إيداع الخرائط البحرية: ورقة تفاوض عراقية تُعيد فتح ملف الحدود مع الكويت

أثار إيداع العراق خرائط حدوده البحرية لدى الأمم المتحدة جدلاً دبلوماسياً مع الكويت، في خطوة وصفها مراقبون بأنها إعلان رسمي للمطالب العراقية أكثر من كونها اعترافاً دولياً جديداً بها.

ميدل ايست نيوز: أثار إيداع العراق خرائط حدوده البحرية لدى الأمم المتحدة جدلاً دبلوماسياً مع الكويت، في خطوة وصفها مراقبون بأنها إعلان رسمي للمطالب العراقية أكثر من كونها اعترافاً دولياً جديداً بها. وفيما اعتُبرت الخطوة دعماً قانونياً لموقف بغداد التفاوضي، شدد خبراء على أن ترسيم الحدود ما يزال محكوماً بقرارات مجلس الأمن ولا يُعدّل إلا بتوافق ثنائي أو عبر التحكيم الدولي، وفي المقابل، عُدّ التصعيد الكويتي واستدعاء السفير مؤشراً على مرحلة تفاوضية جديدة قد تعيد الملف إلى طاولة الأمم المتحدة أو القضاء الدولي.

ويقول الباحث زياد الهاشمي، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، إن “إيداع خرائط ترسيم الحدود البحرية العراقية لدى الأمم المتحدة، هو بمثابة إعلان رسمي عراقي وليس اعترافاً دولياً جديداً بحدود العراق البحرية والتقسيمات التي يطالب بها، فما قدمه العراق لا يعني أن الخرائط العراقية قد حصلت على موافقة وتصديق أممي بمطالبات العراق البحرية حسب قانون البحار (UNCLOS)، بل هي عبارة عن إبلاغ عراقي للأمم المتحدة والمكاتب المعنية، بالتحديثات أو التثبيتات في الحدود البحرية والمناطق الاقتصادية كما يريدها العراق”.

ويُذكّر الهاشمي، بأن “الحدود البحرية محكومة بقرار مجلس الأمن رقم 833 لسنة 1993 والذي رسّم الحدود البحرية للعراق مع الكويت بشكل نهائي، وهذا الترسيم غير قابل للتعديل بخرائط جانبية جديدة دون توافق وقبول من كل الدول المعنية”.

ويكمل أنه “في حال تقديم دول أخرى لخرائط مقابلة أو اعتراضات على الخرائط العراقية، حينها ستتم العودة لما تم تحديده حسب قرار مجلس الأمن مع وجود فرص للتفاوض أو اللجوء للتحكيم الدولي لفض النزاعات”.

مع ذلك، يرى الهاشمي، أن “تحديد العراق لحدوده البحرية والمناطق الاقتصادية المرتبطة بها، تعتبر خطوة مهمة تساعد باقي الدول والمجتمع الدولي لمعرفة ماذا يريد العراق بالضبط، وعلى أي شي يمكن التفاوض معه أو الاعتراض عليه مستقبلاً”.

ويشير إلى أن “ترسيم الحدود البحرية العراقية ومنطقته الاقتصادية، ملف شائك تاريخياً، ويحتاج لعمل جاد وطريق مفاوضات طويل قد لا ينتهي بنتائج تلبي رغبات الكثير من المواطنين العراقيين، لكنها تعتبر نتائج متوقعة ومعبرة في الوقت نفسه، فالعراق ليس في أفضل حالاته وهناك تراجع في القيمة الجيوسياسية وتضاؤل في التأثير والفاعلية الإقليمية والدولية للبلاد”.

وعن الموقف الدبلوماسي الكويتي، واستدعاء السفير العراقي، فإن الهاشمي يلفت إلى أنه “موقف متوقع كرد فعل على تقديم العراق لخرائط بحرية محدثّة، وقد تكون هذه بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين العراق والكويت قد تجبر الطرفين لمزيد من المفاوضات أو حتى اللجوء للتحكيم الدولي”.

وأودع العراق مؤخراً خريطة المجالات البحرية الخاصة به، مع الإحداثيات الدقيقة كافة، لدى الأمم المتحدة، في خطوة تهدف إلى تعزيز حقوق البلاد البحرية وتقوية موقفها التفاوضي في القضايا المرتبطة بالحدود البحرية، ووفقا لمدير عام الشركة العامة لموانئ العراق، فرحان الفرطوسي، فإن الخريطة أودعت رسمياً في 18 من شباط فبراير الجاري، بعد جهود فنية مستمرة شاركت فيها لجان عراقية متعددة امتدت على مدى فترة طويلة.

وأشار الفرطوسي، إلى أن هذه الخطوة تدعم العراق قانونياً وفنياً في أي نقاشات دولية تتعلق بترسيم الحدود البحرية، ولاسيما فيما يخص ملف خور عبد الله بعد الدعامة 162، وهو ما يعزّز قدرة العراق على حماية حقوقه البحرية على المستوى الدولي.

لكن هذه الخطوة سرعان ما أثارت دولة الكويت، إذ أعلنت وزارة الخارجية الكويتية أمس عن استدعاء القائم بأعمال سفارة جمهورية العراق لدى الكويت، زيد نشوان، لتسليمه مذكرة احتجاج رسمية بخصوص إيداع العراق قوائم إحداثيات خط الأساس للبحر الإقليمي والمناطق البحرية وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وذكرت الوزارة أن هذه الخطوة جاءت نتيجة لما تضمنته إحداثيات العراق من ادعاءات تمس سيادة الكويت على مناطقها البحرية، بما في ذلك مرتفعات مثل فشت العيج وقاروه، التي لم يكن هناك أي نزاع حول سيادتها.

من جهته، يؤكد الرئيس السابق للجنة ترسيم الحدود، جمال الحلبوسي، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن “الإحداثيات التي أودعها العراق لدى الأمم المتحدة تستند إلى منظومة متكاملة تشمل خط الأساس والبحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة والمنطقة الاقتصادية الخالصة، وتمثل الخريطة البحرية المعتمدة رسمياً من قبل العراق بجميع تفاصيلها الفنية، وهذه الإحداثيات دقيقة ومثبتة، وستتأكد صحتها عند أي تدقيق أممي أو مراجعة قانونية دولية”.

ويشير الحلبوسي، إلى أن “إعداد هذه الخرائط لم يكن عملاً آنياً، بل ثمرة جهود فنية امتدت لسنوات طويلة، عبر لجان متخصصة من بينها لجنة الأمر الديواني 123 التي باشرت عملها منذ سنوات”، مؤكداً أن “الملف أُنجز بجهد تقني بحت، ومن دون تدخل مسؤولين سياسيين أو وزراء أو نواب، وأن الطابع الفني هو الذي حكم جميع مراحله، حتى في ظل وجود مواقف قانونية سابقة لم تكن منسجمة مع توجهات اللجنة”.

وبشأن ردود الفعل الكويتية، ولا سيما استدعاء السفير العراقي، يقلّل من أهمية الخطوة، بالقول إنها “تندرج ضمن أدوات الضغط الدبلوماسي المتعارف عليها بين الدول”، لافتاً إلى أن “مثل هذه الإجراءات شهدتها حتى دول مجلس التعاون في ما بينها”.

ويدعو الرئيس السابق للجنة ترسيم الحدود، الحكومة العراقية إلى “اتخاذ موقف مماثل عبر استدعاء السفير الكويتي وإبلاغه رسمياً بأن ما جرى يُعد تجاوزاً”، مؤكداً أن العراق يتحرك ضمن أطر قانونية وفنية واضحة لحماية حقوقه البحرية”.

وتُعَدّ اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله، المُبرَمة في العام 2012 بين العراق والكويت، معالجة فنية وإدارية لآثار غزو نظام صدام حسين للكويت عام 1990 وما ترتب عليها من ترسيم الحدود بموجب قرار مجلس الأمن رقم (833) لسنة 1993، إذ أكّدت مادتها السادسة أن الاتفاقية “لا تؤثر على الحدود بين الطرفين في خور عبد الله المقررة بموجب قرار مجلس الأمن رقم (833) لسنة 1993”.

وفي السياق، يرى مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، غازي فيصل، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن “ملف ترسيم الحدود البحرية بين العراق والكويت ظل عالقاً طوال السنوات الماضية بسبب عدم لجوء الطرفين إلى محكمة العدل الدولية لحسم النقاط الخلافية بصورة نهائية”.

ويشير فيصل، إلى أن “إيداع العراق خرائطه البحرية لدى الأمم المتحدة سيترك تأثيراً مباشراً على طبيعة العلاقات الثنائية”، مرجحاً أن “تتأثر دبلوماسياً في المدى القريب، بانتظار ما ستتخذه الأمم المتحدة من إجراءات استناداً إلى قرارات مجلس الأمن الدولي الخاصة بترسيم الحدود بين البلدين”.

ويضيف أن “أي تدقيق أممي قد يحدد ما إذا كانت هناك انتهاكات من الجانب الكويتي، وفي حال ثبوت ذلك فإن الكويت ستكون مطالبة بالالتزام مجدداً بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، أما إذا لم تُسجل مخالفات، فإن العراق بدوره ملزم باحترام وتنفيذ قرارات مجلس الأمن التي سبق أن صادق عليها المجلس الوطني العراقي قبل عام 2003، ما يجعل المسار القانوني الدولي هو الفيصل في إدارة هذا النزاع”.

وصادق مجلس الوزراء على مشروع قانون التصديق في نهاية العام 2012، وأقرّه مجلس النواب بالأغلبية البسيطة بموجب القانون رقم (42) لسنة 2013، ثم نُشر في جريدة الوقائع العراقية بالعدد (4299) بتاريخ 2013/11/25.

من جهته، يرى الخبير القانوني علي التميمي، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن “للعراق حق الذهاب إلى محكمة العدل الدولية للمطالبة بإعادة ترسيم الحدود مع الكويت، وهذا ممكن جدا، خصوصا أن قرارات مجلس الأمن الدولي 678 و833 كانت تحت ظروف الضغط والإكراه وهذا يخالف اتفاقية فينا للعلاقات الدبلوماسية 1969 في المواد من 51 إلى 61”.

ويضيف التميمي، أن “محكمة العدل الدولية حصل وأن نظرت في قضايا مشابهة بين إنكلترا والأرجنتين بنزاع حول جزر الفوكلاند 1982 وقضية قطر والبحرين حول جزر حوار، وحسمت الترسيم الحدودي لصالح قطر”، منوهاً إلى أن “اختصاصات محكمة العدل الدولية والمتألفة من 15 قاضياً، هي النظر في النزاعات على الحدود البرية والبحرية بحسب المادة 36 من نظامها الأساسي المتكون من 70 مادة”.

وأصدرت المحكمة الاتحادية، قرارها المرقم (21/اتحادية/2014) بتاريخ 2014/12/18، فميّزت بين قانون تنظيم عملية المصادقة على المعاهدات، الذي يتطلّب أغلبية الثلثين بموجب المادة (61/رابعا) من الدستور، وبين قانون التصديق على اتفاقية معيّنة، الذي يُقر بالأغلبية البسيطة وفقًا للمادة (59/ثانيًا).

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 + 9 =

زر الذهاب إلى الأعلى