مخاوف خليجية متزايدة من تداعيات هجوم أميركي على إيران.. ما هو السبب؟

تعيش حلفاء الولايات المتحدة في الخليج حالة من الخوف الشديد من التصعيد، ويسعون عبر قنوات دبلوماسية مكثفة للضغط على واشنطن من أجل وقفه

ميدل ايست نيوز: مع تزايد المؤشرات على أن هجومًا أميركيًا على إيران بات وشيكًا، تعيش حلفاء الولايات المتحدة في الخليج — وهم الدول نفسها التي تستضيف القواعد الأميركية وتترقّب بقلق ردًا إيرانيًا محتملًا — حالة من الخوف الشديد من التصعيد، ويسعون عبر قنوات دبلوماسية مكثفة للضغط على واشنطن من أجل وقفه.

حجم الحشد العسكري الأميركي لافت بالفعل. فبحسب ما أوردته كيلي فلاهوس من موقع «ريسبونسبل ستايتكرافت»، يوجد ما لا يقل عن 108 طائرات تزويد بالوقود جوًا في مسرح عمليات القيادة المركزية الأميركية أو في طريقها إليه. ويقدّر ضباط عسكريون أن الضربات قد تقع «في أي لحظة». وتشير هذه الاستعدادات إلى أن العملية ليست وشيكة فحسب، بل قد تكون أيضًا أوسع نطاقًا وأكثر استدامة من مجرد ضربة محدودة على مواقع نووية إيرانية كما حدث في يونيو الماضي.

وتسود أوساط المراقبين الإقليميين أجواء تشاؤم متزايدة؛ فبحسب تقديراتهم، ومع هذا المستوى من الحشد، لا يملك الرئيس الأميركي دونالد ترامب مخرجًا يحفظ ماء الوجه للتراجع عن الضربات، بعد أن أوصل نفسه — بلا ضرورة — إلى هذا المأزق.

في المقابل، وبينما ينشغل المخططون العسكريون الأميركيون بقوائم الأهداف، لا ترى العراق ودول مجلس التعاون الخليجي سوى المخاطر.

وقالت آنا جاكوبس خلف، المحللة المتخصصة في شؤون الخليج والباحثة غير المقيمة في معهد دول الخليج العربية، في حديث سابق للجزيرة: «قد يرغبون في رؤية القيادة الإيرانية أضعف، لكن الجميع أكثر قلقًا من سيناريو الفوضى وعدم اليقين، واحتمال وصول قوى أكثر تطرفًا إلى السلطة هناك».

ومنذ يناير، دخلت السعودية وقطر وسلطنة عُمان، إلى جانب تركيا ومصر، في تحركات دبلوماسية مكثفة لإبعاد واشنطن وطهران عن حافة المواجهة. ولا يعود ذلك إلى تعاطف مع إيران، بل إلى إدراك هذه الدول أنها ستكون في الصفوف الأمامية لأي رد إيراني، وما قد يليه في حال انهيار النظام.

ويشير المحلل الإقليمي غاليب دالاي إلى أن إسرائيل، بصفتها قوة صاعدة في المنطقة، ستكون المستفيد الأكبر من انهيار النظام الإيراني، فضلًا عن التداعيات الاقتصادية والأمنية المحتملة. وكتب دالاي في تحليل لمؤسسة تشاتام هاوس هذا الأسبوع: «تراجعت قوة إيران وطموحاتها الإقليمية، وتضاءلت احتمالات قيام نظام إقليمي يتمحور حولها. وبالنسبة لقادة الشرق الأوسط، تغيّرت طبيعة التهديدات؛ إذ بات الخطر الأكبر يتمثل في إسرائيل توسعية وعدوانية، وفي فوضى دولة إيرانية منهارة محتملة».

وأدلى بدر السيف، الأستاذ المساعد في جامعة الكويت، بتصريحات مماثلة لصحيفة نيويورك تايمز، قائلًا إن «قصف إيران يتعارض مع حسابات ومصالح دول الخليج العربية. إن تحييد النظام الحالي، سواء عبر تغيير النظام أو إعادة تشكيل القيادة من الداخل، قد يؤدي إلى هيمنة غير مسبوقة لإسرائيل، وهو ما لا يخدم دول الخليج».

أما في العراق ذي الغالبية الشيعية، فتلوح مخاطر الاضطراب السياسي والاجتماعي. فبعد عقود من الاضطرابات منذ الغزو الأميركي عام 2003، لا يزال العراق يكافح لبناء نظام سياسي مستقر وحكومة متماسكة، وتسعى بغداد جاهدًا إلى النأي بنفسها عن هذه المواجهة.

وقال خبير مطّلع بعمق على السياسة العراقية لموقع «ريسبونسبل ستايتكرافت»، طالبًا عدم الكشف عن هويته، إن فصائل شيعية متشددة صغيرة مثل «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» قد تشعر بأنها مضطرة لمهاجمة القوات الأميركية في المنطقة دفاعًا عن طهران. لكنه أضاف أن القوى السياسية الشيعية الرئيسية، ضمن «الإطار التنسيقي»، بما في ذلك ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي وتحالف الفتح بقيادة هادي العامري، ترى في اندلاع صراع أميركي–إيراني على الأراضي العراقية تهديدًا وجوديًا لسيادة البلاد الهشّة.

وطهران بدورها حريصة على إبقاء العراق خارج ساحة الصراع؛ فهي تحتاج، في معركتها من أجل البقاء، إلى جار مستقر وشريك تجاري قادر على استيراد الكهرباء الإيرانية، لا إلى دولة تغرق مجددًا في الفشل والفوضى.

وتتعدد أوجه الخطر على الخليج. أولها التهديد العسكري المباشر؛ إذ أكدت إيران مرارًا أن القواعد الأميركية في المنطقة أهداف مشروعة. ولا تزال ضربة يونيو 2025 على قاعدة العديد الجوية في قطر — التي أعقبت الضربات الأميركية خلال حرب الأيام الاثني عشر، من دون وقوع ضحايا — حاضرة بقوة في ذاكرة قادة الخليج. وأي حملة جديدة وممتدة قد تعرّض منشآت في قطر والإمارات والسعودية والبحرين لهجمات بصواريخ أو طائرات مسيّرة إيرانية. وتشير تصريحات لمسؤولين إيرانيين، بينهم علي شمخاني، المستشار البارز للمرشد الأعلى علي خامنئي، إلى أن الرد هذه المرة سيكون أشد بكثير من الضربة الرمزية على قاعدة العديد.

وليس هذا التهديد افتراضيًا؛ فقد تعرّضت منشآت نفطية سعودية لشلل جراء ضربة إيرانية عام 2019، ما أثبت قدرة طهران على استهداف البنية التحتية الخليجية. وفي حرب تُعد وجودية للنظام الإيراني، ومع شعور طهران بأنها لا تملك ما تخسره، ستزداد الدوافع لضرب الدول التي تستضيف قواعد أميركية.

وحتى إذا نجت دول الخليج من ضربات مباشرة، فإن التداعيات الأخرى ستكون مدمّرة؛ إذ تسعى هذه الدول إلى تنويع اقتصاداتها وجذب الاستثمارات والمواهب، بينما سيؤدي شبح حرب إقليمية إلى هروب رأس المال والأفراد.

كما تبرز مخاوف من أزمة لجوء محتملة؛ فميناء بندر عباس الإيراني لا يبعد سوى رحلة بحرية قصيرة عن دبي، وأي صراع يدمّر الاقتصاد الإيراني أو يطلق انهيارًا داخليًا قد يدفع آلاف النازحين لعبور المياه نحو الإمارات.

يضاف إلى ذلك خطر كابوس اقتصادي عالمي. فقد حذّرت طهران صراحة من أن جميع الخيارات مطروحة في حال اندلاع الحرب، بما في ذلك إغلاق أو تلغيم مضيق هرمز. ورغم أن الإغلاق الكامل غير مرجّح لأنه سيضر بصادرات إيران النفطية إلى الصين، فإن بحرية الحرس الثوري قد تتجه إلى «إغلاق ذكي» يستهدف ناقلات مرتبطة بالغرب، مع السماح بمرور الشحنات المتجهة إلى الصين، على غرار أسلوب الحوثيين في البحر الأحمر.

ويمر عبر المضيق نحو خُمس نفط العالم. وكما حدث مع حصار الحوثيين للبحر الأحمر، فإن مجرد التهديد سيؤدي إلى ارتفاع حاد في أقساط التأمين وأسعار النفط عالميًا، ما ينعش شبح التضخم. وستكون أي ضربات لمنشآت نفطية مدنية تهدف إلى رفع الأسعار والفوائد بمثابة ضربة مباشرة لتعهدات ترامب الاقتصادية للأميركيين في عام الانتخابات النصفية.

وفي المحصلة، هناك خطر متزايد من أن يؤدي هجوم أميركي إلى دفع إيران للتخلي عن عقيدتها النووية المعلنة ذات الطابع المدني، والتوجه نحو التسليح النووي — وهو نقيض الهدف المعلن للحرب. ودون احتلال كامل للبلاد من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل — وهو سيناريو غير واقعي — لا توجد عوائق مادية تمنع اندفاعًا نحو القنبلة، إذا اتُخذ قرار سياسي بذلك، خاصة في حال تعرّض المرشد الأعلى للعجز.

وسيضع ذلك دول مجلس التعاون في أسوأ سيناريو ممكن: التعايش مع إيران انتقامية ومراجِعة وربما نووية. وسيجبر ذلك، على وجه الخصوص، السعودية والإمارات على السعي لامتلاك ردع نووي خاص، ما يزج بالمنطقة في سباق تسلح خطير ومزعزع للاستقرار.

هذا الخوف العميق من زعزعة الاستقرار يفسر سبب إعلان ولي العهد السعودي والحاكم الفعلي محمد بن سلمان رفضه العلني لاستخدام الأجواء السعودية في أي هجوم على إيران. وتتخذ الإمارات الموقف نفسه، إذ دعا أنور قرقاش، المستشار البارز لرئيس الدولة، إلى «حل دبلوماسي طويل الأمد بين واشنطن وطهران».

ورغم هذه المخاطر الواضحة، تبدو مقاربة إدارة ترامب محيّرة؛ فحتى مع تقديم إيران تنازلات جدية في الملف النووي — مثل تعليق التخصيب — وحوافز اقتصادية خلال الجولة الأخيرة من محادثات جنيف، يبدو أن ترامب يسعى إلى استسلام شامل من طهران، لا يقتصر على النووي فحسب، بل يشمل أيضًا الصواريخ الباليستية، وهو خط أحمر مطلق بالنسبة لإيران.

وفي الأثناء، يتسارع الحشد العسكري، ما يثير قلقًا بالغًا في الرياض وأبوظبي والدوحة ومسقط وبغداد وسائر المنطقة. حلفاء أميركا في الخليج لا يهلّلون للحرب؛ بل يسعون بكل ما أوتوا لمنعها. وسيكون من الحكمة أن يصغي ترامب لنصائحهم — لمصلحة بلاده ولمصلحته هو أيضًا.

وكتب دالاي: «إن تداعيات انهيار دولة ما ستتجاوز بكثير ما شهده الشرق الأوسط نتيجة النزاعات في العراق أو سوريا أو اليمن، سواء من حيث عدم الاستقرار أو الهجرة أو التطرف أو انتشار الجماعات المسلحة أو الامتدادات الإقليمية. ويعتقد قادة المنطقة أن على الولايات المتحدة أن تمنح الدبلوماسية الإقليمية فرصة حقيقية؛ فالبديل حرب مدمّرة ودورة كارثية جديدة من الصراع».

 

Eldar Mamedov

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
Responsible Statecraft

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

6 + ثمانية عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى