هكذا تحدث رموز الدبلوماسية الإيرانية عن تحديات السياسة الخارجية لبلادهم

قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن العالم يشهد مرحلة جديدة تتعرض فيها القوانين والأعراف الدولية لهزات عميقة، مشيرا إلى ما وصفها بنظرية "السلام عبر القوة" التي يتبناها الرئيس الأمريكي.

ميدل ايست نيوز: قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن العالم يشهد مرحلة جديدة تتعرض فيها القوانين والأعراف الدولية لهزات عميقة، مشيرا إلى ما وصفها بنظرية “السلام عبر القوة” التي يتبناها الرئيس الأمريكي.

وأوضح عراقجي، في جلسة ضمن فعاليات “المؤتمر الوطني للسياسة الخارجية الإيرانية”، الذي نظمه مركز الدراسات والبحوث التابع لوزارة الخارجية الإيرانية في طهران، أن هذه المقاربة تعيد العلاقات الدولية إلى منطق القوة المجردة، إذ يفرض القوي إرادته على الضعيف دون اعتبار للقوانين الدولية.

واعتبر أن هذا الواقع يفرض على إيران تعزيز قدرتها على الصمود والمقاومة، دون الانجرار إلى قرارات غير عقلانية. وأكد أن أكبر تحد في المرحلة الراهنة يتمثل في الحفاظ على القوة الدبلوماسية إلى جانب الصمود الميداني، معربا عن ثقته بقدرة الجمهورية الإسلامية على تجاوز هذه المرحلة الحساسة.

وقال عراقجي إنهم لا يثقون بالولايات المتحدة، وإن نتيجة المفاوضات غير مؤكدة بعد مضيفا: “لقد جربوا كل شيء وفشلوا، والآن عادوا إلى طاولة المفاوضات، ومن غير الواضح إلى أين ستؤدي هذه المفاوضات. نحن لا نثق بهم. هناك احتمال أن يلجأوا إلى الخداع. يجب على جميع المؤسسات في إيران أن تستمر في أداء واجباتها بغض النظر عن هذه التطورات”.

وشدد عراقجي على أن إيران لن تقبل “صفر تخصيب لليورانيوم”، مضيفا “إذا كان هناك قلق بشأن أهداف البرنامج النووي الإيراني، فنحن على استعداد للرد عبر القنوات الدبلوماسية، وضمان الشفافية، وبناء الثقة”.

وقال عراقجي إن لإيران حقا مشروعا في تخصيب اليورانيوم، وإن إصرارها على ذلك لا يستند فقط إلى أسباب تقنية أو اقتصادية.

تحديات السياسة الخارجية الإيرانية

وبدوره، أكد علي أكبر صالحي، وزير الخارجية الإيراني الأسبق، أن أكبر التحديات التي تواجه السياسة الخارجية الإيرانية تتمثل في غياب الوضوح في أطر العلاقات الدولية، معتبرا أن هناك فجوة نشأت بين أهداف الثورة الإسلامية والوسائل العملية المعتمدة لتحقيق هذه الأهداف.

وأوضح صالحي، الذي شغل منصب الرئيس السابق لمنظمة الطاقة الذرية الإيرانية، في كلمة له ضمن الجلسة ذاتها، أن الأهداف التي رفعتها الثورة الإسلامية كانت أهدافا قيّمة، غير أن الإشكال برز في كيفية الوصول إليها، مشبها ذلك بالسعي للوصول إلى قمة جبل دون تحديد الطريق المؤدي إليها. وأضاف أن التداخل بين الشأن الداخلي والسياسة الخارجية أسهم في تعقيد المشهد وزيادة حالة الانفعال في إدارة العلاقات الدولية.

وتطرق صالحي إلى القوانين والدستور، معتبرا أن التطبيق العملي لبعض المواد لم يكن مثاليا. وأشار إلى أهمية وجود معارضة سياسية حقيقية وفاعلة تشكل متنفسا مجتمعيا وتخفف من حدة الاحتقان، وهو ما نص عليه الدستور الإيراني دون أن يطبق بشكل كامل.

كما أشار إلى إشكالية استخدام مصطلح “الشعوب” بدلا من “الدول” في بعض المواد الدستورية المتعلقة بالسياسة الخارجية، معتبرا أن ذلك أوجد حالة من عدم الوضوح في طبيعة العلاقة بين إيران والدول الأخرى، وهل هي علاقة بين دول أم بين شعوب.

الهوية الإيرانية

وأوضح صالحي أن الاستقلال يشكل جوهر الهوية الإيرانية الحديثة، مشددا على أن القرارات المستقلة قد تكون قابلة للنقد، لكنها تظل نابعة من إرادة وطنية.

وتناول صالحي العلاقة بين الهوية الإيرانية والإسلامية، معتبرا أن الإشكال يكمن في تصويرهما كعنصرين متعارضين، بينما هما في الواقع عنصران متكاملان. وأشار إلى الجذور الحضارية لإيران قبل الإسلام، وإلى استقبال الإيرانيين للإسلام بوصفه امتدادا لمنظومة القيم والحكمة، لا قطيعة معها.

وأكد أن الحفاظ على الهوية الوطنية يتطلب معالجة ذكية ومتوازنة، تحول دون إحداث تصدعات داخل هذا “الوعاء” الهوياتي، على حد تعبيره.

غياب الرؤية

ومن جانبه، قال كمال خرازي، رئيس المجلس الإستراتيجي للسياسات الخارجية في إيران، إن التحديات المرتبطة بتحويل شعارات وأهداف الثورة الإسلامية إلى سياسات عملية قابلة للتطبيق ما زالت قائمة، مؤكدا أن مسألة الاستقلال التي رافقت انطلاقة الثورة لا تزال تشكل عنصرا محوريا في صياغة السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية.

وخلال مشاركته في الجلسة ذاتها، أوضح خرازي أن غياب رؤية سياسية متكاملة في إدارة العلاقات الخارجية أوجد تحديات لم تقتصر على المستوى الدولي، بل انعكست أيضا على الداخل الإيراني، مشيرا إلى أن عددا من النظريات المطروحة في الجامعات الإيرانية مستمدة من السياق الغربي ولا تنسجم مع الخصوصية الثقافية والمجتمعية لإيران، مما يستدعي بلورة نظريات نابعة من واقع الثورة الإسلامية وتطبيقها عمليا.

وأشار خرازي إلى أن التجربة العملية لعبت دورا مهما في تكوين عدد من الفاعلين في السياسة الخارجية، حتى لدى من لم يدرسوا العلاقات الدولية أكاديميا، لافتا إلى أن المرحلة الراهنة تكشف تراجع صلاحية نظريات غربية مثل الليبرالية الديمقراطية في إدارة النظام الدولي، مما يفرض على المفكرين الإيرانيين الاعتماد على الإرث الثقافي والواقع المجتمعي لإيران والمنطقة لصياغة مقاربات بديلة.

وفي ما يتعلق بترتيب الأولويات، أكد خرازي أن العلاقة مع الدول الجارة كانت على الدوام في صدارة أولويات السياسة الخارجية الإيرانية، موضحا أن تطوير هذه العلاقات جاء استجابة لمخاوف بعض الدول المجاورة، وسعيا إلى تثبيت الاستقلال الوطني في مواجهة الضغوط والتهديدات الخارجية.

وأضاف أن الحفاظ على استقلال البلاد ومقاومة محاولات الهيمنة الخارجية، إلى جانب توسيع وتعزيز العلاقات مع دول الجوار، شكلا ركيزتين أساسيتين في توجهات الخارجية الإيرانية، معتبرا أن الصمود في وجه الضغوط كان ولا يزال خيارا إستراتيجيا لضمان السيادة الوطنية.

وفي تصريح لافت، قال خرازي “كان لدينا أخطاء في التعامل مع بعض القضايا، لكن أمريكا أظهرت العداء لنا من الأيام الأولى. وأعتقد أنه علينا التعامل برحمة مع الدول الجارة والصديقة، والتعامل بشدة مع الدول التي تظهر العداء لنا”.

العداء مع الولايات المتحدة

وشهدت الجلسة مداخلات من الحضور، من بينها سؤال عن أسباب العداء مع الولايات المتحدة وإمكانية التفاوض المباشر معها. ورد عراقجي بأن العداء لم يكن خيارا إيرانيا في البداية، بل نتيجة سياسات أمريكية عدائية منذ الأيام الأولى للثورة.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة انسحبت من الاتفاق النووي رغم التزام إيران به، وواصلت سياسة الضغوط القصوى والعقوبات، معتبرا أن المشكلة الأساسية تكمن في عدم تقبل واشنطن لوجود دولة مستقلة ترفض الخضوع لإرادتها.

كما شدد على أهمية التنسيق بين العمل الدبلوماسي في الخارج وتوضيح السياسات داخل البلاد، مؤكدا أن وحدة الموقف الوطني شرط أساسي لنجاح السياسة الخارجية.

 

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى