فورين بوليسي: الحرب بعد ضربة القيادة.. إيران تراهن على الصمود واستنزاف الخصوم

على الرغم من فقدان القيادة وعدد من كبار المسؤولين العسكريين، لم تنهَر آلة الحرب الإيرانية

ميدل ايست نيوز: في اليوم الأول من الحرب التي باتت اليوم تمتد عبر أنحاء الشرق الأوسط، نفّذ الجيش الإسرائيلي، بالتنسيق مع واشنطن، هجوماً واسع النطاق من نوع «ضربة قطع الرأس» (Decapitation Strike) استهدف قيادة إيران. وأسفر الهجوم عن استشهاد آية الله علي خامنئي إلى جانب عدد من كبار القادة العسكريين.

وحب مقال للمحللين الأمريكيين من أصول إيرانية، آرشام رئيسي نجاد وآرش رئيسي نجاد، نشرت في صحيفة فورين بوليسي كان المنطق الاستراتيجي وراء هذه الضربة بسيطاً: إذا أُزيل رأس النظام في الجمهورية الإسلامية فسوف ينهار النظام بأكمله. فقد افترض المخططون أن الجمهورية الإسلامية، التي تتسم ببنية مركزية وترتبط بعمق بسلطة القيادة العليا، ستتفكك سريعاً بعد تصفية القيادة العليا. وكان كثيرون في واشنطن والقدس يعتقدون أن الحرب قد تنتهي عملياً قبل أن تبدأ فعلياً.

لكن هذا الرهان لم يسر كما كان متوقعاً. فبعد أكثر من أسبوع على اندلاع الحرب، لا تزال إيران تقاتل. وعلى الرغم من فقدان القيادة وعدد من كبار المسؤولين العسكريين، لم تنهَر آلة الحرب الإيرانية. ولا تزال القوات الإيرانية تطلق الصواريخ باتجاه أهداف إسرائيلية وتستهدف قواعد عسكرية أمريكية في أنحاء المنطقة. صحيح أن وتيرة إطلاق الصواريخ تراجعت، لكنها لم تتوقف.

وتعترض إسرائيل العديد من هذه الهجمات، إلا أن أنظمة الدفاع الصاروخي لديها، إلى جانب أنظمة الاعتراض الأمريكية المنتشرة في المنطقة، بدأت تدريجياً تستنزف.

في الوقت ذاته، يتسع نطاق القتال في أنحاء الشرق الأوسط. فقد تعرضت القواعد الأمريكية في المنطقة لهجمات متكررة، بينما لا تزال إسرائيل تحت وابل مستمر من الصواريخ. كما ارتفعت أسعار النفط بسبب المخاوف من احتمال اضطراب تدفق الطاقة العالمية عبر الخليج. وكلما طال أمد الحرب، زاد خطر انتقال عدم الاستقرار إلى ما يتجاوز ميدان القتال. وإذا كانت ضربة «قطع الرأس» تهدف إلى إنهاء الحرب بسرعة، فإنها فشلت بوضوح في تحقيق ذلك.

أين أخطأ منطق الضربة؟

تطرح المرحلة الأولى من الحرب سؤالاً أساسياً: أين أخطأ المنطق الإسرائيلي–الأمريكي الذي استند إلى استراتيجية «قطع الرأس»؟ ولماذا لم ينهَر النظام الإيراني؟

يكمن الجواب في مفهوم غالباً ما يُهمَل في النقاشات الاستراتيجية الحديثة: القدرة على الصمود (Resilience). فالحرب الإيرانية قد لا تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، بل بالقدرة على الاستمرار والتحمل.

على مدى عقدين على الأقل، اتبعت إيران استراتيجية للأمن القومي يمكن وصفها بـ«التصعيد على الحافة». فبدلاً من السعي إلى الاستقرار بأي ثمن، قبلت طهران في كثير من الأحيان مستوىً محسوباً من عدم الاستقرار الإقليمي بهدف ردع خصومها والحفاظ على نفوذها الاستراتيجي.

واليوم، ومع اندلاع حرب مفتوحة، تخضع هذه العقيدة لاختبارها الأكثر قسوة. فالمرحلة الأولى من الحرب تبدو، ظاهرياً، متوافقة مع المنطق العسكري التقليدي. إذ تركز الولايات المتحدة وإسرائيل على إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية عبر ضربات دقيقة تستهدف عقد القيادة، والبنية التحتية للصواريخ، ومنشآت الطائرات المسيّرة، والأصول البحرية. والهدف هو تقليص قدرة إيران على الرد إلى أدنى مستوى ممكن.

غير أن الحروب بين الخصوم غير المتكافئين نادراً ما تنتهي بالضربات الأولى. فالسؤال الحاسم هو ما إذا كانت إيران قادرة على الحفاظ على ما يمكن تسميته «الخط الزمني للصمود»؛ أي الدينامية التي لا يكون العامل الحاسم فيها النجاح الأولي في ميدان المعركة، بل القدرة على تحمّل الضغوط الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية مع مرور الوقت.

إذا تمكنت طهران من الحفاظ على قدرة عملياتية كافية لفرض كلفة مستمرة على خصومها، فمن غير المرجح أن تحقق الحملة العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية أهدافها الاستراتيجية.

في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص هذا الخط الزمني للصمود. فواشنطن تحاول، عبر تدمير سريع للبنية التحتية الصاروخية وشبكات القيادة والقدرات اللوجستية، منع تحول الحرب إلى أزمة جيوسياسية طويلة الأمد. وبالتالي فإن نتيجة الحرب ستعتمد على الطرف الذي يستطيع توظيف الوقت كموارد استراتيجية لصالحه.

الصمود كسلاح استراتيجي

من منظور إيران، يتحول الصمود ذاته إلى سلاح استراتيجي. فإيران لا تحتاج إلى هزيمة الولايات المتحدة في معركة تقليدية؛ إذ إن مثل هذا الانتصار ليس واقعياً ولا ضرورياً.

بدلاً من ذلك، يكمن الهدف الاستراتيجي لطهران في إطالة أمد الحرب إلى الحد الذي يؤدي إلى تغيير البيئة الاستراتيجية الأوسع المحيطة بها، وإلى خلق ضغوط في مجالات متعددة: أسواق الطاقة، والخدمات اللوجستية البحرية، والتحالفات الإقليمية، والسياسة الداخلية في الولايات المتحدة وشركائها.

بعبارة أخرى، صُممت الاستراتيجية الإيرانية لتحويل الحرب من مواجهة عسكرية بحتة إلى صدمة جيوسياسية–اقتصادية متعددة الأبعاد تمنح إيران تدريجياً أوراق ضغط رغم تفوق خصومها العسكري.

الخليج… ساحة أخرى للحرب

منطقة الخليج بدأت بالفعل تظهر كيف يمكن أن تتطور تأثيرات الحرب سريعاً. فحتى الاضطرابات المحدودة في حركة السفن عبر مضيق هرمز يمكن أن تؤثر في الأسواق العالمية. إذ يمر عبر هذا الممر الضيق نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، ما يجعله أحد أهم نقاط الاختناق في نظام الطاقة العالمي.

وقد تفاعلت الأسواق المالية سريعاً مع هذه المخاطر، حيث ارتفع سعر نفط برنت إلى أكثر من 107 دولارات للبرميل نتيجة المخاوف من تعطل تدفق الطاقة عبر الخليج.

لكن تقلب أسعار النفط ليس سوى جانب واحد من الخطر. إذ تشير بيانات الملاحة البحرية إلى أن نحو 80% من حركة السفن في مضيق هرمز توقفت مؤقتاً، وهو مؤشر على أن حتى الاضطرابات القصيرة يمكن أن تكون لها تداعيات عالمية. كما أظهرت أنظمة التتبع الفضائي انخفاضاً حاداً في حركة ناقلات النفط قرب مدخل المضيق، فيما قامت العديد من السفن بتأجيل عبورها أو تغيير مسارها بسبب ارتفاع أقساط التأمين وتصاعد التوترات العسكرية.

اقتصاد الحرب غير المتكافئة

النتائج لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تحمل أبعاداً استراتيجية أيضاً. فإيران لا تحتاج إلى إغلاق مضيق هرمز بالكامل كي تُحدث تأثيراً عالمياً؛ إذ إن مجرد اضطرابات مؤقتة أو ارتفاع تكاليف التأمين أو زيادة المخاطر المدركة قد يؤدي إلى تعطيل سلاسل الإمداد العالمية.

وقد ارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب لناقلات النفط بشكل حاد، كما قفزت تكاليف الشحن البحري، فيما فضلت بعض السفن تجنب المرور عبر المضيق مؤقتاً.

في هذا السياق، لا تدور الحرب في سماء الشرق الأوسط فقط، بل تمتد أيضاً إلى طرق الشحن العالمية، وأسواق التأمين، ونقاط الاختناق الاستراتيجية في نظام الطاقة العالمي.

التفاوت الاقتصادي في الحرب يتجاوز تكاليف العمليات المباشرة. فتكلفة العمليات العسكرية للولايات المتحدة تُقدَّر بأكثر من 890 مليون دولار يومياً. وتشير تحليلات صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن أول 100 ساعة من الحرب كلفت نحو 3.7 مليار دولار، تشمل العمليات العسكرية واستبدال الذخائر وإصلاح البنية التحتية المتضررة.

ويكشف ذلك عن سمة بنيوية في الحروب الحديثة: الأنظمة العسكرية المتقدمة باهظة الكلفة للغاية. فأنظمة الدفاع الصاروخي مثل باتريوت وثاد (THAAD) مكلفة وتستغرق وقتاً طويلاً للإنتاج، وحتى الدول الغنية لا تستطيع استبدالها بسرعة خلال الحروب الطويلة. وتبلغ كلفة نظام THAAD الواحد نحو مليار دولار، فيما تمتلك الولايات المتحدة عدداً محدوداً منها.

وتتعمق هذه الفجوة بسبب عدم التكافؤ في تكاليف العمليات. فالتكاليف اليومية للعمليات الإيرانية أقل بكثير مقارنة بالولايات المتحدة أو إسرائيل أو حتى الإمارات العربية المتحدة. فإطلاق طائرة مسيّرة إيرانية قد يكلف نحو 20 ألف دولار فقط، بينما قد يكلف اعتراضها أكثر من 500 ألف دولار.

وتشير بعض التقديرات أيضاً إلى أن الهجمات الانتقامية الإيرانية ألحقت خسائر بنحو 2.52 مليار دولار بالأصول العسكرية الأمريكية في المنطقة.

لذلك، لا تعتمد الاستراتيجية الإيرانية على إنفاق أكثر من خصومها، بل على استنزاف أنظمتهم الدفاعية مع مرور الوقت.

تحوّل الاستراتيجية

بعد فشل ضربة «قطع الرأس» في تحقيق انهيار سريع للنظام الإيراني، يبدو أن منطق الحرب يتغير تدريجياً. إذ تتجه إسرائيل بشكل متزايد نحو ما يمكن تسميته «حرب البنية التحتية» ضد الدولة الإيرانية.

في هذه الاستراتيجية، لم يعد الهدف مقتصراً على القيادة السياسية، بل يشمل إضعاف العمود الفقري الاقتصادي والصناعي لإيران: مصافي النفط، ومحطات الطاقة، والموانئ، وشبكات النقل، والبنية التحتية المالية. والهدف لم يعد تغيير النظام بسرعة، بل إضعاف الدولة تدريجياً.

الجغرافيا… العامل الحاسم

يبرز مضيق هرمز أيضاً عاملاً بنيوياً أعمق: الجغرافيا. فموقع إيران على الساحل الشمالي للخليج يضعها بالقرب من أحد أهم ممرات الطاقة في العالم. وعلى عكس التفوق التكنولوجي، لا يمكن تحييد النفوذ الجغرافي بسهولة.

فحتى الضغوط البحرية المحدودة، أو التهديدات الصاروخية، أو المراقبة بالطائرات المسيّرة يمكن أن تزيد بشكل كبير من المخاطر المدركة لدى شركات الشحن. وفي مجال اللوجستيات البحرية، يمكن للإحساس بالخطر وحده أن يعطل حركة المرور.

هذه الحقيقة الجغرافية تمنح إيران ميزة بنيوية في معادلة الصمود. فحتى إذا تراجعت قدراتها العسكرية التقليدية، يمكنها عبر الحفاظ على احتمال التعطيل فقط أن تُدخل حالة من عدم اليقين في تدفق الطاقة العالمي.

الحرب كاختبار للصمود

تمتلك الولايات المتحدة وإسرائيل تفوقاً عسكرياً هائلاً. فقواتهما الجوية تسيطر على الأجواء، وقدراتهما الاستخباراتية تتيح استهداف البنية التحتية العسكرية الإيرانية بدقة. وإذا تمكن هذا التفوق من تدمير منصات الصواريخ وشبكات القيادة والقدرات اللوجستية الإيرانية بسرعة، فقد تبقى الحرب محصورة جغرافياً.

لكن التاريخ يظهر مراراً أن الحروب بين أطراف غير متكافئة تتحول غالباً إلى منافسة في القدرة على الصمود أكثر من كونها منافسة في القوة العسكرية. فالطرف الذي يستطيع تحمل التكاليف لمدة أطول — سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً — غالباً ما يحصل على الميزة الحاسمة.

غالباً ما توصف الحروب الحديثة بالتكنولوجيا المتقدمة: الصواريخ الدقيقة، والطائرات المسيّرة، والأقمار الصناعية، وأنظمة الدفاع الجوي المتطورة. لكن الديناميات الأعمق للحروب غالباً ما تكمن في مكان آخر.

فالحرب الإيرانية تتحول تدريجياً إلى اختبار للصمود. قد تكون الصواريخ والغارات الجوية هي عناوين الأخبار، لكن المعركة الحاسمة قد تتشكل في أسواق الطاقة، والخدمات اللوجستية البحرية، والنظام المالي، والساحات السياسية الداخلية في دول عدة.

في مثل هذه الحروب، لا يكون السلاح الحاسم هو النظام العسكري الأكثر تقدماً، بل القدرة على الاستمرار.

وفي حروب الاستنزاف، يبقى الوقت هو السلاح الأقوى على الإطلاق.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
بواسطة
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة + سبعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى