميدان السياسة الدولية. هذه الرسالة لا تقتصر على الدولة المضيفة وحدها، بل تشمل الرأي العام والفاعلين الإقليميين، وحتى الحلفاء المقربين. فالسفارات تمثل الحد الأدنى من الحوار والتواصل والاعتراف المتبادل، وإغلاقها غالباً ما يشير إلى دخول العلاقات الثنائية أو وضع الدولة المضيفة مرحلة أكثر تأزماً.

أولى وأوضح رسائل إغلاق السفارة تتمثل في الاحتجاج الرسمي والسياسي. فالدولة التي تغلق سفارتها تعلن عملياً أن مستوى التوتر بلغ حداً يجعل استمرار العلاقات الدبلوماسية الطبيعية غير ممكن أو غير مجدٍ. وإلى جانب الخلافات غير المحلولة، يُعد هذا الإجراء أحياناً مؤشراً على مخاوف جغرافية وأمنية، ويُنظر إليه كمقياس لارتفاع حرارة التوترات.

الرسالة الثانية تتعلق بتقليص قنوات الاتصال وزيادة مخاطر سوء الفهم. فالسفارات تؤدي دوراً حيوياً في إدارة الأزمات ونقل الرسائل العاجلة ومنع تفاقم التوتر. ومع إغلاقها، تنتقل الاتصالات إلى قنوات غير مباشرة أو عبر وسطاء أو مسارات أمنية محدودة، وهي مسارات أبطأ وأكثر عرضة لسوء التقدير. وفي مثل هذه الظروف، قد يتحول حتى حادث بسيط إلى أزمة أكبر، بسبب إضعاف الأدوات الدبلوماسية الكفيلة باحتواء التصعيد.

أما الأثر الثالث لإغلاق السفارات الأجنبية، فينعكس على الرأي العام في الدولة التي اتخذت القرار، إذ يحمل رسالة مفادها ضرورة التعامل بجدية مع التهديد أو الخطر، لأن الدولة المعنية قبلت بتحمل الكلفة السياسية لقطع العلاقات. وفي أحيان كثيرة، يؤدي هذا القرار وظيفة رمزية تهدف إلى إظهار الحزم، أو حماية المواطنين، أو الاستجابة لضغوط داخلية، ولا سيما عندما تحتاج الحكومات إلى إظهار رد فعل صارم.

إغلاق السفارات والرسائل الظاهرة والخفية

يجب التعامل بجدية مع الإغلاق الأخير لسفارتين أوروبيتين في إيران. تشير تقارير واردة إلى أنه خلال أيام قطع الإنترنت وتصاعد الاحتجاجات الشعبية، عُقدت اجتماعات مهمة بين مسؤولي وزارة الخارجية الإيرانية ومسؤولين أمنيين مع ممثلي السفارات الأجنبية في طهران. خلال هذه الاجتماعات، وجهت طهران عدة رسائل تحذيرية مهمة إلى ضيوفها، مفادها أن رد إيران على أي هجوم محتمل من الولايات المتحدة أو إسرائيل هذه المرة لن يكون محدوداً.

وقد ظهرت مؤشرات هذه الرسائل في مشاورات سفراء الدول المجاورة خلال مباحثاتهم مع الحكومة الأمريكية الأسبوع الماضي. ووفقاً لتقارير وسائل إعلام أمريكية، كانت الولايات المتحدة تعتزم شن هجوم على إيران يوم الأربعاء قبل أسبوعين، إلا أن عدة عوامل حالت دون ذلك. من بينها، كما أشارت صحيفة واشنطن بوست، الرسائل التي بعثت بها دول الجوار، من بينها تركيا وقطر والسعودية، إلى ترامب. وكتبت الصحيفة أن قادة حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط كانوا قلقين من طبيعة الرد الإيراني المحتمل في حال تعرضت إيران لهجوم أمريكي.

وبحسب عدد من المسؤولين الإقليميين، كانت إيران قد حذرت دول الخليج من أن ردها هذه المرة لن يكون «مضبوطاً ومحدوداً» كما في السابق. ففي أعقاب الهجوم الأمريكي على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو، كانت طهران قد أبلغت مسبقاً بنيتها الرد، ثم أطلقت نحو اثني عشر صاروخاً باتجاه قاعدة العديد الجوية في قطر. وكانت هناك مخاوف من أن تبدأ القوات الحليفة لإيران، بما في ذلك حزب الله، بتنفيذ هجمات، وهو خطر كان سيصبح أكثر جدية في غياب مجموعة قتالية أمريكية لحاملة طائرات في المنطقة.

إسرائيل لم تكن مستعدة لرد إيراني مضاد

تفيد التقارير الواردة بأن الرسالة ذاتها نُقلت أيضاً إلى الأوروبيين. فقد حذر مسؤولو وزارة الخارجية والأجهزة الأمنية الإيرانية سفراء الدول الأوروبية في طهران من أن إيران «ليست مكتوفة الأيدي» في حال قيام دولهم بدور تخريبي أو مشاركتها في أي هجوم أمريكي. وبحسب معلومات متداولة، قامت الولايات المتحدة بنشر جزء من المعدات اللازمة لهجوم محتمل على إيران في دول أوروبية. ومن وجهة نظر طهران، يُعد هذا الإجراء إعلاناً فعلياً للعداء في ظل الظروف الحساسة الراهنة.

ويبدو أن إغلاق السفارتين النمساوية والبريطانية جاء كرد فعل على الموقف الإيراني الجديد، مع احتمال ألا يقتصر هذا الإجراء على هاتين الدولتين فقط.

الاستراتيجيات الجديدة لإيران

نشرت وكالة فارس خلال الأيام الماضية تقريراً تناولت فيه ملامح من الاستراتيجية الجديدة لإيران تحت عنوان «لعبة طهران بورقة الرجل المجنون؛ الأمن في إيران أو الأزمة للجميع». وذكرت الوكالة، نقلاً عن تقرير لمجلة الإيكونوميست، أن التقدير الاستخباراتي الإسرائيلي يفيد بأنه في حال تعرضت إيران لهجوم أمريكي، فإن طهران لن ترد بشكل مباشر فحسب، بل ستجر أيضاً حلفاء واشنطن الإقليميين إلى الحرب. وبعبارة أخرى، فإن أي حرب ضد إيران ستكون حرباً إقليمية شاملة.

وتناولت وكالة فارس في سياق التقرير ما وصفته بـ«نظرية الرجل المجنون»، مشيرة إلى أنه في ستينيات القرن الماضي لجأ ريتشارد نيكسون إلى هذه النظرية للخروج من مأزق حرب فيتنام، عبر إظهار سلوك غير قابل للتنبؤ لترهيب الخصم. وفي يناير 2025، دخل ترامب البيت الأبيض وفق النهج ذاته، من التهديد لكندا وغرينلاند إلى زعزعة حلف الناتو، مروراً بالهجوم على المنشآت النووية الإيرانية وحتى الحديث عن اختطاف رئيس فنزويلا. الهدف، بحسب التقرير، هو إيصال رسالة مفادها أنه «لا خطوط حمراء». ومع اندلاع الاحتجاجات الأخيرة، تصاعدت التهديدات العسكرية لترامب، بما في ذلك تهديدات مباشرة ضد المرشد الإيراني.

وجاء رد طهران واضحاً: أي عمل عسكري يعني استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، وأي دولة تُستخدم أراضيها أو أجواؤها أو إمكاناتها كنقطة انطلاق للهجوم ستُعد شريكاً في الحرب.

ترى إيران أن مفهوم «القاعدة الأمريكية» لا يقتصر على مواقع تمركز القوات العسكرية فقط، بل يشمل أي مركز لوجستي أو استخباراتي أو جوي أو دفاعي يقدم دعماً للولايات المتحدة أو إسرائيل، ويُعد هدفاً مشروعاً.

وحذرت إيران من أنه في حال اندلاع الحرب، سيصبح الخليج غير آمن، وستتعرض المنشآت النفطية للدول المتعاونة مع الخصوم للاستهداف، ولن تكون هناك خطوط حمراء تحمي المراكز الحيوية للطاقة في المنطقة.

كما أشار ريتشارد نيفيو، المسؤول الأمريكي السابق المعروف بدوره في تصميم العقوبات المشددة على إيران، في مذكرة حديثة، إلى أن «إيران تمتلك قدرة كبيرة على توجيه ضربات انتقامية ضد البنية التحتية للطاقة في المنطقة وضد المصالح الأمريكية الرئيسية».

وحملت خطب صلاة الجمعة في طهران الرسالة ذاتها، حين قال خطيب الجمعة حاج علي أكبري إن «تريليون دولار استثمرتها الولايات المتحدة في المنطقة تقع تحت مرمى صواريخنا»، في إشارة واضحة إلى طبيعة الرسالة الإيرانية.

ماذا تعني إغلاقات السفارات بالنسبة لطهران؟

في سياق هذه التطورات، ينبغي النظر إلى الإغلاق الهادئ للسفارات ليس كقرار مؤقت، بل كجزء من إعادة ترتيب المشهد الدبلوماسي مع اقتراب مرحلة عالية المخاطر. فما يجري اليوم في طهران ولندن وفيينا لا يعكس خلافاً ثنائياً بسيطاً، بل يشير إلى تحول أعمق في معادلات الردع وفهم التهديد بين إيران والولايات المتحدة وأوروبا. فالأخيرة، التي سعت لسنوات إلى تقديم نفسها كطرف وسيط ومستقل نسبياً عن واشنطن، تجد نفسها اليوم مضطرة لتحمل كلفة خياراتها الأمنية.

وعليه، فإن الرسالة الأساسية لإغلاق هذه السفارات لا تكمن في الاحتجاج السياسي بقدر ما تتمثل في «نقل القلق». فعندما تقرر دولة خفض حضورها الدبلوماسي إلى الصفر أو إلى ما يقاربه، فهذا يعني أنها ترى احتمال اندلاع سيناريو متوتر كأمر واقعي لا افتراضي. وهذه الرسالة موجهة أكثر إلى العواصم الأوروبية والرأي العام الداخلي فيها، ومفادها أن الأوضاع الإقليمية تتجه نحو مرحلة غير قابلة للتنبؤ، وأن الحكومات تفضل تقليص المخاطر على مواطنيها ودبلوماسييها مسبقاً.

يعزز هذا السلوك الأوروبي، من دون قصد، الرواية الإيرانية حول طبيعة المرحلة. فطهران تسعى منذ مدة إلى التأكيد على أن أي صراع محتمل لن يكون محدوداً أو مضبوطاً أو محصوراً بينها وبين الولايات المتحدة. وإغلاق السفارات يؤكد عملياً أن حتى الفاعلين الأوروبيين يتعاملون بجدية مع سيناريو توسع التوتر. بعبارة أخرى، تسهم أوروبا، من خلال هذه الخطوة، في تعزيز مصداقية خطاب الردع الإيراني.

الانتقال من دبلوماسية الأزمة إلى دبلوماسية الاحتياط

على الضفة الثانية، تظهر هذه التطورات أن «دبلوماسية الأزمة» قد أفسحت المجال لـ«دبلوماسية الاحتياط». فقد حاولت أوروبا خلال السنوات الماضية، ولا سيما بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، الحفاظ على قنوات دبلوماسية مفتوحة للقيام بدور امتصاص الصدمات. إلا أن هذه الاستراتيجية تبدو اليوم وقد وصلت إلى طريق مسدود، أو على الأقل فقدت فعاليتها في المرحلة الحالية. فعندما تقدم دول مثل النمسا، المعروفة تقليدياً بحيادها واحتضانها للحوار الدبلوماسي، على إغلاق سفارتها، فإن ذلك يعكس مستوى عالياً من فقدان الثقة بالمستقبل القريب للمنطقة.

من وجهة نظر إيران، تمثل هذه الظروف فرصة وتهديداً في آن واحد. فرصة لأن رسائل الردع الإيرانية باتت تؤخذ على محمل الجد ولم تعد مجرد شعارات أو تهديدات لفظية، وتهديداً لأن تراجع الاتصالات المباشرة يقلص فرص توضيح المواقف واحتواء سوء الفهم وإدارة التوتر. وتجد إيران نفسها اليوم أمام ضرورة تحقيق توازن دقيق بين تصعيد رسائل الردع والحفاظ على الحد الأدنى من القنوات الدبلوماسية.

لا أحد يريد الحرب، لكن الجميع يستعد لها

يمكن اعتبار الإغلاق الصامت للسفارات مؤشراً على دخول المنطقة مرحلة «تعليق متوتر»، حيث لا يرغب أحد في الحرب، لكن الجميع يستعد لأسوأ السيناريوهات. فأوروبا، عبر إغلاق سفاراتها، لم تثبت حيادها ولم تنسحب من المعادلة، بل اعترفت عملياً بأنها لم تعد تملك القدرة أو الإرادة للعب دور مستقل في احتواء الأزمة. وفي مثل هذا المناخ، يكتسب كل تصرف وكل رسالة وحتى كل صمت، دلالة تتجاوز الظاهر. قد تكون خطوة إغلاق السفارات بلا ضجيج، لكنها في معادلات الأمن الإقليمي تدوّي بصوت أعلى من كثير من البيانات الرسمية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى