مفاوضات جنيف بين طهران وواشنطن: سباق الدبلوماسية مع الزمن

يقول الخبير الإيراني حسن بهشتي بور إنّ موافقة إيران والولايات المتحدة على مواصلة المفاوضات تعكس، في الحد الأدنى، التوصل إلى إطار عام يسمح باستمرار الحوار، ما يشير إلى وجود تفاهم أولي حول القضايا المطروحة.

ميدل ايست نيوز: انطلقت اليوم الثلاثاء في جنيف المفاوضات بين الوفدين الإيراني والأميركي بوساطة عُمانية، وذلك عقب مباحثات تحضيرية عُقدت أمس الاثنين، جمعت وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بكلٍّ من نظيره العُماني بدر البوسعيدي، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي. ومن المقرر أن تُجرى المفاوضات بين عراقجي وكلٍّ من المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عبر وزير الخارجية العُماني الذي يتولى دور الوسيط بين الجانبين.

وهذه الجولة من المفاوضات هي الثانية، بعد الجولة الأولى التي عُقدت في السادس من الشهر الجاري في العاصمة العُمانية مسقط. وكان الطرفان قد أجريا خمس جولات تفاوضية قبل حرب يونيو/ حزيران الماضي، التي أدت إلى توقف المحادثات وسط اتهامات إيرانية للإدارة الأميركية باستغلال مسار التفاوض غطاءً للتحضير للحرب، ولا سيما أن طهران تعرّضت لعدوان عشية الجولة السادسة التي كان مقرراً عقدها قبل أن تُلغى مع بدء الهجمات.

وبحسب التصريحات الإيرانية، اقتصرت الجولة الأولى في مسقط على جسّ النبض وإعادة بناء الثقة بعد انهيار المسار التفاوضي على وقع الحرب، فيما يُفترض أن تدخل الجولة الثانية في جنيف في تفاصيل أعمق، وهي جولة “حاسمة” حسب توصيف موقع “أكسيوس” الأميركي. واستبق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذه الجولة بزيارة عاجلة للبيت الأبيض الأسبوع الماضي ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في محاولة لتعديل جدول أعمال المفاوضات وطرح قضايا إضافية، من بينها البرنامج الصاروخي الإيراني، وهو ما ترفضه طهران بشكل قاطع، مصوّبة على ضرورة رفع العقوبات بوصفه مطلبها الرئيس في العملية التفاوضية.

وفي سياق متصل، وفي إشارة ضغط متزامنة قبيل انطلاق الجولة الثانية، أجرى الحرس الثوري الإيراني، مساء أمس الاثنين، مناورات عسكرية تحت عنوان “السيطرة الذكية على مضيق هرمز”.

كذلك حذر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قبل ساعات من انعقاد مفاوضات جنيف اليوم، إيران من عواقب عدم التوصل إلى اتفاق، قائلاً للصحافيين أمس الاثنين: “سأشارك في تلك المحادثات بشكل غير مباشر”، مضيفاً: “لا أعتقد أنهم يريدون تحمّل عواقب عدم إبرام اتفاق”.

ويشارك عراقجي في المفاوضات بـ”مبادرات حقيقية تهدف إلى التوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن”، حسب تدوينة له، صباح أمس الاثنين، بعيد وصوله إلى جنيف بسويسرا، مؤكداً في الوقت نفسه أنّ “الاستسلام للتهديدات ليس مطروحاً على الطاولة”. إلى ذلك، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، أمس الاثنين، من جنيف في تصريحات له، إنّ التقييم العام للمباحثات التي جرت في مسقط حتى الآن يُظهر أنّ الموقف الأميركي من الملف النووي الإيراني “يتجه نحو مزيد من الواقعية”.

إطار عام للتفاوض

ويقول الخبير الإيراني حسن بهشتي بور إنّ موافقة إيران والولايات المتحدة على مواصلة المفاوضات تعكس، في الحد الأدنى، التوصل إلى إطار عام يسمح باستمرار الحوار، ما يشير إلى وجود تفاهم أولي حول القضايا المطروحة، وإن كانت تفاصيل هذا الإطار لا تزال غير واضحة بشكل كامل. ويوضح أنّ المطالب الأميركية تتركز على خفض التخصيب الإيراني إلى الصفر، وفرض قيود على البرنامج الصاروخي، ومعالجة مصير أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%.

في المقابل، يشدد بهشتي بور على أن الموقف الإيراني يقتصر على التفاوض في الملف النووي فقط، مع الاستعداد لاتخاذ إجراءات بناء ثقة وضمانات تثبت الطابع السلمي للبرنامج النووي، مقابل مطلب أساسي يتمثل برفع كامل العقوبات والوصول إلى “صفر عقوبات” ضد إيران.

ويضيف أنّ طهران طرحت أيضاً أفكاراً للتعاون الاقتصادي المستقبلي مع الولايات المتحدة، معتبراً أن التحدي الرئيسي يكمن في كيفية الجمع بين مطالب الطرفين ضمن مفاوضات جنيف، مشيراً إلى أن هذه المفاوضات يُفترض أن تقود إلى إطار موحد تُقرَّب فيه المواقف، بما يسمح بالانتقال إلى مفاوضات فعلية، لافتاً إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يسعى لحسم هذا المسار بسرعة، وربما خلال فترة لا تتجاوز شهراً واحداً.

وحول أجواء انعدام الثقة واحتمال لجوء واشنطن إلى عمل عسكري حتى في أثناء المفاوضات، يرى بهشتي بور أن كل السيناريوهات تبقى مطروحة، لكنه يرجّح حالياً كفة نجاح الدبلوماسية والتوصل إلى نتائج إيجابية. وحول ما إذا كانت زيارة نتنياهو ستلقي بظلالها على الجولة الثانية من المفاوضات، يقول بهشتي بور إن ترامب يتأثر برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لكنه لا ينفذ بالضرورة جميع مطالبه، موضحاً أن ترامب شخصية براغماتية وقد يقدم على اتفاق مع إيران إذا رأى فيه مصلحة أميركية، حتى من دون تلبية المطالب القصوى لإسرائيل.

ويؤكد أن إيران لن تقبل بنزع القدرات الصاروخية الإيرانية، لكنها مستعدة لتقديم ضمانات بعدم استخدام قدراتها الصاروخية بشكل هجومي إلا في حال تعرضها لعدوان. ويختم بهشتي بور بالتأكيد أن المؤشرات الحالية ترجّح نجاح الدبلوماسية على خيار الحرب، محذراً من أن أي مواجهة عسكرية ستكون إقليمية وتلحق خسائر بالجميع، مؤكداً أن الحرب “لا منتصر فيها”، بينما يمكن للمفاوضات أن تشكل مساراً رابحاً لإيران والمنطقة والولايات المتحدة، وهو ما يعزز فرص الدبلوماسية على حساب الحرب.

رغبة إيرانية في إنهاء العداء؟

من جهته، يرى الخبير الإيراني أحمد زيدآبادي أن طرح الفريق التفاوضي الإيراني مقترح إقامة علاقات اقتصادية واسعة مع الولايات المتحدة ضمن أي اتفاق محتمل مع إدارة ترامب يعكس رغبة واضحة لدى طهران في الخروج من دائرة العداء المستمرة منذ 47 عاماً.

ويوضح أنّ المسؤولين الإيرانيين يدركون أن العلاقات الاقتصادية الواسعة لا يمكن أن تتعايش مع “خطاب العداء والشعارات التحريضية”، معتبراً أن الجمع بين الأمرين يفتقد المنطق، ومشيراً إلى أن التعامل الاقتصادي، حتى في الحياة اليومية، يتطلب سلوكاً مختلفاً، فكيف بالعلاقات الدولية.

وفي المقابل، يرى زيدآبادي أن الولايات المتحدة لا تسعى لحرب بلا جدوى، وهي بدورها معنية بتطبيع العلاقات مع إيران، ولا سيما أن مفاوضيها ينطلقون من خلفية تجارية تدرك أن المصالح الاقتصادية المتبادلة تمثل وسيلة فعالة لخفض التوترات السياسية والأمنية.

ويعتبر أن التركيز على التفاصيل التقنية، مثل التخصيب وأجهزة الطرد المركزي والبرنامج الصاروخي أو الأموال المجمدة، لن يقود إلى اتفاق، مؤكداً أن مبادرة اقتصادية حقيقية مرتبطة بخفض التوتر ورفع العقوبات هي المدخل الواقعي لإنجاح المفاوضات. ويشير إلى أن إيران مستعدة لهذا المسار، ما لم تخضع واشنطن لضغوط نتنياهو.

ويصف زيدآبادي نتنياهو بأنه “مهووس بالحرب ويسعى لإفشال المفاوضات عبر طرح مطالب غير واقعية تهدف إلى تحويل المفاوضات إلى مسألة كرامة وسيادة، بما يحفّز التيارات المتشددة داخل إيران على عرقلة أي اتفاق”.

ويتابع زيدآبادي في حديثه مع “العربي الجديد” بأنّ إسرائيل تمارس حرباً نفسية، داعياً الوفد الإيراني إلى توخي الحذر وتجنب الانجرار وراء القضايا الشكلية. ويعتبر أن فرص التوصل إلى اتفاق متوازن هذه المرة كبيرة، مشدداً على أن الأولوية يجب أن تكون لرفع العقوبات وإنقاذ الاقتصاد، عبر التفاوض بهدوء وعقل منفتح، بعيداً عن الضجيج الإعلامي.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى