صحيفة إيرانية: التفوق الأميركي في الخليج لا يضمن الحسم الميداني أمام معادلة الردع الإيرانية

أوضحت صحيفة اطلاعات الإيرانية أن الهدف الأول للولايات المتحدة يتمثل في الردع الاستعراضي، إذ تسعى واشنطن إلى طمأنة حلفائها الإقليميين بأنها لا تزال الضامن لأمن خطوط الملاحة والبنى التحتية للطاقة.

ميدل ايست نيوز: كتبت صحيفة إطلاعات الإيرانية أن مزيج الجزر العسكرية والزوارق السريعة والمسيّرات وأنظمة الصواريخ، أوجد بيئة عملياتية لا تتحول فيها الأفضلية العددية والتفوق التكنولوجي الأميركي بالضرورة إلى تفوق ميداني.

وخلال الأيام والأسابيع الأخيرة، شهدت التحركات العسكرية للولايات المتحدة في مياه الخليج ومحيطه زيادة ملحوظة.

وذكرت الصحيفة أن رسو سفن حربية أميركية في المنطقة، وتعزيز الأسطول الخامس، وزيادة الدوريات البحرية، ونقل وحدات الإسناد، كلها مؤشرات على حضور عسكري مكثف ومدروس. وأضافت أن هذه الخطوات، أكثر من كونها دلالة على استعداد فوري للحرب، تحمل رسائل سياسية وأمنية متعددة المستويات.

وأوضحت الصحيفة أن الهدف الأول للولايات المتحدة يتمثل في الردع الاستعراضي، إذ تسعى واشنطن إلى طمأنة حلفائها الإقليميين بأنها لا تزال الضامن لأمن خطوط الملاحة والبنى التحتية للطاقة. ويُعدّ الخليج ومضيق هرمز شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي، وأي اضطراب فيهما ستكون له تداعيات تتجاوز المنطقة. ومن هذا المنظور، فإن تعزيز الوجود البحري الأميركي لا يستهدف إيران بقدر ما يوجّه رسالة إلى أسواق الطاقة والشركاء العرب لواشنطن.

أما الهدف الثاني، فهو إدارة الأزمات وضبط التوتر. فقد أظهرت التجارب السابقة أن الولايات المتحدة، في مراحل تصاعد التوتر، غالبًا ما تعمد إلى تعزيز وجودها بدل الانسحاب من المنطقة، للحفاظ على زمام المبادرة الميدانية. يتيح هذا الحضور إمكانية الاستجابة السريعة وجمع المعلومات واحتواء الحوادث غير المقصودة.

غير أن هذه التحركات، على مستوى أعمق، تعكس حقيقة مهمة مفادها أن الولايات المتحدة لم تعد اللاعب المهيمن بلا منازع في الخليج. فتعاظم القدرات المحلية الإيرانية، وتغير موازين القوى، وظهور أنماط جديدة من الحروب غير المتكافئة، دفعت واشنطن إلى الاعتماد على حضور مكلف ومستمر. وكلما ارتفعت كلفة التدخل المباشر، ازدادت الحاجة إلى استعراض القوة.

وفي هذا السياق، ترى الصحيفة أن رسو السفن الأميركية في المنطقة ينبغي فهمه ضمن إطار «الحرب النفسية والرسائل الاستراتيجية»، وهي رسالة تفيد بأن الولايات المتحدة لا تزال حاضرة، لكنها في الوقت ذاته تُظهر أنها من دون شبكة قواعدها وحلفائها الإقليميين لا تمتلك القدرة على فرض القوة بشكل مستقل ومنخفض الكلفة. وفي مواجهة هذا الحضور، تقوم الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية على الجغرافيا، والتوطين المحلي، والحرب غير المتكافئة. تؤدي الجزر العسكرية الإيرانية في الخليج، مثل جزيرتي فارسي ولارك وجزيرة خاركو، دورًا محوريًا في هذه المنظومة الأمنية. فهذه الجزر ليست قواعد تقليدية، بل «عُقد عملياتية» ضمن شبكة دفاعية مترابطة.

وتستخدم إيران هذه الجزر بوصفها حاملات طائرات غير قابلة للغرق؛ منصات ثابتة متعددة الطبقات تتيح الرصد، والاستجابة السريعة، والإسناد الصاروخي، والسيطرة على المسارات البحرية. وعلى خلاف حاملات الطائرات التي تُعد أهدافًا كبيرة ومكلفة، فإن هذه الجزر الموزعة قابلة للتمويه وأكثر صمودًا، ويكاد يكون من المستحيل القضاء عليها بالكامل.

وإلى جانب هذا العامل الجغرافي، تعتمد إيران على نطاق واسع على الزوارق السريعة، والمسيّرات البحرية والجوية، وأنظمة الصواريخ الساحلية. هذه الأدوات لم تُصمم لخوض مواجهة تقليدية، بل لإغراق دفاعات الخصم، واستنزافه نفسيًا، ورفع كلفة أي اشتباك.

وتعد القدرة على نشر وتحريك أنظمة الصواريخ بوسائل غير تقليدية من العناصر الأساسية في هذه الاستراتيجية، من بينها المنصات المتحركة والحاويات، وهو ما يصعّب عملية الرصد الاستباقي ويعزز حالة عدم اليقين الاستراتيجي لصالح إيران.

في العموم، فإن الجمع بين الجزر العسكرية، والزوارق السريعة، والمسيّرات، وأنظمة الصواريخ، أوجد بيئة عملياتية لا تتحول فيها الأفضلية العددية والتفوق التكنولوجي الأميركي بالضرورة إلى تفوق ميداني.

وأضافت الصحيفة أن القوة العسكرية للجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم لا تقتصر على عدد الصواريخ أو القطع البحرية، بل تتجسد في تنوع الأدوات، والمرونة الاستراتيجية، وتعقيد حسابات الخصم. فخلال السنوات الأخيرة، أثبتت إيران أن قدراتها البحرية والصاروخية وقدراتها في مجال الطائرات المسيّرة بلغت مستوى لا يمكن تجاهله. ففي المجال الصاروخي، تمتلك إيران قدرة ردع متعددة الطبقات، وفي المجال البحري تحتفظ بإمكانية إغلاق أو زعزعة أمن الممرات الحيوية من دون الحاجة إلى حرب شاملة. لكن الأهم من ذلك هو القدرات التي لم يُكشف عنها بعد، والتي لا يتم تسليط الضوء عليها إعلاميًا عن قصد.

وترى الصحيفة أن هذا «الغموض البنّاء» يشكّل جزءًا من استراتيجية الردع الإيرانية. إذ ينبغي للخصم أن يدرك أنه في حال تجاوز الخطوط الحمراء، سيواجه ردودًا لا يمكن التنبؤ بطبيعتها أو توقيتها أو نطاقها. هذا الغموض بحد ذاته يُعد سلاحًا استراتيجيًا.

وخلصت الصحيفة إلى أن تصعيد الحضور الأميركي في مياه الخليج يعكس قلقًا من تغير موازين القوى. في المقابل، استطاعت إيران، بالاعتماد على الجغرافيا والحرب غير المتكافئة والقدرات المحلية، بناء منظومة ترفع بشكل كبير كلفة أي مغامرة عسكرية. ونتيجة هذا التوازن ليست حربًا وشيكة، بل حالة من الردع المتبادل الهش، يسعى فيها كل طرف قبل أي شيء إلى تجنب خطأ في الحسابات من جانب الطرف الآخر.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى