الصحافة الإيرانية: أربع استراتيجيات عملية للاستفادة من صدمات النظام المالي العالمي
التركيز فقط على تراجع أو بقاء الدولار لا يساعد في وضع السياسات العملية. الأهم هو تصميم آليات تنفيذية لتنويع الموارد المالية.

ميدل ايست نيوز: تدفع حرب التعريفات الجمركية والمنافسة النقدية النظام المالي العالمي إلى مرحلة يمكن أن يمثل فيها أي زلزال مالي تهديداً للدولار وفي الوقت نفسه فرصة لإعادة ترتيب التجارة العالمية.
وقالت نكار خردمند، خبيرة في الاقتصاد الدولي، في مقال لموقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية إن المنافسة التجارية والتكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين في السنوات الأخيرة تجاوزت مستوى التعريفات الجمركية ووصلت إلى مجال النظام النقدي والعملات الأجنبية. لكن هل يمكن أن تؤدي حرب التعريفات والضغوط المالية الناتجة عنها إلى إضعاف مكانة الدولار وفي الوقت نفسه فتح مساحة عملية لتطوير آليات تجارة غير دولارية للدول الخاضعة للعقوبات؟ على الرغم من أن الدولار يبدو أنه سيبقى العمود الفقري للنظام المالي العالمي، فإن الصدمات الناتجة عن المنافسة الجيو-اقتصادية بين الولايات المتحدة والصين تفتح نوافذ محدودة، لكنها قابلة للاستغلال، لإنشاء ترتيبات مالية بديلة.
التعريفات، الدين، ومتانة الدولار
تشير تحليلات منشورة في «مجلس الأطلسي» إلى أن البيانات الحالية لا تشير إلى انهيار وشيك للدولار، وأن حصته في الاحتياطيات النقدية العالمية، رغم تراجعها التدريجي، لا تزال هي الغالبة. يؤكد التقرير أن عمق الأسواق المالية الأمريكية وارتفاع السيولة فيها يمثلان مزايا لا يمكن تعويضها بسهولة.
ومع ذلك، ناقش مقال في «أوراسيا ريفيو» أن سياسات التعريفات الجمركية لدونالد ترامب، رغم الانتقادات الواسعة، أعادت إحياء بعض الصناعات المحلية وأدت إلى إعادة تعريف سلاسل الإمداد. هذه السياسات، جنباً إلى جنب مع تباطؤ نمو الدين الوطني في 2025، تقدم صورة معقدة للاقتصاد الأمريكي الذي يواجه في الوقت ذاته تحديات تضخمية وضغوط سياسية داخلية.
وتشير تحليلات معهد بيترسون إلى أن تجربة التضخم بعد كوفيد-19 والنقاشات حول السياسات التجارية أثرت على الثقة العالمية في استقرار السياسات الأمريكية. كما أن النقاشات حول إمكانية إلغاء بعض التعريفات قانونياً في المحكمة العليا زادت من حالة عدم اليقين القانوني. هذه العوامل، رغم أنها لم تهز مكانة الدولار بعد، عززت دوافع الدول لتنويع احتياطياتها النقدية.
المنافسة النقدية والرقمية: من اليوان الرقمي إلى التسويات المحلية
امتدت المنافسة بين الولايات المتحدة والصين الآن إلى مجال العملات الرقمية للبنوك المركزية. فالصين، من خلال تطوير اليوان الرقمي، تسعى لتقليل الاعتماد على البنى التحتية المالية الخاضعة للهيمنة الدولارية. في هذا السياق، تُعتبر العملة الرقمية أداة دفع وأيضاً جزءاً من الاستراتيجية الجيو-اقتصادية.
وفي الوقت نفسه، تظهر تحليلات منشورة في PIIE أن الصدمات التكنولوجية مثل قفزات الذكاء الاصطناعي والمنافسة على المواد المعدنية الحيوية جعلت الاقتصاد الرقمي والبنى التحتية التكنولوجية طبقة جديدة من المنافسة بين القوى الكبرى. إذ يمكن للسيطرة على سلاسل إمداد المواد المعدنية الضرورية للصناعات المتقدمة والتقنيات الخضراء أن تتحول إلى أداة ضغط مالي وصناعي.
وفي هذا الإطار، زاد استخدام العملات المحلية في التجارة الثنائية بين الصين والهند وروسيا. رغم أن هذه الظاهرة لا تمثل سوى حصة صغيرة من التجارة العالمية، إلا أنها مهمة عملياً للدول الخاضعة للعقوبات، حيث يقلل تقليل الاعتماد على نظام التسويات بالدولار واستخدام نظم مالية بديلة من خطر العقوبات الثانوية ويوفر مجالاً أكبر للتحرك.
حلول عملية للاستفادة من الصدمات
التركيز فقط على تراجع أو بقاء الدولار لا يساعد في وضع السياسات العملية. الأهم هو تصميم آليات تنفيذية لتنويع الموارد المالية. أولاً، تطوير اتفاقيات نقدية ثنائية ومتعددة الأطراف مع دول مثل الصين والهند وروسيا يمكن أن يتيح تسوية جزء من التجارة بالعملات المحلية، مع ضمان آليات للتحويل وإدارة المخاطر لبناء الثقة بين الفاعلين الاقتصاديين.
ثانياً، يمكن لاستخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية أو منصات الدفع الإقليمية أن يقلل من تكلفة المعاملات والاعتماد على الشبكات الخاضعة للهيمنة الدولارية. في هذا المسار، التعاون الفني مع اقتصادات تمتلك خبرة عملية في هذا المجال له أهمية بالغة.
ثالثاً، إنشاء صناديق تسوية متعددة الأطراف للتجارة في السلع الاستراتيجية مثل الطاقة والمواد المعدنية يمكن أن يخرج جزءاً من المبادلات من دورة الدولار. تجربة التعاون المحدود في إطار بريكس تظهر أن هذه الآليات، رغم أنها في مراحلها المبكرة، لديها قابلية للتوسع.
رابعاً، تنويع الاحتياطيات النقدية وزيادة حصة الذهب والعملات غير الدولارية في المحفظة الاحتياطية يمثل حماية من تقلبات الجيو-اقتصاد. يجب أن يُرافق هذا الإجراء إصلاحات هيكلية في النظام المصرفي الداخلي لضمان الاستقرار المالي.
أدخلت حرب التعريفات والمنافسة النقدية بين الولايات المتحدة والصين النظام المالي العالمي في مرحلة من عدم اليقين المنضبط. فالدولار لا يزال العملة المهيمنة، لكن الصدمات السياسية والقانونية والتكنولوجية عززت دوافع التنويع. بالنسبة للدول الخاضعة للعقوبات، هذه الحالة لا تعني انهيار النظام الدولاري، بل فرصة محدودة لتصميم آليات موازية، ويستلزم استغلالها اتباع نهج عملي، وتنويع تدريجي، وتجنب الاعتماد الكامل على أي عملة بديلة.
في النهاية، من المرجح أن لا يكون مستقبل النظام المالي العالمي أحادياً بالدولار ولا سيتحول سريعاً إلى نظام متعدد العملات، بل سيتجه نحو نظام هجين يسمح للفاعلين الأذكياء باستغلال الفرص الناتجة عن فجوات المنافسة بين القوى الكبرى لصالح مصالحهم الوطنية من خلال إنشاء بنى تحتية مرنة وتعاون مستهدف.



