غلق مضيق هرمز وضرب اقتصاد العالم… التهديد الأخطر لحرب إيران
تتجه الأنظار اليوم نحو التهديد الأكبر الذي أعلنه الحرس الثوري الإيراني وهو غلق مضيق هرمز، الذي في حال غلقه لفترة طويلة، ستنهار مؤشرات اقتصادية عديدة، لأنه أحد أهم الممرات البحرية للطاقة والتجارة في العالم.

ميدل ايست نيوز: بعدما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً واسعة لإسقاط النظام في إيران، ونفذت طهران تهديداتها بجعل الحرب شاملة في كل المنطقة، وتبادل الطرفان إطلاق الصواريخ، تتجه الأنظار نحو التهديد الأكبر الذي أعلنه الحرس الثوري الإيراني وهو غلق مضيق هرمز، الذي في حال غلقه لفترة طويلة، ستنهار مؤشرات اقتصادية عديدة، لأنه أحد أهم الممرات البحرية للطاقة والتجارة في العالم.
هذا الممر المائي الضيق، الذي يفصل بين إيران وشبه الجزيرة العربية، وتتمتع طهران بسيطرة على معظمه، هو شريان الحياة للتجارة والطاقة العالمية، إذ يمر عبره يومياً ما يقارب 20–25% من صادرات النفط العالمية أي حوالى 20 مليون برميل، و35% من صادرات الغاز الطبيعي المُسال، ويشهد حركة يومية من السفن التجارية والحاويات، ولا بدائل سريعة أو مكافِئاً بحرياً يمكنها تعويض تدفق هذا الحجم الكبير من النفط والتجارة سريعاً، لذا يُتوقَّع حدوث قفزة في أسعار النفط والسلع، إذ إنّ أي غلق أو انقطاع مؤقت في عمل مضيق هرمز سيُزعزع أسواق الطاقة العالمية ويرفع أسعار السلع والتأمين كثيراً، وهذه هي ورقة الضغط الأقوى التي تمتلكها إيران، إذ يعبر هذا المضيق حوالى ثلث شحنات النفط البحرية العالمية، ما يجعله أهم نقطة اختناق لشحنات الخام، ما يعني أنه ستتضرر دول مثل الصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية وسنغافورة، حال غلق مضيق هرمز بفعل الحرب، لأنه حسب تقديرات الوكالة الدولية للطاقة يذهب 80% من النفط الخارج من المضيق إلى آسيا.
وعرض المضيق 50 كيلومتراً، وعمق المياه فيه 60 متراً، ويستوعب من 20 إلى 30 ناقلة نفط يومياً، وإغلاقه يعني قطع ارتباط الدول المنتجة للخام في الشرق الأوسط بالأسواق الرئيسية في مناطق آسيا والمحيط الهادي، وأوروبا وأميركا الشمالية وغيرها.
لغم بثلاثة دولارات يدمر سفينة بملايين
لهذا السبب، فإن إغلاق المضيق ولو جزئياً بعد القرار الإيراني نتيجة للتصعيد العسكري لن يؤثر على الشحن البحري في الشرق الأوسط فحسب، بل على العالم بأسره، ففي أضيق نقطة فيه، لا يتجاوز عرض الممرات الملاحية ثلاثة كيلومترات، ولأن إيران تدرك خطورة غلقه في شلّ الاقتصاد العالمي واكتساب نفوذ حاسم، يكفيها أن تجعل المضيق غير صالح للعبور، وتخرجه من الخدمة عبر التهديد الصامت للألغام البحرية التي تتراوح تكلفة اللغم الواحد منها بين ثلاثة دولارات و30 دولاراً، ولكن تكلفة الإزالة تتراوح بين 300 وألف دولار. فالألغام البحرية أكثر الأسلحة غير المتكافئة فعالية على الإطلاق، لأنها رخيصة، صامتة، وغير مرئية، ولا تُنذر، ولا تُطارد، بل تنتظر فحسب مرور أي سفينة لتنفجر فيها، وفي التاريخ البحري الحديث، ألحقت الألغام أضراراً بسفن أكثر من الصواريخ أو الطوربيدات، وفي بعض الحالات، أثبتت أنها أكثر حسماً من سنوات من القصف المكثف. وخير مثال على ذلك: عملية “بوكيت موني”، عندما عطلت الألغام البحرية الأميركية ما يقرب من 95% من واردات فيتنام الشمالية البحرية في غضون أيام، ومنحت الولايات المتحدة ورقة ضغط قوية على طاولة المفاوضات بتكلفة وجهد أقل بكثير.
وهناك تقديرات تؤكد أن ما بين 400 إلى 600 لغم من أنواع مختلفة محلية وصينية زرعتها إيران بدقة كافية لشل حركة الملاحة التجارية تماماً في المياه الضيقة لمضيق هرمز، إذ تحتفظ طهران بمخزون ضخم من آلاف الألغام البحرية، رخيصة الثمن لكنها قادرة على إغراق سفن تكلف ملايين الدولارات. وهي تتراوح بين الألغام البسيطة التي تعمل بالتماس المباشر والألغام المتطورة التي تُستخدم للتأثير على السفن، وبعض الأنظمة، مثل نظام EM-52 الصيني، القادر على الانطلاق عمودياً نحو هيكل السفينة من قاع البحر، بينما تقوم أنظمة أخرى، مثل نظام MD-11، برصد البصمات المغناطيسية والصوتية للسفينة قبل إطلاقها مباشرة أسفل عارضة السفينة لإحداث أقصى قدر من الضرر. وإزالة حقل ألغام كهذا ستكون عملية مُكلفة وبطيئة وشاقة وخطيرة للغاية، قبل أن تتمكن كاسحات الألغام من دخول المياه، فقد لا تتجاوز تكلفة لغم بحري واحد عشرات الآلاف من الدولارات، لكن إزالته تتطلب مدمّرات بمليارات الدولارات، وسفناً متخصصة في مكافحة الألغام، وطائرات متطورة، وأسابيع من العمل المضني تحت تهديد مستمر.
تأثير مباشر على أسعار النفط
لأنه يجري نقل 20 مليون برميل يومياً عبر مضيق هرمز بما يعادل نحو 20% من استهلاك النفط العالمي، سيؤدي الغلق الكامل للمضيق وتعطل العمل فيه، سواء بزوارق إيرانية أو بتفعيل ألغام بحرية أو قصف سفن، لارتباك في الأسواق قد يدفع أسعار النفط للارتفاع من قرابة 70 دولاراً قبل الحرب حالياً، إلى أكثر من 100–120 دولاراً للبرميل، وقد يزيد إلى ما فوق ذلك. وسيؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى ضغط تضخمي عالمي؛ لأن الطاقة تُستخدم في 95% من عناصر الاقتصاد تقريباً (تصنيع، نقل، خدمات الخ). ولو استعرضنا الخسائر المالية المحتملة للدول المنتجة للنفط والغاز، سنجد مثلاً أن العراق يمر ما يقرب من 90% من صادرات نفطه عبر مضيق هرمز، وإغلاق المضيق لمدة شهر واحد فقط، قد يؤدي لخسارة أكثر من ستة مليارات دولار من الإيرادات النفطية، ما يعادل نحو 90% من عائدات الميزانية الشهرية.
أما تأثير غلق المضيق على التجارة العالمية فأخطر لأنه سيؤدي لتعطيل سلاسل الإمداد، إذ إنّ 11% من التجارة العالمية (باستثناء النفط) يمرّ بالحركة البحرية في هذا المضيق، وإغلاقه يعني أن ناقلات الحاويات إلى أوروبا وآسيا ستضطر لاستخدام طرق أطول عبر رأس الرجاء الصالح، وتتكلف خسائر وقتَ الشحن وتكلفة الوقود وأسعار التأمين، وقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية في الأسواق العالمية، وتضرّر الصناعات الثقيلة وتصنيع السيارات وسلاسل التوريد الدولية كمحصلة نهائية، بسبب زيادة تكلفة النقل وتأخر المواد الخام. إغلاق المضيق قد يُحدِث أيضاً أزمة طاقة حول العالم تؤثر على الصناعة، التجارة، وحتى الاستقرار المالي الوطني، وقد ينتج عنه تأثيرات عالمية أوسع مثل التضخم العالمي ويؤثر على الأسواق المالية ونشهد تقلباً حاداً وارتفاعاً في أسعار الأصول المرتبطة بالطاقة وانخفاضاً في أسهم القطاعات الحساسة للطاقة، وزيادة الطلب على الملاذات الآمنة مثل الذهب.
وارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يؤدي إلى: ارتفاع أسعار الغذاء والنقل وارتفاع تكاليف الإنتاج وضغوط على سياسات البنوك المركزية، وهذا بدوره قد يعطل النمو الاقتصادي العالمي ويدفع بعض البلدان إلى ركود اقتصادي إذا استمر لفترات طويلة. مضيق هرمز وما يمر به من تجارة ونفط قد يكون هو ضحية الحرب الأكبر، فهو ليس مجرد ممر بحري عادي، بل شريان أساسي للطاقة في الاقتصاد العالمي، وأي إغلاق ولو بصورةٍ مؤقتة يمكن أن يرفع أسعار النفط بحدّة ويزيد التضخم، ويؤثر على النمو الاقتصادي العالمي. وآثار الإغلاق سوف تمتد من خسائر الدول المنتجة إلى ارتفاع تكاليف السلع للمستهلكين في كل أنحاء العالم وارتباك في الأسواق العالمية.



