نزيف المليارات… مافيا “التراستيّات” تنهب عوائد النفط الإيراني

تكثّف السلطات الإيرانية جهودها لملاحقة الوسطاء الماليين المعروفين بـ"التراستيات" والمتعاملين في تجارة النفط، المتهمين بعدم إعادة عائدات الصادرات النفطية إلى داخل البلاد.

ميدل ايست نيوز: تكثّف السلطات الإيرانية جهودها لملاحقة الوسطاء الماليين المعروفين بـ”التراستيات” والمتعاملين في تجارة النفط، المتهمين بعدم إعادة عائدات الصادرات النفطية إلى داخل البلاد، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات السياسية والبرلمانية لطبيعة هذا النظام المالي، ودوره في ما يوصف بـ”النزيف الكبير” الذي يعانيه الاقتصاد الإيراني منذ فرض العقوبات عليه عام 2010.

وقال نائب قائد شرطة الأمن الاقتصادي في إيران، العميد سهراب بهرامي، الجمعة الماضي، إن الإمارات تبدي تعاوناً واسعاً مع طهران في ملف ملاحقة واعتقال المتعاملين النفطيين والوسطاء الماليين المعروفين بـ”التراستيات”، المتهمين بعدم إعادة عائدات تصدير النفط إلى داخل البلاد، مؤكداً أن توقيف هؤلاء واستردادهم يجري عبر التنسيق مع منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول).

وأوضح بهرامي، في تصريحات لوكالة إيلنا الإيرانية العمالية، أن الجهود الأمنية في هذا الملف تستند إلى قرار صادر عن المجلس الأعلى للأمن القومي، ينص على تشكيل فريق عمل خاص ضمن المقر المركزي لمكافحة تهريب السلع والعملات. ويتولى هذا الفريق تصنيف ودراسة ملفات الشركات والأشخاص الحقيقيين والاعتباريين الذين لم يلتزموا بإعادة عائدات الصادرات أو لم يفوا بتعهداتهم التصديرية.

وبحسب المسؤول الأمني، جرى حتى الآن إحالة ملفات 51 شركة إلى شرطة الأمن الاقتصادي التابعة لقوى الأمن الداخلي. وأضاف أن نحو 40 شركة قامت خلال الشهرين الماضيين بتسوية أوضاعها وإعادة جزء كبير من التزاماتها من العملة الصعبة، ما أسفر عن عودة ما يقارب 1.8 مليار يورو إلى البلاد، في حين لا تزال 11 شركة أخرى ترفض إعادة عائدات الصادرات، وقد أُحيلت ملفاتها إلى الجهات القضائية المختصة، وما زالت قيد النظر والمتابعة.

وأكد بهرامي أن الجهات التي امتنعت عن تسليم عائدات بيع النفط تنقسم إلى فئتين رئيسيتين: الأولى تضم متعاملين أو “تريدرز” يتولون بيع النفط في الأسواق الخارجية، فيما تشمل الثانية شركات أو أفراداً يُعرفون بـ”التراستيات” يتكفلون بنقل العائدات النفطية من الخارج إلى داخل البلاد.

وأوضح أن شرطة الأمن الاقتصادي تعتمد في ملاحقة هؤلاء على آليات الإنتربول، وبالتنسيق الكامل مع السلطة القضائية، مشيراً إلى أن توقيفهم واستردادهم يجري بعد استكمال الملفات القانونية، وصدور مذكرات رسمية عبر القنوات الدولية. ورداً على سؤال بشأن إمكانية استرداد بعض الشخصيات المقيمة في الخارج، ولا سيما في دولة الإمارات، ومن بينهم شخص يُشار إليه بالأحرف الأولى “ح. آ”، شدد بهرامي على أن الإمارات تتعاون “إلى أقصى حد” مع الشرطة الإيرانية في هذا الملف، مضيفاً أن إيران، باستثناء دولة أو دولتين لا تربطها بهما اتفاقيات استرداد، قادرة على استخدام آليات الإنتربول مع معظم دول العالم، لتوقيف المطلوبين وإعادتهم إلى البلاد.

ماذا تعني “التراستيات”؟

يُستخدم مصطلح “تراستي” للإشارة إلى أفراد أو مؤسسات تتولى، بصورة غير رسمية أو خلف الكواليس، مهمة نقل الأموال والعملات في ظل العقوبات، من دون إطار قانوني واضح أو مستوى كافٍ من الشفافية. يقول الخبير الاقتصادي الإيراني، محسن جندقي، إن ما يُعرف بشركات “التراستي” هي شركات أُسست خارج إيران، وغالباً في دول الخليج وتركيا ودول أخرى، وتعمل بصفة وسطاء ودلالين في تصدير وبيع النفط الإيراني ومشتقاته، في ظل العقوبات المفروضة على قطاع النفط والطاقة في البلاد.

وأوضح جندقي أنه بالرغم من العقوبات النفطية، لا يزال النفط الإيراني ومشتقاته والمنتجات البتروكيميائية تحظى بطلب واسع في الأسواق العالمية، ويجري تصديرها عبر شبكات من الشركات الوسيطة التي تتولى عمليات البيع والتحصيل المالي.

وأشار إلى أن تنفيذ هذه العمليات يتطلب مستوى عالياً جداً من الثقة بهذه الشركات، إذ تُبرم العقود في ظروف يغلب عليها الطابع السري، بسبب العقوبات. وأضاف أن لجوء إيران إلى هذه الآليات يُعد أمراً طبيعياً في سياق “العقوبات الظالمة”، مؤكداً أن طهران اضطرت إلى استخدام مسارات متعددة للحفاظ على عائداتها النفطية، ومن بينها الاعتماد على شركات “التراستي”.

وبيّن جندقي أن شركات “التراستي” ليست على مستوى واحد؛ فبعضها مرتبط بشركات حكومية إيرانية لها تمثيل رسمي في الخارج، في حين أن شريحة واسعة من الشركات الخاصة لا تستطيع تحمّل كلفة إنشاء مكاتب تمثيلية، ما يدفعها إلى اللجوء إلى وسطاء موثوقين. ولفت إلى أن قسماً من هذه الشركات الوسيطة خاص وغير حكومي، وغالباً ما يكون مرتبطاً بأشخاص متنفذين، يقيم معظمهم خارج إيران ويحملون جنسيات أجنبية.

وأوضح الخبير الاقتصادي أن هذه الجهات تتولى مسؤولية إعادة عائدات التصدير وإدخال العملة الأجنبية إلى البلاد، مشيراً إلى أن حجم العملات التي لم تُعد إلى إيران ليس كبيراً مقارنة بما عاد فعلياً، لأن منطق استمرار هذه الشركات قائم أساساً على مواصلة التعاون وتحقيق الأرباح.

وعن أسباب تأخر إعادة بعض العائدات، أشار جندقي إلى عوامل عدة، من بينها تعرّض بعض هذه الشركات أو قنواتها المالية للرصد والعقوبات الأميركية، أو انتظارها تطورات المشهد السياسي والدبلوماسي الإيراني، ولا سيما ما إذا كانت المفاوضات ستُفضي إلى نتائج ملموسة. كما تطرق إلى تأثير سياسات البنك المركزي، موضحاً أن تشديد شروط العمولات خلال فترتي رئاسة عبد الناصر همتي ثم علي فرزين للبنك المركزي أدى إلى اعتراض بعض شركات “التراستي”، لافتاً إلى أن بعض الإشكالات لا تزال قائمة رغم التغييرات الإدارية.

وأضاف أن امتلاك هذه الشركات مبالغ مالية ضخمة يدفعها أحياناً إلى تفضيل تأخير التسويات، لأن تضخم أرصدتها يصب في مصلحتها، خاصة في ظل عملها خارج البلاد وبرقابة قانونية محدودة، ما منحها نفوذاً واسعاً يتناسب مع حجم الصادرات النفطية الإيرانية.

وأكد جندقي أن الاستغناء الكامل عن هذه الشركات في الظروف الحالية قد يعرّض صادرات النفط والمشتقات النفطية الإيرانية للخطر، مشدداً في المقابل على ضرورة تقنين عملها وتعزيز الرقابة عليها. وختم بالقول إن الحل الأمثل يتمثل في أن تقوم الشركات الإيرانية نفسها بإنشاء ممثليات رسمية في الخارج، مع تعيين إداراتها من داخل إيران، بما يضمن مستوى أعلى من الشفافية والرقابة، بدلاً من الاعتماد على شركات قائمة في الخارج تعمل بعيداً عن الإشراف المباشر.

فئات متعددة

إلى ذلك، كشف المدير التنفيذي الأسبق لشركة تجارة النفط الإيرانية “نيكو”، علي أكبر بورإبراهيم، السبت الماضي، عن تشكّل عدة فئات من “التراستيات”: فئة قامت ببيع النفط ولم تُعد عائداته، وأخرى تسلّمت الأموال وحوّلتها إلى حسابات وسيطة تعرّضت لسوء استخدام، إضافة إلى فئة ثالثة أخطر كانت تقدّم تأكيدات مصرفية كاذبة بعودة الأموال، عبر تواطؤ بين مشتري النفط و”التراستي” البنكي، مقابل تقاسم أرباح التأخير لمدة شهر أو شهرين.

وأشار بورإبراهيم، وفق وكالة إيلنا، إلى أن “التحوّل الجذري وقع منذ بداية الحكومة السابقة، حين أُجبرت وزارة النفط على إغلاق تراستياتها الخاضعة لرقابتها المباشرة، واستُبدلت بتراستيات بنكية خاضعة لبنوك تجارية، بعد أن كانت الوزارة تستلم الأموال مباشرة وتستخدمها لتمويل الدواء والسلع الأساسية، وبكلفة تحويل لا تتجاوز 0.5%”.

وأكد أن شبكات الصرافة عارضت هذا النموذج لأن 30 إلى 40 مليار دولار سنوياً خرجت من دائرة أرباحها المحتملة، ما فتح الباب أمام تضخم دور “التراستيات” الخاصة.

ونتيجة لذلك، حذّر منذ البداية من أن هذه “التراستيات ستأكل أموال النفط”، وهو ما تحقق فعلياً. علماً بأن هذه الجهات تحقق أرباحاً كبيرة حتى من دون القيام بنشاط فعلي، من خلال إبقاء الأموال راكدة في حساباتها لفترات طويلة، إذ يشكل تأخير تحويل العائدات المصدر الأكبر لأرباحها.

وبعبارة مبسطة، تستفيد هذه الجهات من أموال لا تعود لها في الأصل، بل تمثل عائدات نفطية أو تجارية، ويكفي أحياناً تأخير التحويل أسبوعاً واحداً لتحقيق أرباح مرتفعة.

دور الوسطاء في أزمة السيولة الأجنبية

في سياق متصل، ومع تصاعد أزمة الدولار، على خلفية تراجع كبير في عائدات البلاد من العملة الصعبة، ما تسبب في هبوط حاد للعملة الوطنية، أعادت تصريحات لمسؤولين حكوميين وبرلمانيين إيرانيين، في الآونة الأخيرة، فتح ملف “التراستيات” ودورها في الاقتصاد الإيراني خلال فترة العقوبات الممتدة منذ أكثر من عقدين.

وقال نائب رئيس منظمة التخطيط والموازنة للشؤون الاقتصادية، محمد قاسمي، في مقابلة تلفزيونية، إن “مليارات الدولارات لا تزال بحوزة التراستيات المصرفية”، مؤكداً أنه جرى الاتفاق، بمساعدة أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، على تنفيذ برنامج منسق لإعادة هذه العائدات، وأن تدفقات العملة الصعبة ستبدأ بالعودة إلى البلاد.

وأثارت هذه التصريحات، بحسب موقع اقتصاد نيوز الإيراني، موجة جديدة من النقاش حول دور “التراستيات” وحجم نفوذها في الاقتصاد الإيراني في ظل العقوبات.

وفي السياق نفسه، قال البرلماني الإيراني، غلام رضا تاجغردون، رئيس لجنة الدمج البرلمانية، إن إيران باعت نفطاً بقيمة 21 مليار دولار، لكنها لم تحصل فعلياً سوى على 13 مليار دولار، موضحاً أن 1.2 مليار دولار فقط من هذا المبلغ تعود إلى العام الماضي. واعتبر تاجغردون أن هذه الأرقام تعكس خللاً بنيوياً في آليات بيع النفط واستعادة عائداته.

أسباب عدم إعادة عوائد النفط

قالت الخبيرة الاقتصادية الإيرانية، كتايون ملكي، إن عدم قدرة إيران على بيع نفطها بشكل مباشر أو استلام عائداته، عبر القنوات الرسمية، أدى إلى توسّع نشاط هذه الكيانات غير الرسمية. وأوضحت ملكي أن شركات وأفراداً محددين نافذين تولّوا، في ظل تعذّر عمل البنوك الرسمية بسبب العقوبات، مهام بيع النفط واستلام عائداته ونقلها إلى إيران.

وأضافت أن هذه “التراستيات” تعمل خارج الإطار المؤسسي الرسمي، وتنشط في دول ثالثة، ولا سيما الإمارات، ويتمثل دورها الأساسي في التحايل على العقوبات النفطية والمصرفية. وفي ما يتعلق بتعثّر عودة الأموال، أشارت إلى أن الجزء الأكبر من تحويلات عائدات النفط عبر هذه القنوات جرى في الإمارات، لافتة إلى أن غياب أنظمة رقابية صارمة على هذه التحويلات ساهم في تعقيد المشكلة.

وأضافت أن مسألة عدم عودة عائدات النفط تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى قضية بارزة، وتفاقمت بشكل ملحوظ خلال العام الجاري، مشيرة إلى أن بعض “التراستيات”، التي تضم متنفذين وتجاراً بارزين في قطاع النفط، باتت عملياً تعرقل دخول الأموال إلى البلاد. وعزت ملكي السبب الأساسي لذلك إلى غياب الاستقرار السياسي، موضحة أنه منذ بداية العام، ولا سيما بعد حرب يونيو/حزيران الماضي، دخلت البلاد في حالة شبه حربية، مع تزايد تقديرات الخبراء بإمكانية اندلاع مواجهة جديدة أو خرق إسرائيل وقف إطلاق النار.

وأكدت أن تصاعد التوترات، عقب الاحتجاجات الداخلية الأخيرة، إلى جانب التهديدات الخارجية المتزايدة بخيار الحرب، عززا قناعة هذه الشبكات بعدم إعادة الأموال، خشية أن تؤدي أي مواجهة محتملة إلى تعطّل علاقاتها المالية، أو تعريض حساباتها ومصالحها للمصادرة.

وشددت ملكي على أن هذه الجهات لا تتمتع بوضع قانوني رسمي يتيح فرض ضوابط صارمة عليها، لافتة إلى أن وزارة النفط والشركة الوطنية الإيرانية اضطرتا، بفعل تشديد العقوبات، إلى الاعتماد على هؤلاء الوسطاء لبيع النفط، وهو ما ينطوي على مخاطر كبيرة.

وأكدت الخبيرة الإيرانية أن الاعتماد على هذه الآليات غير الرسمية، رغم أنه أتاح استمرار صادرات النفط، فإنه أوجد مخاطر جوهرية، في مقدمتها احتمال عدم عودة العائدات المالية في ظل الظروف السياسية والأمنية غير المستقرة، كما هو الحال في المرحلة الراهنة.

خسائر بمليارات الدولارات

كشف المدير التنفيذي الأسبق لشركة تجارة النفط الإيرانية “نيكو”، علي أكبر بورإبراهيم، أن نحو 11 مليار دولار من عائدات النفط لم تعد إلى البلاد من مارس/آذار 2023 حتى فبراير/شباط 2024، وأن جزءاً كبيراً منها قد تم اختلاسه، معتبراً أن احتمال استعادتها ضعيف. وأضاف أن اختيار “التراستيات” الجديدة جرى عبر تراخيص سهلة، ما أدى إلى تكاثرها “كالفطر”، وأن بعض أفرادها كوّنوا ثروات ضخمة في الإمارات، في حين أن الضمانات المقدّمة منهم لا تتجاوز مليون دولار مقابل صفقات نفط تصل إلى 200 مليون دولار.

وحذّر بورإبراهيم من أن السماح بتسوية الديون النفطية، عبر التهاتر السلعي، سيحوّل الفساد إلى منظومة مؤسسية، مؤكداً أن الحل الوحيد هو إجبار “التراستيات” على إعادة الأموال نقداً، ووقف هذا المسار المعطوب، والعودة إلى النموذج السابق الخاضع لسيطرة الدولة.

وأكد بورإبراهيم أن المزاعم بأن العقوبات وراء عدم إعادة هذه العوائد “غير صحيحة، ولا تستند إلى منطق مهني أو قانوني”.
كما سلّطت أسبوعية “تجارت فردا” الاقتصادية الضوء، أخيراً، على حجم الخسائر التي يتكبدها الاقتصاد الإيراني نتيجة ما وصفه مسؤولون سابقون بـ”تسرّب” العملة الصعبة عبر قنوات غير رسمية، في مقدمتها شبكات “التراستيات”.

ونقلت المجلة عن وزير الاقتصاد الإيراني السابق عبد الناصر همتي، قبل تعيينه محافظاً للبنك المركزي، قوله إن ما بين 20 و30 مليار دولار تتسرّب سنوياً من الاقتصاد الإيراني، نتيجة العقوبات وآليات الالتفاف عليها.

وأوضح همتي أن ما بين 15 و20% من حجم التجارة الخارجية الإيرانية يتعرض للتسرّب، مشيراً إلى أنه إذا بلغ حجم التجارة الخارجية نحو 130 مليار دولار، فإن ما بين 20 و30 مليار دولار من هذا المبلغ لا يدخل فعلياً في الدورة الاقتصادية الرسمية. واعتبر أن شبكات “التراستيات”، بحكم دورها في نقل الأموال وتدويرها خارج القنوات النظامية، تمثل “المصدر الرئيسي للفساد” في هذه العملية.

ورغم ضخامة هذه الأرقام، لا تزال المعلومات الدقيقة حول هويات الأفراد أو الكيانات التي تُعرف باسم “التراستيات” شحيحة، فيما ظل النقاش العام حول هذه الظاهرة محدوداً لسنوات، رغم تأثيرها المباشر في أزمة السيولة الأجنبية وتراجع الثقة في إدارة الموارد المالية.

وفي تحليل أوسع، تناولت تقارير صحافية إيرانية ودولية نشأة ظاهرة “التراستيات” ضمن سياق الاقتصاد السياسي للعقوبات، ووفقاً لتقرير مطوّل نشرته صحيفة شرق الإيرانية قبل شهرين، فإن إيران، خصوصاً منذ عام 2010، لجأت بشكل متزايد إلى وسطاء أو “أمناء” لتجاوز القيود المصرفية التي فرضتها العقوبات الأميركية والغربية.

وأشار التقرير إلى أن معظم هؤلاء الوسطاء يتمركزون في دول مثل الإمارات العربية المتحدة وتركيا وسلطنة عمان، ويساهمون في تسهيل بيع النفط ونقل عائداته عبر قنوات غير رسمية. وقدّرت الصحيفة أن نحو 100 شخص أو كيان راكموا خلال عقدين ما يقارب 50 مليار دولار من “أرباح فاسدة منهجية”.

ووصفت “شرق” هذا النظام بأنه جزء من “هيكل غير شفاف” متغلغل في بنية السلطات الاقتصادية، محذّرة من مفارقة جوهرية: فمن جهة، يتيح هذا النظام تأمين موارد مالية والالتفاف على العقوبات، ومن جهة أخرى يفتح الباب واسعاً أمام إساءة استخدام المال العام من دون رقابة أو مساءلة فعّالة.

كما لفت التقرير إلى أن أي محاولة لتعزيز الشفافية قد تقابل، في المقابل، بتشديد إضافي للعقوبات، ما ينعكس مباشرة على حياة المواطنين.

وفي البعد الدولي، ذكرت مجلة “ذا إيكونوميست” في تقرير نُشر عام 2024، أن نحو 200 مواطن إيراني يحملون جنسيات مزدوجة يديرون شركات قائمة على نظام “الأمانة” في أوروبا، تعمل لصالح طهران في إدارة عائدات الصادرات النفطية وغير النفطية.

وتصاعد الجدل مجدداً بعد أن نشرت وكالة فارس المحافظة، المقربة من الحرس الثوري، في السابع من ديسمبر/كانون الأول الماضي، تقريراً أفاد بأن شبكات “التراستيات” حققت خلال عام واحد فقط أرباحاً تقارب 150 مليون دولار من عائدات النفط الإيراني. وبحسب الوكالة، فإن هذه الجهات تحتفظ بالأموال لفترات تتراوح بين شهرين وعام كامل، محققة أرباحاً “من دون أي جهد يُذكر”.

كما أشار موقع “بولتن نيوز” الإيراني إلى تورّط شركات “تراستي” مرتبطة بصناديق تقاعد في مخالفات مالية في الخارج، معتبراً أن الاعتماد المتزايد على هذه الشبكات ساهم في فضائح كبرى، أبرزها قضية رجل الأعمال بابك زنجاني، الذي لعب دوراً محورياً في بيع النفط الإيراني خلال فترة رئاسة محمود أحمدي نجاد (2005 – 2013)، قبل إدانته لاحقاً بتهم اختلاس بمليارات الدولارات، ثم أفرج عنه قبل نحو عام.

وذكرت “فارس” أن إيران لا تزال تعتمد على هذه الشبكات لتجاوز العقوبات، ولا سيما بعد إدراجها على القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي (FATF). وبينما يرى بعض الاقتصاديين أن الاستغناء عن “التراستيات” غير ممكن في المدى القريب، يدعو آخرون، من بينهم دبلوماسيون سابقون وخبراء مصرفيون، إلى تطوير قنوات دفع رسمية أكثر شفافية، محذّرين من أن استمرار الاعتماد على الوسطاء يكرّس الاختلالات، ويعمّق فقدان الثقة في إدارة الموارد الوطنية.

مخاطر أمنية

بحسب موقع مسير اقتصاد الإيراني، تواجه شبكات “التراستيات” مخاطر بنيوية متزايدة، إذ تتركّز في مناطق محدودة خاضعة للعقوبات الثانوية، وتفتقر إلى رقابة قانونية فعّالة، كما يصعب التحكم بها في الظروف الحرجة. ويشير الموقع إلى أن كلفة تحويل الأموال عبر هذه القنوات لا تقل عن خمسة في المئة، فضلاً عن مخاطر تجميد الأرصدة في المصارف المضيفة.

وتؤكد البيانات ذاتها أن جزءاً كبيراً من عمليات الاستيراد يجري بصورة غير مباشرة عبر شركات أميركية أو أوروبية، تستفيد من إعفاءات “أوفاك” (مكتب مراقبة الأصول الأجنبية)، ما يعني أن توريد السلع الأساسية يجري فعلياً تحت المظلة القانونية للولايات المتحدة، في تناقض واضح مع الهدف المعلن لهذه الشبكات.

ومن منظور أعمق، يرى خبراء اقتصاديون أن الاعتماد المستمر على هذه المنظومة يمثل خطأً استراتيجياً؛ إذ تحوّلت من أداة مؤقتة للالتفاف على العقوبات إلى بنية دائمة، مكلفة وغير مستقرة، ربطت واردات البلاد الحيوية بمسارات مالية خارجية عرضة للانكشاف والاختراق.

وبحسب “مسير اقتصاد”، فإن استخدام الوسطاء لا يخرج إيران من العقوبات المالية، بل يغيّر شكل الخطر فقط، لا مصدره. ويحذّر الموقع مما يسميه “الحظر الاستخباري الذاتي”، حيث تحوّلت العقوبات من أداة اقتصادية إلى أداة استخبارية، وأضحى تركّز العمليات المالية الإيرانية في دبي نقطة ضعف أمنية كبرى، تتيح للجهات المعادية رسم خريطة دقيقة لمسارات الأموال وتوظيفها في تصميم عقوبات أكثر فاعلية.

ويخلص التقرير إلى أن الحل لا يكمن في “تحسين استخدام دبي”، بل في تفكيك هذا الاعتماد تدريجياً، عبر تنويع المسارات المالية، وفتح قنوات بديلة خارج محاور الضغط الأمني، وبناء نظام دفع يقوم على الحوكمة والسيادة الوطنية، بما يقلل من الكلفة الاقتصادية والأمنية للاعتماد على “التراستيات”.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 + اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى