إيران بين الضغط الأميركي وحدود القوة: قراءة في القيود الجيوسياسية والاقتصادية

إن تقييمًا واقعيًا للموقع الاستراتيجي لإيران يشير إلى أن الخيارات القائمة على التدخل المباشر، ولا سيما العمل العسكري، تنطوي على تداعيات معقّدة وعالية المخاطر على النظام الدولي.

ميدل ايست نيوز: في السنوات الأخيرة، دخلت التوترات بين إيران والولايات المتحدة مرحلة من التنافس الحاد على المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية. وعلى الرغم من تصاعد الضغوط التي تمارسها واشنطن لإعادة تشكيل سلوك طهران في الملفين النووي والإقليمي، فإن تقييمًا واقعيًا للموقع الاستراتيجي لإيران يشير إلى أن الخيارات القائمة على التدخل المباشر، ولا سيما العمل العسكري، تنطوي على تداعيات معقّدة وعالية المخاطر على النظام الدولي.

ولا يمكن فهم دور إيران في النظام الجيوسياسي الإقليمي من زاوية القدرات العسكرية أو الموارد الطبيعية وحدها، بل ينبغي دراسته في إطار موقعها الجيو-اقتصادي وبنية السلطة الداخلية فيها. وفي هذا السياق، يشكّل موقع إيران في الخليج، ولا سيما قدرتها المحتملة على التأثير في مضيق هرمز، ركيزة أساسية في أي تحليل. إذ يمر عبر هذا الممر الاستراتيجي يوميًا ما بين 20 و22 مليون برميل من النفط، أي نحو خُمس تجارة النفط الخام العالمية. وأي اضطراب خطير في هذا المسار قد يُحدث صدمات اقتصادية واسعة في الأسواق العالمية. ومن هذا المنظور، فإن أي تغيير في الوضع الأمني للمضيق، بغضّ النظر عن مستوى القوة العسكرية المباشرة لإيران، يُعد عاملًا حاسمًا في الحسابات الدولية.

وتؤدي المؤسسات الأمنية والعسكرية الإيرانية، وفي مقدمتها الحرس الثوري الإسلامي، دورًا يتجاوز البعد العسكري، إذ تمارس نفوذًا بنيويًا واقتصاديًا واسعًا في السياسة والمجتمع الإيرانيين. ويُقدَّر أن سيطرة هذه المؤسسات على جزء كبير من صادرات النفط الإيرانية – تصل في بعض التقديرات إلى نحو 50 في المئة – قد منحتها وزنًا اقتصاديًا وسياسيًا كبيرًا، مكّنها من الصمود في وجه الضغوط الخارجية ومواجهتها. ويخلق هذا التماسك البنيوي بين المؤسستين الأمنية والاقتصادية فرصًا سياسية لطهران لتوظيف الضغوط الخارجية في تعزيز شرعيتها الداخلية.

ويُعدّ النفط عنصرًا محوريًا آخر في تحليل التوترات الراهنة، سواء على مستوى الاقتصاد الإيراني أو علاقاته بالفاعلين الدوليين. فرغم أن العقوبات الأميركية التي استهدفت صادرات النفط الإيرانية في السنوات الأخيرة سعت إلى تجفيف مصادر إيرادات طهران، تشير نتائج أبحاث إلى أن إيران نجحت في الاستمرار ببيع جزء كبير من نفطها عبر شبكات تصدير سرية و«أساطيل ظل». ويتجلى ذلك بوضوح في الصادرات إلى الصين، التي يُقال إنها تشتري نحو 90 في المئة من النفط الخام الإيراني. وقد جعلت هذه المعطيات الضغوط الاقتصادية الخارجية ذات فاعلية جزئية فقط، في ظل استمرار شبكات التهرّب المنظّم من العقوبات في توليد إيرادات كبيرة لطهران.

حدود التهديدات العسكرية المباشرة

ورغم تركيز قدر معتبر من التحليلات الإعلامية والسياسية على سيناريو «التدخل العسكري المحدود» ضد إيران، فإن التجارب التاريخية والمعطيات المستخلصة من ردود فعل سابقة تُظهر أن مثل هذه الخيارات غالبًا ما تفضي إلى نتائج تتجاوز بكثير أهدافها الأولية. فبحسب الظروف، قد تلجأ إيران إلى ردود غير متماثلة تتخطى نطاق الاشتباكات المحدودة، وقد تشمل استخدام قدراتها الصاروخية، أو التهديد بإغلاق مضيق هرمز، أو تفعيل دعمها لحلفائها الإقليميين. وتبيّن الخبرة التاريخية أن إيران لا تنظر إلى التهديدات الخارجية بوصفها تحديات عابرة، بل كمخاطر وجودية، ما يدفعها إلى ردود قد تتجاوز المجال العسكري المُتحكَّم به.

آفاق الدبلوماسية

في المقابل، من الضروري التمييز بين الضغط العسكري والضغط الدبلوماسي أو الاقتصادي. فقد أظهرت المفاوضات النووية ومحاولات التوصل إلى تفاهمات مستدامة أن إيران تُبدي حساسية أيديولوجية ووطنية عالية تجاه القضايا النووية. وتشير معطيات إعلامية حديثة إلى أن تخصيب اليورانيوم لا يُعد بالنسبة لطهران مجرد أداة تقنية، بل رمزًا للسيادة والاستقلال، وهو ما يشكّل عقبة رئيسية أمام فرض اتفاقات جاهزة في المسارات الدبلوماسية. ومن دون فهم عميق لهذه الأبعاد، فإن الضغوط الخارجية – حتى لو حققت نجاحات تكتيكية – من غير المرجح أن تفضي إلى النتائج الاستراتيجية المرجوة.

ويخلص تحليل واقعي للتوترات المستمرة بين إيران والولايات المتحدة، وكذلك مع فاعلين دوليين آخرين، إلى أن التدخلات المباشرة أو فرض سياسات هيمنية تصطدم بقيود بنيوية واستراتيجية جدّية، بصرف النظر عن أهدافها المعلنة. ولا تنبع هذه القيود من القدرات العسكرية أو الاقتصادية لإيران فحسب، بل أيضًا من روابطها التاريخية العميقة مع الدول الإسلامية، ودورها الجيوسياسي في ممرات الطاقة العالمية، وبُنى السلطة الداخلية وشبكاتها الاقتصادية الدولية. ومن ثم، فإن أي سياسة خارجية فعّالة لا بد أن تستند إلى فهم شامل لهذه العوامل البنيوية، تفاديًا لعواقب غير محسوبة قد تهدد الاستقرار الإقليمي والنظام العالمي.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة عشر + سبعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى