الصحافة الإيرانية: إيران والولايات المتحدة.. هل هناك طريق ثالث بين الحرب والاتفاق؟

للوصول إلى الإجابة، ينبغي أولاً الرد على سؤال أكثر جوهرية: ما الذي تسعى إليه الولايات المتحدة في عهد ترامب أساسًا؟

ميدل ايست نيوز: السؤال الذي انتشر على نطاق واسع، ولا سيما خلال الأشهر الأخيرة، يتمحور حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستهاجم إيران أم لا. أما بقية الأسئلة فهي في الواقع صيغ أخرى لهذا السؤال نفسه، مثل: ما الذي ستؤول إليه المفاوضات؟ هل سيتم التوصل إلى اتفاق بشأن نقل اليورانيوم المخصب أو تقليص مدى الصواريخ الإيرانية؟ وغيرها من التساؤلات.

وكتب موقع عصر إيران في تقرير له، أنه للوصول إلى الإجابة، ينبغي أولاً الرد على سؤال أكثر جوهرية: ما الذي تسعى إليه الولايات المتحدة في عهد ترامب أساسًا؟

حدّد ترامب في المرحلة الحالية من رئاسته هدفين ومهمتين استراتيجيتين غير قابلتين للتراجع، ويسعى من خلال تحقيقهما إلى تسجيل اسمه ضمن كبار رؤساء الولايات المتحدة وصنّاع تاريخها:

1- تثبيت هيمنة الولايات المتحدة
2- ضمان أمن إسرائيل

يمكن تقييم إجراءات مثل تطهير أميركا الجنوبية من الحكومات المرتبطة بالشرق، مثل فنزويلا وكوبا، بكل الوسائل الممكنة، من اختطاف رئيس دولة إلى إرغام دولة أخرى على الخضوع والتماهي مع السياسات الأميركية، في هذا الإطار.

كما أن التخطيط للسيطرة على غرينلاند بهدف فرض النفوذ على روسيا والصين عبر جغرافيا القطب الشمالي، والسعي إلى استنزاف روسيا وأوروبا تدريجيًا في حرب أوكرانيا، وتضييق الخناق على الصين في مجالات مثل حرب الرقائق والتجارة الدولية، وبناء تحالفات في الشرق الأوسط لمنع نفوذ منافسين جدد في المنطقة، والاستثمار غير المسبوق في مجال الذكاء الاصطناعي، والزيادة الكبيرة في الميزانية العسكرية، وحتى تغيير اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب، والترحيل الواسع للمهاجرين غير الشرعيين من الأراضي الأميركية، والتشدد الصارم في شروط دخول الولايات المتحدة حتى لأغراض السياحة، والانسحاب الأحادي من بعض المؤسسات الدولية التي ترى واشنطن أنها لا تجلب لها سوى الكلفة… كلها، رغم اختلاف مجالاتها، تُنفَّذ ضمن إطار تثبيت الهيمنة الأميركية في النظام العالمي الجديد.

يدرك ترامب والنخبة الحاكمة في الولايات المتحدة جيدًا أنه إذا لم يتم توظيف «قوة اليوم» من أجل «هيمنة الغد» لأميركا، فإن الهيمنة الأميركية، شأنها شأن كثير من الإمبراطوريات عبر التاريخ، ستتجه نحو التراجع. وهم لا يريدون أن تنتهي السيطرة العالمية للولايات المتحدة خلال فترة تقل عن قرن.

وفي هذا السياق، وبما أن نفوذ اللوبيات الإسرائيلية في نسيج الحكم الأميركي أمر لا يمكن إنكاره، فإن هدف تثبيت الهيمنة الأميركية لا يمكن تحقيقه دون استرضاء هذا التيار النافذ والقوي. لذلك جرى تعريف ضمان أمن إسرائيل بوصفه شرطًا لازماً لتثبيت الهيمنة الأميركية، إضافة إلى أن إسرائيل قوية في الشرق الأوسط يمكنها، في المقابل، حماية المصالح الأميركية.

وبناءً على ما تقدم، ينبغي تقييم كل فعل أو رد فعل للحكومة الأميركية في عهد ترامب وفق هذا المعيار: هل يصب في إطار «تثبيت الهيمنة الأميركية وضمان أمن إسرائيل» أم لا؟

ومع إدراك هذه الحقيقة، يمكن العودة إلى السؤال الرئيسي وطرح تساؤل أكثر جوهرية: هل يؤدي الهجوم على إيران إلى تثبيت الهيمنة الأميركية وضمان أمن إسرائيل؟ وماذا عن المفاوضات؟ وماذا عن الاغتيالات المستهدفة؟ وماذا عن توسيع العقوبات؟

للإجابة بدقة أكبر عن هذه الأسئلة، يجب طرح سؤال آخر: ما هدف الولايات المتحدة من الإجراءات المحتملة المذكورة، من العقوبات والاغتيالات وصولاً إلى الهجوم العسكري الشامل؟

الجواب هو: إزالة قوة تعارض الهيمنة الأميركية وتشكل تهديدًا لأمن إسرائيل.

بذلك نقترب خطوة أخرى من الإجابة، إذ اتضح أن هذه القوة، من منظور الولايات المتحدة، يجب القضاء عليها؛ ويبقى السؤال حول الوسيلة لتحقيق هذا الهدف.

وهنا يبرز موضوع الكلفة والمنفعة. فمن الطبيعي في بلد مثل الولايات المتحدة، حيث تخضع كل الأمور لحسابات مادية دقيقة، أن يجري تحليل هذا الموضوع بجدية لمعرفة كيفية تحقيق الفائدة المذكورة بأقل كلفة ممكنة.

تُعدّ الدبلوماسية الطريق الأقل كلفة والأسرع والأقل مخاطرة. فإذا تمكن ترامب من إقناع إيران بالقبول بمطالبه في المجالات النووية والصاروخية والجماعات التي توصف بالوكيلة، فإنه سيكون قد نجح في تحييد خطر يهدد الهيمنة الأميركية وأمن إسرائيل من دون إطلاق رصاصة واحدة.

كما أن حشد كميات كبيرة من المعدات والقوات العسكرية حول إيران يهدف في المقام الأول إلى تعزيز فرص النجاح في المفاوضات. فإذا استطاعت إدارة ترامب تحقيق أهدافها من خلال نشر هذه المعدات، فسيكون ذلك أقل كلفة بكثير من استخدامها فعليًا لتحقيق الهدف ذاته.

لكن إذا لم تسر المفاوضات بطريقة تضمن لترامب والولايات المتحدة الاطمئنان إلى تحقق الهدفين الاستراتيجيين المذكورين، فإن احتمال الحرب سيكون مرتفعًا للغاية، لأن أي كلفة، مهما كانت كبيرة، تُعدّ من منظور استراتيجي ثمناً مقبولاً لتحقيق الهدفين الرئيسيين.

وفي مثل هذا السيناريو، لن ينصبّ تحليل الكلفة والمنفعة لدى صناع القرار الأميركيين على أصل خيار الحرب، بل على كيفية خوضها: هل يتم شن هجوم واسع؟ هل تُستهدف المراكز العسكرية والسياسية؟ هل يتم الاكتفاء باغتيالات محددة؟ هل يتم دعم جماعات شبه عسكرية في الداخل؟ وما إلى ذلك.

إن قدرة المفاوضين الإيرانيين على إيجاد طريق ثالث بين هذين الخيارين الصعبين تعتمد بشكل كامل على مهارة الدبلوماسية ودور الوسطاء.

وفي الوقت الراهن، طرحت بعض دول المنطقة، انطلاقًا من إدراكها أن أي حل لا يحقق هدفي «تثبيت الهيمنة الأميركية وضمان أمن إسرائيل» لن ينجح، مقترحات يُرجَّح أن تكون مطروحة على طاولة المفاوضات، مثل: تقييد نسبة التخصيب إلى أقل من 3.6 في المئة تحت إشراف شركة الطاقة الذرية الروسية، وتعليق التخصيب لمدة ثلاث سنوات (حتى نهاية إدارة ترامب)، ونقل جميع مخزونات اليورانيوم المخصب بنسبة تفوق 60 في المئة إلى دولة ثالثة، وتشكيل اتحاد نووي بمشاركة دول المنطقة، وتقديم ضمانات من طهران بعدم المبادرة إلى استخدام الصواريخ ضد إسرائيل، وإبرام اتفاق بعدم اعتداء بين إيران والولايات المتحدة، وعدم نقل التكنولوجيا الصاروخية الإيرانية إلى دول ثالثة، وغيرها.

تمثل هذه المقترحات نماذج لما يُسمّى بالطرق الثالثة التي يسعى الدبلوماسيون إلى تطويرها لتجنب الوقوع في أحد الخيارين أو المسارين الخاطئين: الاستسلام أو الحرب. ومع استحضار المهمتين الاستراتيجيتين لترامب، يمكن القول إنه إذا تمكن طريق ثالث من تحقيق هذين الهدفين، فإن إيران ستكون قادرة، عبر قبوله ومواءمة مصالحها معه، مثل رفع العقوبات والتوجه نحو تطبيع العلاقات، على تحقيق مصالحها الخاصة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

14 + 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى