بيان تنظيم داعش… محاولة تسجيل حضور بالمشهدين السوري والعراقي

مضمون الرسالة الصوتية يظهر أن تنظيم داعش عاد بلغته القديمة بلا أي جديد في طروحاته، القائمة على التوسع بالقتل واستحلال الدماء، منطلقاً من التكفير بصيغة الجمع أو ما يعرف ضمن أدبيات التنظيم بـ"الردة للجماعات".

ميدل ايست نيوز: أعاد تنظيم داعش عبر رسالة صوتية بثتها منصات مرتبطة به على تطبيق تليغرام، مساء أول من أمس السبت، إدراج اسمه في واجهة المشهد الأمني في سورية والعراق، وذلك عبر سلسلة تهديدات بـ”مرحلة جديدة” من العمليات الإرهابية، متوعداً النظام السوري الجديد بوصفه “نظاماً مرتداً”. وهذه الرسالة واحدة من بين بيانات عدة للتنظيم، منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024، التي يتبنى فيها فتوى دينية ضمن سياق الدعوة إلى مهاجمة قوات الأمن والأجهزة السورية.

كذلك فهي الرسالة الأولى للناطق باسم التنظيم أبو حذيفة الأنصاري، الرابع في هذا المنصب منذ عام 2014، بعد مقتل كل من أبو محمد العدناني، وأبو الحسن المهاجر، وأبو حمزة القرشي. ويظهر أن أبو حذيفة يحمل لكنة عراقية واضحة، تُقرأ على أنها محاولة لإعادة تسجيل حضور بالمشهدين، السوري والعراقي، بعد سنوات من خسارة السيطرة الميدانية، وتلاشي قدرات التجنيد والإقناع بشكل كبير داخل الحواضن التي ظل التنظيم يزعم أنه مدافع عنها. الكلمة الصوتية بثتها “مؤسسة الفرقان”، الذراع الإعلامية الرئيسة لـ”داعش” التي اختفت فعلياً عن المشهد منذ نحو عامين، لكنها عادت مساء السبت في خطوة لافتة، عبر الكلمة الصوتية للمتحدث باسم التنظيم، الذي استهل حديثه بنقل رسالة زعيم التنظيم الحالي المدعو أبو حفص القرشي إلى عناصره، بـ”اغتنام” شهر رمضان في تنفيذ عمليات مسلحة “على الثغور”.

تنظيم داعش يهاجم الرئيس السوري

وهاجم أبو حذيفة الأنصاري الرئيس السوري أحمد الشرع، عبر مصطلحات دينية مثل “الناكث المرتد”، و”الطاغوت الجديد”، مدعياً أن ما جرى في سورية استبدال نظام سوري موالٍ لروسيا وإيران، بنظام موالٍ لتركيا والولايات المتحدة. وقال إن “النظام السوري الجديد بحكومته العلمانية وجيشه القومي كفرة مرتدون، وليس أوجب بعد الإيمان من قتالهم لتخليص الشام من براثنهم… وعلى أجناد الشام السعي الحثيث لقتالهم”. كذلك تناول سنوات المواجهات المسلحة بين تنظيم داعش وجبهة النصرة، ومن بعدها هيئة تحرير الشام، بالقول إن خلافهم “مع الجبهات والهيئات”، خلاف بين الشريعة السماوية والقوانين الوضعية، واصفاً عملية “ردع العدوان”، التي انتهت بسقوط نظام بشار الأسد، بأنها “مسرحية”، وأن الولايات المتحدة تحرك المشهد “من أمام الستار”.

ووجه أبو حذيفة الأنصاري دعوات مباشرة لعناصر التنظيم بتنفيذ عمليات ضد قوات الأمن والجيش السوري الذي وصفه بالجيش “الكافر”، واعتبر “ساحات الشام والرافدين (العراق) ما زالت مفتوحة أمام المجاهدين”، متوعداً بأن “السنوات الماضية لم تُنهِ المعركة، بل غيّرت شكلها”. وفي إشارة يُفهم منها أنها مرتبطة بالانسحاب الأميركي الأخير من عدة قواعد في سورية والعراق، وانحسار سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد” على الجزيرة السورية، والتحولات التي فرضها العدوان الإسرائيلي على إيران ولبنان، قال إن “ما يجري من تحولات سياسية وأمنية في سورية والعراق يمثل فرصة (للتنظيم) لإعادة ترتيب الصفوف”، في إشارة واضحة إلى سعيه لاستثمار أي فراغ أو اضطراب أمني.

ودعا المتحدث باسم “داعش” عناصر التنظيم في العراق وسورية إلى “تكثيف العمل” ضد القوات الأمنية “وكل من يساندها”، وهي إشارة يفهمها العراقيون أكثر من غيرهم، إذ ارتكب التنظيم سلسلة جرائم قتل واسعة طاولت مئات المدنيين في هيت والفلوجة والموصل وتلعفر وتكريت، تحت مزاعم قائمة على تهمة مساندة القوات الأمنية. وركّز على “العمليات الخاطفة في الأطراف والبوادي”، واصفاً المرحلة المقبلة بأنها “مرحلة إنهاك واستنزاف لا مواجهة تقليدية”. وفي ما يتعلق بالعراق، اعتبر أبو حذيفة الأنصاري أن الرهان بالقضاء النهائي على التنظيم “وهم”، متطرقاً إلى جبهات ودول أخرى ينشط التنظيم فيها مثل الصومال وأفغانستان وباكستان، بوصفها جبهات للقتال المستمر. وختم كلمته بالتأكيد أن “القيادة تتبدل لكن الطريق واحد”، في إشارة إلى مقتل واعتقال غالبية قيادات الصف الأول والثاني في التنظيم خلال السنوات الماضية.

وجاءت هذه الكلمة بالتزامن مع إعلان التنظيم في بيان أول من أمس، مسؤوليته عن هجومين استهدفا أفراداً من الجيش السوري في شمال سورية وشرقها. وقال وفق وكالة أنباء دابق التابعة له إنه استهدف “فرداً من النظام السوري المرتد” في مدينة الميادين بمحافظة دير الزور باستخدام مسدس، وهاجم اثنين آخرين من أفراد الجيش بالرشاشات في مدينة الرقة، شمالي البلاد. وأفادت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع، أمس الأحد، لـ”الإخبارية السورية”، بأن “أحد عناصر الجيش العربي السوري تعرض لعملية استهداف من مجهولين في قرية الواسطة بريف الرقة الشمالي، ما أدى إلى استشهاده مع أحد المدنيين”، فيما ذكر مصدر عسكري لـ”رويترز” أن الجندي ينتمي إلى الفرقة 42 في الجيش. وتأتي هذه الحوادث الأخيرة بعد يومين من إعلان التنظيم مسؤوليته عن هجوم آخر في دير الزور أدى إلى مقتل أحد أفراد قوات الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية وإصابة آخر. وبحسب إحصاء “رويترز”، نفذ تنظيم داعش ست هجمات على أهداف تابعة للحكومة السورية منذ سقوط الأسد.

مرحلة ما بعد أبو بكر البغدادي

ومنذ مصرع زعيم التنظيم ومؤسسه إبراهيم عواد البدري الملقب بأبو بكر البغدادي، في أكتوبر/تشرين الأول 2019، دخل التنظيم مرحلة مختلفة جذرياً، إذ لم يعد يمتلك الأرض ولا القيادة العلنية، ولا حتى القدرة على تأسيس خلايا أو تشغيل ماكينة التجنيد، مع خطاب متكرر قائم على الكراهية والتكفير واستباحة الأرواح. وتحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى بنية سرّية تتبدل قياداتها بسرعة تحت ضغط الضربات الاستخبارية والعسكرية.

ويعتبر البغدادي الزعيم الوحيد المعروف، إذ تولى كل من أبو إبراهيم الهاشمي قيادة التنظيم، وبعد مقتله في مارس/ آذار عام 2022، تولى أبو الحسن القرشي، الذي لقي مصرعه بعملية أميركية بعد عدة أشهر من إعلان توليه رئاسة التنظيم بالعام ذاته. ثم خلفه أبو الحسين القرشي الهاشمي الذي قتل في أغسطس/ آب 2023، شمالي سورية، وأخيراً الزعيم الحالي، أبو حفص القرشي، الذي ينضم إلى سلسلة زعامات هلامية غير معروفة، وتستخدم أسماءً حركية، أضعفت من خطاب التنظيم وتأثيره حتى على مستوى المتطرفين أو المتبنين لطروحاته. الزعيم الخامس للتنظيم (أبو حفص القرشي)، على غرار باقي قيادات التنظيم بمرحلة ما بعد أبو بكر البغدادي، لم يظهر في تسجيل مصوّر ولم تصدر عنه خطابات علنية، ما يعكس انتقال التنظيم من نموذج القيادة الظاهرة إلى نموذج “القيادة في الظل”، وهو ما يُساهم في إضعافه كثيراً على مختلف المستويات.

مضمون الرسالة الصوتية يظهر أن تنظيم داعش عاد بلغته القديمة بلا أي جديد في طروحاته، القائمة على التوسع بالقتل واستحلال الدماء، منطلقاً من التكفير بصيغة الجمع أو ما يعرف ضمن أدبيات التنظيم بـ”الردة للجماعات”، و”المرتدين والمتعاونين”، لكنه جاء بسياق جديد مختلف تماماً، ركّز على فكرة الخلايا والهجمات المسلحة التي تنفذها ضمن أطراف المدن والمناطق النائية، وهو إقرار بتلاشي وجوده في مراكز المدن والمحافظات الرئيسة. من ناحية عملياته، لا يملك تنظيم داعش القدرة في العراق، لكن وضعه في سورية قد يكون مختلفاً تماماً، إذ ما زالت خلاياه نشطة بصيغ مختلفة، خصوصاً في مناطق الجزيرة السورية بالرقة ودير الزور، والأهم بادية حمص التي يُعتقد أن له فيها خلايا عديدة هناك.

استثمار الفوضى

في هذا الصدد قال الخبير الأمني والعميد المتقاعد في وزارة الداخلية العراقية، أحمد ناجي العباسي، إن بيان التنظيم “لا تأثير له على مستوى العراق، وفرص تشكيله خطراً على المشهد الأمني العراقي ضعيفة جداً أو معدومة”. لكنه أشار في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أن التنظيم “معروف بأنه يجيد استثمار الفوضى والاضطرابات، والأزمات السياسية، لذا يجب الإبقاء عليه ملفاً مفتوحاً ومراقباً من العراق”.

من جانب آخر، رأى أن “الجانب السوري، يُخشى عليه أن يدخل في مرحلة استنزاف عبر هجمات خاطفة ينفذها (التنظيم) بين وقت وآخر، تستهدف قوات الأمن بالمجمل”، موضحاً أن “المخاوف ترتفع في ملف استغلال أوراق سورية حساسة بالداخل، مثل استهداف دور العبادة كالكنائس والحسينيات والمراقد الدينية، ودور عبادة أخرى للأقليات وغيرها”. وهنا، وفق العباسي، “يجب على الحكومة السورية أن تكون واعية ومستنفرة في منع ذلك عبر عمليات استباقية”.

محدودية التنظيم في التجنيد وضعف قدرته على الوصول إلى السلاح الثقيل، والأهم استحالة عودة مرحلة سيطرته المكانية على بقع جغرافية في سورية، اعتبرها الباحث السياسي، علي الساعدي، أنها أوراق مهمة بيد سورية والعراق على حد سواء. وأضاف الساعدي، وهو باحث في الجماعات الإرهابية والمتطرفة بجامعة بغداد، لـ”العربي الجديد”، أنه “ليس أمام بغداد ودمشق إلا التعاون أمنياً في ما بينهم وتناسي أي خلافات أخرى، لضمان مواجهة ناجحة لبقايا التنظيم”، معتبراً وجود “عدو مشترك” بين البلدين مهماً في مسألة إنشاء غرفة عمليات أمنية واستخبارية بينهما.

وتساءل الساعدي: “هل يملك التنظيم القدرة على تنفيذ تهديده الجديد؟”، موضحاً أن “هذا هو السؤال الذي يجب أن تجيب عنه أجهزة الأمن في سورية والعراق”. لكن بالمجمل، قال إنه في ظل “خلايا صغيرة مبعثرة ومقطوعة التواصل عن بعضها، وتمويل قائم على الابتزاز وديات الخطف والتهريب، وبلا قيادة مركزية معروفة، ولا حاضنة اجتماعية مؤيدة أو مستجيبة، عكس ما كان عليه قبل نحو 10 سنوات، فيمكن القول إن البيان والدعوة، عبارة عن خطاب ضخم من جسد مريض وضعيف”. رغم ذلك، فإن الخوف والقلق، وفق الساعدي، ليس من “نسخة دولة داعش، بل من عصابات تزعج الأمن بعمليات إرهابية بين وقت وآخر، ومتمكنة من خلق الفتن الطائفية وصناعتها”، واصفاً خطاب تنظيم داعش الأخير، بأنه “محاولة إعادة إنتاج صورة البقاء لتنظيم لم يعد يملك الأرض ولا المجتمع”.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر + 9 =

زر الذهاب إلى الأعلى