بعد إنفاق ملايين الدولارات.. هل تنجح إيران في فرض الإنترنت الداخلي واستبدال الشبكة الدولية؟
يعود أحد أسباب التركيز المكثف على الإنترنت الوطني إلى ضغط التيار السياسي الراديكالي الساعي إلى أدوات تعزز التحكم في المحتوى والوصول إلى المعلومات داخلياً.

ميدل ايست نيوز: تحوّل مشروع «الشبكة الوطنية للمعلومات» المعروف بالإنترنت الوطني منذ سنوات إلى أحد المطالب الرئيسية للتيار السياسي الراديكالي في إيران، في وقت أدخلت فيه الحكومة هذا المشروع تحت شعار «حماية وتطوير البنية التحتية الداخلية»، لكنها تواجه الآن أرقاماً وبيانات اقتصادية واجتماعية ثقيلة تشير إلى أن إنفاق هذا الحجم من الموارد المالية لم يحقق عملياً العائد المطلوب.
وأفاد تقرير تحليلي نشره موقع زوميت بأن الحكومة الإيرانية خصصت هذا العام نحو 17 تريليون تومان أي «103.7 مليون دولار» لتطوير البنية التحتية وحماية المحتوى في الشبكة الوطنية للمعلومات. وشهد هذا الرقم قفزة ملحوظة مقارنة بالعام الماضي، إذ ارتفع من «8.2 تريليون تومان في 2023» إلى «16.8 تريليون في 2025»، مع توقع أن يصل إلى «23 تريليون تومان في 2026».
وتكشف الأرقام حقيقة مهمة مفادها أن موارد مالية ضخمة تُنفق على مشروع يهدف أساساً إلى «إمكانية استبدال الإنترنت الدولي بشبكة داخلية»، غير أن السؤال يبقى حول مدى توافق هذا الاستثمار مع احتياجات المجتمع الإيراني وواقعه، إذ تظهر مراجعة الأداء وردود الفعل العملية أن الإجابة ليست إيجابية.
استخدام واسع لبرامج كسر الحجب (VPN)
أظهرت بيانات رسمية أنه رغم التكاليف الباهظة يستخدم أكثر من 80% من الإيرانيين برامج كسر الحجب لتخطي القيود المفروضة على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يشكل تحذيراً جدياً لصانعي القرار في إيران، إذ يدل على أن الشبكة الوطنية للمعلومات لم تتمكن بعد من كسب ثقة المستخدمين ورضاهم. وحتى مع إنفاق مليارات التومانات على البنية التحتية والمحتوى المحلي، يفضّل المستخدمون الاستفادة من الإنترنت العالمي.
ويحمل الاستخدام الواسع لبرامج كسر الحجب آثاراً اقتصادية واجتماعية مهمة؛ فعندما يتجاوز معظم الناس مسارات الوصول الرسمية إلى الإنترنت، لا يحقق الاستثمار في المحتوى المحلي والبنية التحتية الوطنية عائداً اقتصادياً حقيقياً، ما يعني أن جزءاً من الموارد المالية يُنفق على برنامج لا يستخدمه المواطنون فعلياً أو لا يرغبون في استخدامه.
خسائر اقتصادية واجتماعية وإصرار على مشروع الإنترنت الوطني
قدّرت غرفة تجارة إيران الخسائر الناتجة عن انقطاع الإنترنت بأكثر من 36 مليون دولار يومياً، وهو رقم يقتصر على الخسائر الاقتصادية المباشرة ولا يشمل الآثار الاجتماعية والثقافية. وتؤثر الانقطاعات والقيود على نشاط الشركات والتجارة الدولية والخدمات الإلكترونية وحتى التعليم والبحث العلمي.
تطرح هذه البيانات سؤالاً أساسياً حول جدوى تخصيص موارد ضخمة للشبكة الوطنية للمعلومات في ظل محدودية نتائجها الملموسة على مستوى المجتمع. فحين تتجاوز الكلفة الاقتصادية اليومية لقيود الإنترنت 36 مليون دولار، يبدو إنفاق هذا الحجم من الميزانية على شبكة إنترنت داخلية يستخدم معظم الإيرانيين للوصول إليها برامج كسر الحجب نوعاً من هدر الموارد.
ويعود أحد أسباب التركيز المكثف على الإنترنت الوطني إلى ضغط التيار السياسي الراديكالي الساعي إلى أدوات تعزز التحكم في المحتوى والوصول إلى المعلومات داخلياً. غير أن تجربة العقدين الماضيين أظهرت أن مشاريع مشابهة، إذا لم تتوافق مع احتياجات المستخدمين والسوق الفعلية، تواجه مقاومة اجتماعية واتجاهاً نحو حلول بديلة.
وقد يكون تطوير البنية التحتية والمحتوى المحليين هدفاً إيجابياً، لكنه يصبح فعالاً فقط عندما يتوافق مع الاحتياجات الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية للمجتمع. أما التركيز على استبدال الإنترنت الدولي وتقييد الوصول دون مراعاة سلوك المستخدمين الحقيقي فيؤدي إلى تكاليف مالية واجتماعية كبيرة.
وقد تترك هذه الاستثمارات آثاراً سلبية طويلة الأمد على ثقة الجمهور بالحكومة وسياسات تكنولوجيا المعلومات. فعندما يشعر المستخدمون بأن القيود لا تحقق فوائد ملموسة، يسعون دائماً إلى إيجاد بدائل، ما قد يؤدي إلى فقدان الثقة وإضعاف كفاءة الاستثمارات المستقبلية.
وفي ضوء هذه الأرقام والوقائع، يبرز السؤال الأساسي: هل يعد تخصيص ميزانية تتجاوز 100 مليون دولار لعام 2025 والتخطيط لميزانية تتجاوز 125 مليون دولار في 2026 لمشروع يستخدم أكثر من 80% من المواطنين برامج كسر الحجب فيه قراراً منطقياً؟ وهل ينبغي إعادة ترتيب الأولويات نحو مشاريع تحقق عائداً فعلياً مثل توسيع الوصول الحر إلى الإنترنت وتحسين جودة الخدمات أو تعزيز التعليم الرقمي؟
ويؤدي استمرار هذا المسار من دون مراجعة جدية إلى هدر الموارد المالية للدولة وتعميق الفجوة بين السياسات العامة واحتياجات الناس الفعلية.


