كيف سيكون مستقبل المنطقة في حال اندلعت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران؟

لو اندلعت مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران فهي لن تكون مجرد اشتباك عسكري محدود بل صاعق سيعيد تشكيل خريطة المخاطر السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة لسنوات.

ميدل ايست نيوز: لو اندلعت مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران فهي لن تكون مجرد اشتباك عسكري محدود بل صاعق سيعيد تشكيل خريطة المخاطر السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة لسنوات. استنتاج السيناريوهات ليس علمًا بالتنجيم، بل نتاج تراكم عوامل ومعطيات مثل تحركات الحشود العسكرية وقوى الوكالة في المنطقة، اختلال الممرات البحرية والتجارية الحساسة، تخوف الدول والخشية على الاقتصاد المعرّض للصدمات، ونمط التحالفات الدولية المتشابكة.

هنا قراءة مرتبة للتداعيات المتوقعة على مستوى المنطقة والعالم في حال اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين طهران وواشنطن، صاغها موقع ميدل ايست نيوز بإيجاز وجمع في سطورها بين الحقائق والتحليل.

الخطوط الأمامية والانتشار المحلي

أول من سيدفع ثمن التصعيد بعد إيران هو المشهد الداخلي للدول المجاورة. في العراق ولبنان واليمن، ستتصاعد النزاعات الطائفية والعرقية وتزداد قوة الجماعات المسلحة المحلية التي تربطها صلات أو دعم سياسي وعسكري بطهران، أو بالمقابل تتعرض لعمليات استهداف من قبل الولايات المتحدة وحلفائها. سيناريو المواجهة يعني توسيع ساحات القتال من تبادل ضربات عبر الحدود إلى معارك بالوكالة داخل المدن والأرياف، ما قد يعيد إنتاج موجات نزوح داخلي وخارجي ويعطل جهود إعادة الإعمار التي تكاد تكون بدت ممكنة في بعض مناطق ما بعد النزاع.

الممرات البحرية وأسعار الطاقة

المعركة ستشتبك أيضاً حيث تمر شرايين الاقتصاد العالمي: مضيق هرمز، بحر عمان، ومياه الخليج وممرات النفط الرئيسيّة. أي تعطّل أو تهديد مستمر لحركة الناقلات سيسبب قفزًا في أسعار النفط والغاز، وارتفاعًا فوريًا في تكلفة الشحن العالمي، وتضخيمًا للمخاطر المالية في الأسواق الناشئة المعتمدة على الواردات الطاقية. السوق يفرض بالفعل علاوة مخاطرة جغرافية عندما تتصاعد التهديدات، ومع أي تصعيد عسكري حقيقي ستتسارع تدفقات رأس المال من المنطقة بحثًا عن الملاذات الآمنة، ما يزيد من ضغوط التضخم في بلدان تعتمد على الواردات.

جبهات إضافية وخطر إشعال مواجهة إقليمية

وجود صراع أميركي-إيراني سيدفع حلفاء طهران وغيرهم إلى إعادة ترتيب أوراقهم. إذ ثمة احتمال أن تستغل جماعات مسلّحة أو حكومات إقليمية الفرصة لتوجيه ضربات ضد أهداف مرتبطة بالولايات المتحدة أو حلفائها، خصوصًا في السياق الإسرائيلي–الفلسطيني، فأي توتر كبير يمكن أن يتحول إلى موجة صواريخ أو اشتباكات برية محدودة قد تتصاعد بسرعة وقد تفشل السلام القائم في غزة. هذا يعني مخاطر عسكرية جديدة على المدن والمناطق المدنية في الأراضي الفلسطينية والإسرائيلية، وزيادة في وتيرة الهجمات المتبادلة التي تهدد المدنيين وتزيد من تعقيد أي حل سياسي محتمل.

اقتصاديات الدول: من النفط إلى السياحة والتمويل

مخطئ من يظن أن أثر الحرب سيقتصر على قطاع الطاقة فحسب، فالسياحة ستكون في واجهة المدفع وستنهار في دول تعتمد عليها أو باتت تستثمر فيها كبديل للنفط، وسلاسل التوريد الإقليمية ستتضرر والاستثمارات الأجنبية ستتبخر مؤقتًا إلى أن يخفت ضوء الخطر، بينما سيتسارع خروج رؤوس الأموال من الأسواق المحلية. بالنسبة لاقتصادات تعتمد بشدة على موارد محدودة أو على استيراد السلع الأساسية، فالصدمات السعرية ستهبط بسرعة على مستويات المعيشة وعلى جيب المواطن، وستتزايد احتمالية حدوث أزمات سيولة ومالية. هذا المسار قد يطيح بثقة مواطني بعض الدول في مؤسساتها الاقتصادية، ما يعمّق هشاشة أنظمة حكم قائمة ويفرز مقدمات لقيام احتجاجات وأعمال شغب تنديداً بالأوضاع الجارية.

التحالفات الكبرى والاستقطاب الدولي

في الخارج، سيجد الصراع ساحة لتنافس القوى الكبرى. روسيا، التي نددت وحذرت من خطر تعرض مصالحها ومصالح حلفاءها الاسترتيجية للخطر، قد تعدّل مواقفها لتوسيع نفوذها أو لحماية مصالحها. كذلك ستلعب الصين بأوراق حساباتها الخاصة، خاصة إذا ما ارتبطت الحرب بتقلبات أسواق الطاقة أو بانزعاج عن شركائها في المنطقة. في المقابل، ستدفع واشنطن حلفاءها إلى خيارات صعبة بين التورط أو التخلي عن أدوار تقليدية. هذا الاستقطاب يزيد احتمالات أن يتحوّل الصراع إلى أزمة دولية، لا محصورة إقليميًا.

أزمة إنسانية، لاجئون، مهاجرون

يعلمنا تاريخ المنطقة أن أي مواجهة واسعة تُفجر موجات نزوح وتمزق شبكات الرعاية الصحية والتعليم. آلاف، إن لم يكن مئات الآلاف، من الإيرانيين ومن سكان دول أخرى من الدول المعرضة للخطر سيحتاجون إلى مساعدات طارئة وغذاء ومأوى ورعاية طبية. المنظمات الحقوقية تحذّر دائمًا من أن أثر هذه الحروب يستمر لعقود في شكل حرمان متواصل وفراغات في البنية الاجتماعية والاقتصادية. إدارة التدفقات البشرية وتشغيل آليات المساعدات سيواجهان تحديات لوجستية وسياسية كبرى، خصوصًا إذا امتدت الأعمال القتالية إلى مناطق كثيفة السكان.

خطر استمرار الفوضى بعد انتهاء العمليات العسكرية

حتى بعد توقف الصواريخ والقصف، تبقى الآثار والتبعات سيدة المشهد. انهيار مؤسسات، شبكات تهريب أقوى، جماعات محلية تفرض نفوذها، وأسواق سوداء تزدهر. التاريخ الحديث في المنطقة يظهر أن الفوضى البنيوية قد تستمر سنوات بعد انتهاء هذا النوع من المواجهات، حيث سيرافقها تكلفة سياسية وإنسانية واجتماعية لا يمكن إحصاؤها.

خلاصة

لن تكون الحرب بين الولايات المتحدة وإيران حدثًا جغرافيًا محصورًا عابرًا؛ بل عامل مؤثر يعيد رسم موازين القوة المحلية والإقليمية والدولية. السيناريو الأكثر احتمالًا هو امتداد الصراع عبر وكلاء ونواقل اقتصادية واستراتيجية، مع أثر مركب على الحياة اليومية والاقتصاد والسياسة في دول عدة. تجنّب هذا المسار —بالدبلوماسية والتهدئة المدروسة— يبقى المخرج الوحيد الأقل تكلفةً للبشر والأنظمة على حد سواء. في كل الأحوال، ما يقرر شكل المستقبل ليس فقط ضربات الطائرات أو الصواريخ، بل قدرة المجتمع الدولي والإقليمي على ضبط الحدود بين الرد المشروع والتصعيد الذي لا عودة عنه.

اقرأ المزيد

ما الدول العربية التي تعارض الهجوم الأمريكي على إيران؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى