جنيف ولحظة الاختيار الصعب: إيران بين تنفّس الاتفاق وكلفة الانسداد

بغض النظر عن النتائج الفنية،، ينبغي النظر إلى اجتماع الخميس كنقطة يمكن أن تُبنى عليها أرضية توافق وطني.

ميدل ايست نيوز: تعد مفاوضات الخميس اللحظة الحاسمة بالنسبة لإيران؛ إذ تتقاطع فيها الضغوط الاقتصادية وضرورة رفع العقوبات مع الحشد العسكري الأمريكي ومعادلات الصمود الداخلي. تزيد الوساطات الإقليمية من احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يوفّر «تنفسًا استراتيجيًا»، غير أن فشل المحادثات قد يدفع نحو تشديد سياسة الضغط الأقصى وتصاعد التوترات الإقليمية.

وتتجه أنظار الإيرانيين الذين أثقلت الضغوط المعيشية كاهلهم منذ الآن إلى فنادق جنيف الفاخرة، بانتظار الخروج من حالة الغموض القاسية. فمصيرهم بات مرتبطًا بهذه المفاوضات، ونتيجتها قد تضع حدًا لكابوس الحرب وتفتح نافذة أمل لانفراج اقتصادي.

ويتجاوز الاجتماع المرتقب بين ممثلي إيران والولايات المتحدة في جنيف كونه مواجهة سياسية، ليشكل اختبارًا لفعالية الدبلوماسية في معالجة الأزمات المزمنة. وفي ظل بيئة دولية تتأرجح بين التهديدات اللفظية ومتطلبات عقد الصفقات، تقف طهران عند مفترق طرق قد ترسم قراراته مسار التنمية في البلاد لعقد مقبل.

منطق الاتفاق من زاوية المصلحة الوطنية

بعيدًا عن السرديات التبسيطية، فإن الرغبة في التوصل إلى اتفاق لدى الجانبين لا تنبع من حماس، بل من «ضرورة استراتيجية». فبالنسبة لإيران، تفرض الحقائق الاقتصادية والحاجة إلى تحديث البنية التحتية المتقادمة في مجالي الطاقة والنقل، العودة إلى الأسواق العالمية كخيار وطني ملح. وتشير المعطيات إلى أن الفريق الدبلوماسي، إدراكًا منه أن عامل الوقت لا يصب في مصلحة تآكل رأس المال الاجتماعي، يسعى بمرونة محسوبة إلى صيغة ترفع العقوبات الأساسية. وفي المقابل، تدرك واشنطن أن استمرار الجمود لن يؤدي إلا إلى تعزيز التيارات المتشددة وإضعاف أدوات الرقابة التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

في هذا السياق، تعزز أدوار الوسطاء الإقليميين والإشارات الإيجابية من بعض العواصم الأوروبية احتمالات التوصل إلى «تفاهم متوسط الأمد». اتفاق قد لا يكون شاملًا، لكنه قد يتيح متنفسًا ماليًا ويرفع بعض القيود التصديرية، ما يفتح الباب أمام الاستثمار الأجنبي. وبالنسبة للتيار الداعي إلى التنمية والاندماج في الاقتصاد العالمي، تمثل جنيف فرصة لإعادة تعريف موقع إيران في سلاسل القيمة العالمية وتخفيف كلفة المعيشة عن الطبقة الوسطى والفئات الأقل دخلًا.

الواقعية وسط التهديد: كلفة الانسداد والتقلبات المحتملة

مع ذلك، تفرض الواقعية دراسة سيناريو الفشل وتداعياته بدقة. فثقل التيارات المتشددة في الغرب وتحركات بعض الأطراف الإقليمية التي لا تنظر باستحسان إلى استقرار إيران، يجعلان مسار المفاوضات هشًا. وقد يعني الإخفاق أو الخروج بنتيجة غير حاسمة الدخول في مرحلة جديدة من «الضغط الأقصى»، حيث تتقدم الخيارات غير الدبلوماسية إلى الواجهة. أما الحشد العسكري في المنطقة، فحتى لو كان جزءًا من لعبة «الدبلوماسية القسرية»، فإنه يرفع مخاطر سوء التقدير.

داخليًا، سينعكس أي فشل سريعًا على أسواق الصرف والذهب، فيما ستواجه سوق الأسهم موجة جديدة من عدم اليقين قد تؤدي إلى تسارع خروج رؤوس الأموال. لذلك، لا تقل الاستعدادات لإدارة تداعيات الاجتماع أهمية عن المفاوضات نفسها. فإيران لا تستطيع البقاء طويلًا في حالة «لا حرب ولا سلم»، إذ إن استنزاف العقوبات يضعف قدرتها التنافسية مقارنة بجيرانها. وتمثل جنيف فرصة أخيرة لاستبدال منطق الكلفة بمنطق المنفعة في السياسة الخارجية.

تجاوز الاستقطاب لإنقاذ الاقتصاد

بغض النظر عن النتائج الفنية،، ينبغي النظر إلى اجتماع الخميس كنقطة يمكن أن تُبنى عليها أرضية توافق وطني. فالخيارات المطروحة ليست مثالية، بل تدور بين الأقل سوءًا والأكثر كلفة، في ظل الحاجة إلى حماية الاستقرار النقدي والرفاه العام. نجاح جنيف لن يكون انتصارًا لفريق سياسي بعينه، بل خطوة تعيد الأمل إلى مجتمع أنهكته سنوات التوتر. وما بعد جنيف سيعكس قدرة النظام السياسي الإيراني على التكيف مع التحولات الدولية، على أمل أن يتقدم مسار التنمية على منطق المواجهة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنا عشر − 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى