الصحافة الإيرانية: هل تحمل زيارة لاريجاني إلى مسقط مفاجآت كبرى للمفاوضات الإيرانية الأميركية؟

بالنسبة لدول المنطقة، ولا سيما السعودية والإمارات وحتى قطر، فإن زيارة لاريجاني تمثل رسالة تحذير ناعمة. فطهران تريد حسم ملفات المنطقة على المستوى الأمني.

ميدل ايست نيوز: تكتسب زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني إلى سلطنة عُمان أهمية خاصة من زوايا متعددة، إذ يمكن أن تُعد مؤشراً على رفع مستوى الحوار مع الولايات المتحدة، أو حتى بلوغ مرحلة اتخاذ القرار.

ويتوجه علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، غدا الثلاثاء، إلى سلطنة عُمان لإجراء مشاورات وحوارات حول قضايا مختلفة. وتأتي هذه الزيارة في ظل أجواء إقليمية متوترة، وبالتزامن مع مسار المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة، والتي عُقدت جولتها الأخيرة قبل أيام في مسقط، ما يجعلها بعيدة عن كونها زيارة دبلوماسية تقليدية. ويمكن النظر إلى هذه الزيارة ومشاورات لاريجاني باعتبارها إحدى أهم قنوات نقل الرسائل بين طهران وواشنطن.

وقال موقع رويداد 24، إن زيارة لاريجاني إلى عُمان تكتسب أهمية من ثلاثة أبعاد رئيسية. أولها التوقيت، إذ تأتي في مرحلة تواجه فيها المنطقة أزمات متعددة المستويات، بينما تؤدي عُمان دوراً يجمع بين علاقات منخفضة التوتر مع طهران وروابط نشطة مع الولايات المتحدة وحلفائها، ما يجعل مسقط ساحة طبيعية لـ«تلخيص الرسائل».

البعد الثاني يتمثل في رفع مستوى تمثيل إيران. فعندما يتوجه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي إلى هذه المشاورات، فهذا يعني أن الحوار لا يقتصر على البعد الدبلوماسي التقليدي. فالمجلس الأعلى للأمن القومي في إيران مرتبط بشكل مباشر بالخطوط الحمراء الأمنية والقرارات الكبرى في السياسة الخارجية. وهذا يعني أن طهران تريد إيصال رسالة مفادها أن القضايا المطروحة في عُمان تُبحث على مستوى «القرار النهائي»، لا في إطار المباحثات التمهيدية.

أما البعد الثالث، فيتعلق بالرسائل التي تبعث بها الزيارة إلى الأطراف الدولية. إذ تُعد عُمان من الدول القليلة التي تحظى بثقة طهران وواشنطن في آن واحد. ويمكن أن تعني زيارة لاريجاني إلى مسقط أن طهران مستعدة لنقل رسائل «أكثر جدية»، قد لا يكون طرحها ممكناً على مستوى وزارة الخارجية أو قد تنطوي على كلفة سياسية أعلى داخلياً.

لماذا تُعد زيارة لاريجاني مهمة؟

السؤال حول سبب توجه علي لاريجاني إلى هذه الزيارة بدلاً من عباس عراقجي هو النقطة التي تحوّل الخبر من مجرد حدث عادي إلى ملف قابل للتحليل.

يُعد عباس عراقجي، بوصفه مسؤولاً عن المفاوضات، شخصية دبلوماسية، أي إن حضوره عادة ما يُفهم على أنه «تفاوض ضمن إطار وزارة الخارجية». لكن إرسال لاريجاني إلى مسقط يحمل عدة رسائل واضحة.

تشير هذه الزيارة إلى أن المفاوضات المحتملة تجاوزت المرحلة الفنية. فإذا كان الحوار مقتصراً على التفاصيل التقنية أو الأطر التقليدية، فإن عراقجي يُعد الخيار الأنسب. أما عندما يتوجه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، فهذا يعني أن الموضوع بات في مستوى «القرارات الكبرى»: ماذا تريد إيران؟ ماذا تقدم؟ ماذا تحصل؟ ما هي الخطوط الحمراء؟ وما كلفة التفاوض المباشر أو غير المباشر؟

الرسالة التالية تتمثل في نقل الموقف الإيراني عبر شخصية أكثر ارتباطاً ببنية الحكم. صحيح أن عباس عراقجي قريب من مستويات عليا في النظام، بل إن الطرف الأميركي يرى أن التشاور معه أكثر أهمية من التشاور مع بزشكيان، إلا أن لاريجاني يُعد شخصية أكثر ارتباطاً بمراكز القرار. فهو ليس مجرد دبلوماسي، بل يمتلك تجربة رئاسة البرلمان ويُعد وزناً سياسياً وأمنياً في هيكل السلطة. وهذا يعني أن الرسالة الإيرانية في عُمان قد تُفهم على أنها «قرار النظام»، وليس مجرد موقف لوزارة الخارجية.

كما يمكن تفسير إرسال لاريجاني بدلاً من عراقجي في إطار إدارة الخلافات الداخلية. فملف التفاوض في إيران لطالما ارتبط بحساسيات سياسية بين التيارات المختلفة. وإذا دخلت المفاوضات مرحلة تتطلب قرارات صعبة، فإن الحكومة تفضّل أن تُتخذ هذه القرارات تحت مظلة المجلس الأعلى للأمن القومي، بحيث لا تتحمل وزارة الخارجية والحكومة وحدهما كلفة القرار. إن إرسال لاريجاني يعني نقل «مسؤولية اتخاذ القرار» إلى مستوى أعلى، قادر على توفير غطاء سياسي وتقاسم المسؤولية في حال الفشل.

ولا يمكن استبعاد احتمال طرح ملفات تتجاوز القضية النووية. فالولايات المتحدة وحلفاؤها يصرون على إدراج ملفات أخرى في الحوار. وفي حين تميل وزارة الخارجية الإيرانية إلى حصر المفاوضات ضمن ملف محدد، فإن المجلس الأعلى للأمن القومي قادر على إدخال قضايا متعددة المستويات إلى الحوار، مثل أمن المنطقة، وترتيبات جديدة في الخليج، ومستقبل القوى الحليفة، وأزمة البحر الأحمر، أو حتى رسائل مرتبطة بصراعات مستقبلية. وهذه الملفات تقع بطبيعتها ضمن اختصاص المجلس أكثر من كونها شأناً دبلوماسياً بحتاً.

زيارة واحدة ورسائل متعددة

ستبعث زيارة لاريجاني إلى عُمان إشارات إلى الولايات المتحدة وإلى الأطراف الإقليمية أيضاً. وعلى مستوى الرسائل إلى واشنطن، يمكن لهذه الزيارة أن تعني أن إيران تريد القول إنه إذا كان الحوار سيصبح جدياً، فإن متابعته ستتم عبر قنوات صناع القرار الأساسيين.

وفي الوقت نفسه، تسعى طهران إلى التأكيد على أن مسار عُمان لا يزال قائماً وأن قنوات الوساطة لم تُغلق.

وإذا طُرح خيار التفاوض المباشر أو اتفاق جديد، فإن إرسال شخصية أمنية-سياسية يشير إلى أن طهران تبحث عن صفقة تمتلك «ضمانات تنفيذ»، وتتجاوز تفاهمات قصيرة الأمد.

أما بالنسبة لدول المنطقة، ولا سيما السعودية والإمارات وحتى قطر، فإن زيارة لاريجاني تمثل رسالة تحذير ناعمة. فطهران تريد حسم ملفات المنطقة على المستوى الأمني. لا تمثل عُمان بالنسبة لإيران مجرد وسيط مع الولايات المتحدة، بل إحدى قنوات إدارة العلاقات مع الجيران الجنوبيين. وإذا كان من المقرر أن تطرأ تغييرات على النظام الأمني في الخليج، فإن مسقط ستكون إحدى المحطات التي تمر عبرها هذه التحولات أولاً.

هل تشير الزيارة إلى اقتراب المفاوضات المباشرة؟

لا تعني زيارة لاريجاني بالضرورة انتقال المفاوضات إلى الشكل المباشر، لكنها قد تُعد خطوة تمهيدية. فحين يتوجه مسؤول أمني، فهذا يعني أن طهران تضع سيناريوهات أكثر جدية على الطاولة، وقد يكون التفاوض المباشر أحدها.

وإذا كانت عُمان قد نقلت رسائل جديدة من الولايات المتحدة، أو إذا قدمت واشنطن مقترحات جديدة، فمن الطبيعي أن تفضّل طهران الرد عليها على مستوى قادر على اتخاذ القرار النهائي.

قد يبدو خبر زيارة لاريجاني إلى عُمان للوهلة الأولى مجرد تحرك دبلوماسي، لكنه في الواقع يشير إلى أن مسقط تحولت مجدداً إلى إحدى غرف القرار المهمة في السياسة الخارجية الإيرانية؛ غرفة لا يجري فيها الحديث عن الحوار فقط، بل عن «مسار المستقبل». وهنا تكمن أهمية الزيارة، إذ لم تعد عُمان مجرد وجهة للقاءات، بل ساحة لقياس وزن قرارات إيران في واحدة من أكثر اللحظات حساسية على الصعيدين الإقليمي والدولي.

اقرأ المزيد

صحيفة إيرانية: تصريحات لاريجاني تمثّل نقطة نهاية لماراثون المفاوضات الإقليمية والدولية

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

19 − ثمانية =

زر الذهاب إلى الأعلى