فجوة مالية في العراق وسط تصاعد النفقات الجارية

تتزايد الضغوط على المالية العامة في العراق وسط ارتفاع في النفقات في مقارنة مع الإيرادات، بحسب بيانات صادرة عن البنك المركزي العراقي تطاول الأشهر العشرة الأولى من عام 2025.

ميدل ايست نيوز: تتزايد الضغوط على المالية العامة في العراق وسط ارتفاع في النفقات في مقارنة مع الإيرادات، بحسب بيانات صادرة عن البنك المركزي العراقي تطاول الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، ما يشير إلى اختلال متزايد في هيكل المالية العامة في البلاد.

وبحسب الأرقام، بلغت الإيرادات العامة نحو 104 تريليونات و434 مليار دينار (نحو 80.3 مليار دولار)، مقابل نفقات عامة وصلت إلى 115 تريليوناً و535 مليار دينار، ضمنها نفقات جارية بلغت 96 تريليوناً و378 مليار دينار، مقابل نفقات استثمارية بلغت 19 تريليوناً و157 مليار دينار. هذه الفجوة المالية أعادت ملف الاستدامة المالية وهيكل الإنفاق إلى واجهة النقاش الاقتصادي.

وبينما لا تزال الإيرادات غير النفطية عند حدود عشرة تريليونات دينار (نحو 7.7 مليارات دولار)، تتزايد التحذيرات من مخاطر استمرار هيمنة الإنفاق الجاري والحاجة إلى إصلاحات تعالج التوظيف الحكومي، وتدفع باتجاه نمو اقتصادي إنتاجي أكثر استقراراً.

وعلّق مرصد إيكو عراق على بيانات البنك المركزي العراقي الخاصة بالمالية العامة، مؤكداً أن العجز المالي لغاية شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2025 بلغ نحو 24 تريليوناً و680 مليار دينار (قرابة 19 مليار دولار)، مبيناً أن النفقات الجارية، ولا سيما الرواتب وتقديم الخدمات، تستحوذ على ما يقارب 75% من إجمالي الإنفاق العام.

وأوضح أن تصاعد العجز يرتبط بعدة عوامل، أبرزها تراجع أسعار النفط إلى جانب استمرار مستويات الإنفاق المرتفعة، مشيراً إلى أن الإيرادات غير النفطية لا تزال محدودة مقارنة بحجم الإنفاق، رغم الإجراءات المتخذة في مجالي الضرائب والتعرفة الجمركية.

وأضاف المرصد أن هيكل الإنفاق الحالي، الذي تغلب عليه النفقات الجارية، يقلّص مرونة السياسة المالية ويحدّ من التوسع في الإنفاق الاستثماري، داعياً إلى تعزيز الإيرادات غير النفطية وضبط النفقات التشغيلية، بما يساهم في تحسين الاستقرار المالي خلال المراحل المقبلة.

وفي هذا الإطار، شدد المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي مظهر محمد صالح على أن قدرة الإيرادات النفطية على الإيفاء بالالتزامات التشغيلية الشهرية تمثل معياراً حاسماً في قياس متانة الاستدامة المالية، ولا سيما ما يتعلق برواتب الموظفين والمتقاعدين وإعانات الرعاية الاجتماعية.

وبيّن صالح، لـ”العربي الجديد”، أن الإنفاق التشغيلي الثابت للدولة يصل إلى نحو ثمانية تريليونات دينار شهرياً، من دون احتساب أعباء إضافية تشمل الدعم الحكومي وخدمة الدين والالتزامات التعاقدية، وهو ما يوضح حجم الضغط المستمر على الموازنة العامة.

وأشار إلى أن تغطية هذه الالتزامات عبر العوائد النفطية تبقى ممكنة في حال استقر متوسط سعر النفط السنوي عند مستوى لا يقل عن 60 دولاراً للبرميل، مع استمرار الصادرات عند حدود 3.4 ملايين برميل يومياً.

وحذّر صالح من أن أي انحراف عن هذه الفرضيات قد يؤدي إلى اختلال التوازن المالي الشهري، مؤكداً أن التعامل مع هذا السيناريو يتطلب نهجاً احترازياً يقوم على تنويع الإيرادات، وكبح التوسع في الإنفاق التشغيلي، وتحسين كفاءة إدارة الموارد العامة، بما يقلل من هشاشة المالية العامة أمام تقلبات السوق النفطية.

من جانب آخر، بيّن الباحث الاقتصادي أحمد صباح أن بيانات البنك المركزي العراقي الأخيرة تعكس اختلالاً هيكلياً مستمراً في المالية العامة، يتمثل بارتفاع النفقات العامة بوتيرة أسرع من نمو الإيرادات.

وأوضح صباح، لـ”العربي الجديد”، أن الاعتماد العالي على النفقات الجارية، ولا سيما الرواتب والدعم والخدمات، يحدّ من قدرة الدولة على امتصاص الصدمات المالية، خصوصاً في ظل تقلب أسعار النفط وتراجع الإيرادات النفطية خلال بعض أشهر العام.

ولفت إلى أن ضعف الإيرادات غير النفطية ما زال يمثل إحدى أبرز نقاط الضعف في السياسة المالية، رغم الإجراءات المتخذة في مجالي الضرائب والتعرفة الجمركية، مشيراً إلى أن هذه الإيرادات لا تزال غير قادرة على موازنة حجم الالتزامات التشغيلية للدولة.

وأضاف أن استمرار هذا النمط من الإنفاق دون إصلاحات بنيوية قد يفرض ضغوطاً إضافية على الاستقرار المالي، داعياً إلى إعادة هيكلة الإنفاق العام، وتوجيه جزء أكبر منه نحو الاستثمار المنتج، بالتوازي مع تحسين كفاءة الجباية وتعزيز التنويع الاقتصادي لتقليل الاعتماد على النفط مصدراً رئيسياً للإيرادات.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى