الصحافة الإيرانية: خيبة أمل تسبق المفاوضات.. واشنطن تلوّح بالقوة وطهران تشكّك بالنيات

تسعى الولايات المتحدة إلى إدارة المفاوضات المقبلة بأسلوب استعراضي وإعلامي صاخب، على غرار مفاوضات شرم الشيخ، لوضع إيران أمام أمر واقع وفرض مطالبها على الجانب الإيراني.

ميدل ايست نيوز: في وقت تهدّد فيه الحكومة الأميركية إيران صراحةً بعمل عسكري، ويكرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحديث عن مهاجمة إيران بذرائع مختلفة، دخلت دول المنطقة على خط الأزمة، في محاولة لفتح باب للحوار بين طهران وواشنطن.

وقال الصحفي علي موسوي خلخالي، في مقال لدبلوماسي إيراني، إنه بعد أن توجّه وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، الجمعة الماضية إلى تركيا والتقى نظيره التركي هاكان فيدان والرئيس رجب طيب أردوغان، قرر الجانبان بناءً على اقتراح تركي الشروع فورًا في جولة جديدة من المحادثات بين طهران وواشنطن. ووفقًا للتقارير، جرى تبادل رسائل بين وزير الخارجية الإيراني وستيف ويتكوف، المبعوث الأميركي، إلى أن تقرر بدء جولة جديدة من المفاوضات بين الطرفين في نهاية الأسبوع الجاري.

وفي ظل بلوغ التوتر بين إيران والولايات المتحدة ذروته واقترابه من نقطة الغليان، وردّ طهران الحاد والصريح على التهديدات العسكرية الأميركية، يبرز السؤال حول فرص نجاح المفاوضات المرتقبة، وما الذي يمكن استنتاجه من شكلها ومضمونها.

قبل كل شيء، لا بد من الإقرار بأن الخلافات بين إيران والولايات المتحدة باتت اليوم أعمق من أي وقت مضى، ولا يمكن التعويل على اجتماع أو لقاء واحد لإحداث انفراج في العلاقات بين الطرفين. بل وأكثر من ذلك، ينبغي النظر إلى كل ما يجري، لحظة بلحظة، حتى موعد المفاوضات وما بعدها، بعين الشك والريبة. فتجربة الحرب التي استمرت 12 يومًا، حين تعرّضت إيران لهجوم في وقت كانت فيه منخرطة في مفاوضات، وكذلك ما جرى في فنزويلا عندما كان الرئيس نيكولاس مادورو يجري محادثات مع واشنطن قبل أن تُنفّذ الولايات المتحدة هجومًا مفاجئًا، تظهر بوضوح أن إدارة دونالد ترامب لا تنظر إلى التفاوض كوسيلة للتوصل إلى تفاهم، بل كأداة لتحقيق هدف محدد سلفًا، وهي مصمّمة على بلوغه مهما كان الثمن.

وتشير المعطيات إلى أن التفاؤل بالمفاوضات المقبلة ليس في محلّه. أولًا، لأن الولايات المتحدة، كما في المرات السابقة، كشفت عن أهدافها من المفاوضات قبل انطلاقها. وعلى خلاف ما يذهب إليه بعض المحللين من أن إدارة ترامب تطرح مطالب قصوى لكنها تكون مستعدة للتوصل إلى تسوية وسط على طاولة التفاوض، فإن التجربة أظهرت أن هذه المطالب القصوى هي في معظم الأحيان جوهر التفاهم الذي يريده ترامب، ولا يقبل بأقل منها. وفي ما يخص إيران، التي يعتقد ترامب أن برنامجها النووي فقد أهميته بعد الحرب الأخيرة، فإنه يرى أن تحقيق مطالبه الأخرى بات أكثر قابلية للتحقق. ولا شك في أن مطالب إسرائيل، الحليف الأقرب للولايات المتحدة، أو ما يمكن وصفه بالولاية الحقيقية لأميركا في الشرق الأوسط، تشكّل جزءًا من توقعات واشنطن من هذه المفاوضات. وفي حين قد تكون مطالب إدارة ترامب غير مقبولة بالنسبة لإيران، فإنها تبدو معقولة من وجهة نظر واشنطن؛ فعلى سبيل المثال، يعتبر ترامب تطبيع العلاقات بين إيران والولايات المتحدة أمرًا طبيعيًا، بحجة أن واشنطن تقيم علاقات دبلوماسية مع معظم دول العالم.

ثانيًا، أن ترامب أعلن شروطه بوضوح، وجرى تناولها في وسائل الإعلام. فملف الصواريخ، ووقف دعم إيران لحلفائها الإقليميين، والاعتراف بإسرائيل، تُعد من المطالب الأساسية للولايات المتحدة في المفاوضات، في حين أن أيًا منها غير مقبول بالنسبة لإيران. ففي الوقت الذي تواصل فيه طهران الإصرار على حقها في تخصيب اليورانيوم، وتعتبر المفاوضات محصورة بالملف النووي فقط، تصرّ واشنطن على توسيع جدول الأعمال ليشمل قضايا أخرى. كما ترى إيران أن التفاوض بشأن اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة يمكن أن يشكل مفتاحًا لكسر الجمود خلال المباحثات، بينما تعتبره الولايات المتحدة مسألة هامشية، وترى أن نقله أو التخلي عنه أمر بديهي.

وبعبارة أخرى، وكما قال ترامب بعد حرب الـ 12 يوماً، فإنه يريد وضع ورقة أمام إيران ويطالبها بتوقيعها. وهو يرى هذا الأسلوب، الذي يبدو غير منطقي، سلوكًا منطقيًا ويسمّيه تفاوضًا. ويبدو أن مقاربته للمفاوضات المقبلة لا تختلف عن ذلك. ووفقًا لتعبير نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، فإن «المقترحات الأميركية لإيران وصلت إلى مستوى الإنذارات النهائية». ويبدو أن واشنطن تتجه إلى توجيه إنذار لإيران، لا إلى خلق مساحة تفاوض حقيقية.

ثالثًا، أن ترامب حوّل «اتفاقيات أبراهام»، التي تُعد من إرث ولايته الرئاسية الأولى، إلى إنجاز ذهبي ينسبه لنفسه، وفي هذا السياق يطالب بأن تعترف إيران بإسرائيل وتنضم إلى هذه الاتفاقيات. غير أن مثل هذا الطرح مرفوض كليًا من جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بل يُعد أمرًا مثيرًا للسخرية.

وتسعى الولايات المتحدة إلى إدارة المفاوضات المقبلة بأسلوب استعراضي وإعلامي صاخب، على غرار مفاوضات شرم الشيخ، لوضع إيران أمام أمر واقع وفرض مطالبها على الجانب الإيراني، في وقت تبقي فيه إصبعها على الزناد، وتواصل حشد ونقل مختلف أنواع الأسلحة إلى محيط إيران. وبهذه الطريقة، تريد واشنطن تحميل طهران مسؤولية فشل المفاوضات في حال رفضت الإملاءات الأميركية، لتبرير مزيد من الضغوط وربما توجيه ضربة عسكرية.

وبحسب بعض المسؤولين العرب، ومنهم وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، الذي كان في واشنطن نهاية الأسبوع الماضي، فإن الإدارة الأميركية حسمت قرارها بشأن إيران، ولم يعد النقاش يدور إلا حول توقيت التنفيذ وآليته. وفي هذا السياق، تسعى روسيا إلى الحفاظ على نفوذها في أوراسيا وآسيا الوسطى، فيما تركز الصين على حماية شرايينها الاقتصادية وبحر الصين الجنوبي ومحيطها الإقليمي، ولذلك تبدو الدولتان مستعدتين لعدم التدخل في مغامرات الولايات المتحدة، مقابل مراعاة هذه المصالح، كما حصل خلال حرب الـ 12 يوماً، حيث اقتصر موقفهما على الإدانة.

في النهاية، يشير الواقع إلى غياب الإرادة لدى الطرف الإيراني للتفاوض مع الولايات المتحدة خارج إطار الملف النووي، وحتى هذا التفاوض يهدف فقط إلى تسوية محدودة لا إلى تفاهم شامل لحل الخلافات. وفي المقابل، لا تبدو لدى الطرف الأميركي، المدعوم حاليًا من الدول الأوروبية وبالتنسيق مع إسرائيل، أي نية حقيقية للتوصل إلى تسوية، إذ ترى واشنطن وحلفاؤها أن الظرف الراهن مناسب لإنهاء ملف إيران دفعة واحدة وحل جميع مشكلاتهم معها. لذلك، لا يمكن التعويل على المفاوضات المقبلة، التي لا تعدو كونها جولة جديدة في سياق لقاءات سابقة لم تسفر عن أي نتائج ملموسة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى