الصحافة الإيرانية: خطة إيران طويلة الأجل.. استنزاف واشنطن عبر الاقتصاد
القيادة الحالية في إيران تضم قدامى المحاربين في الحروب غير المتكافئة في العراق وسوريا، وهم يستخدمون اليوم نفس الاستراتيجية لمواجهة الولايات المتحدة، لكن في ساحة الاقتصاد العالمي.
ميدل ايست نيوز: يمكن أن توقف حرب غير متكافئة الاقتصاد العالمي، مما قد يستنزف الولايات المتحدة ويجبرها على قبول وقف إطلاق النار.
وكتب ولي نصر، أستاذ في جامعة جونز هوبكنز، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد، أنه بعد مرور أسبوعين على اندلاع الحرب، أصبحت استراتيجية إيران أكثر وضوحًا. ففي البداية، حاولت طهران تحمّل الهجمات الأمريكية الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه شنت هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ على المدن الإسرائيلية والقواعد الأمريكية، بهدف استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية لديهم. وكان الهدف طويل المدى الاحتفاظ بالصواريخ الأكبر والأكثر فتكًا للمرحلة الثانية من الحرب.
لكن إيران اعتمدت أيضًا استراتيجية موازية، وربما أكثر فاعلية، وهي الحرب ضد الاقتصاد العالمي. استهدفت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية ناقلات النفط في الخليج وقيّدت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى حد الإغلاق الفعلي، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط عالميًا.
في خطاب حالة الاتحاد بتاريخ 24 فبراير، قبل أيام قليلة من اندلاع الحرب، لم يشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقريبًا إلى إيران، لكنه تحدث مطولًا عن أسعار البنزين والتضخم وأوضاع الاقتصاد. وكان الإيرانيون يعلمون أن كثيرًا من الأمريكيين قد لا يولون اهتمامًا بالقنابل والصواريخ، لكن أسعار الوقود والتضخم لا يمكن تجاهلها، ويبدو أن تقديرهم كان صحيحًا.
مع اتساع رقعة الصراع إلى الخليج، ارتفعت أسعار الطاقة بشكل حاد، مما أدى إلى اضطراب الأسواق العالمية. وعلى الرغم من أن إيران كانت قد حذرت من هذا السيناريو مسبقًا، فإن الولايات المتحدة فوجئت، وزاد عدم استعدادها والمخاوف من أزمة وشيكة.
ولم تقتصر تحركات إيران على قطاع الطاقة فقط، إذ أثرت طائراتها المسيّرة وصواريخها بشكل كبير على صناعات حيوية أخرى في الخليج، من شركات التكنولوجيا إلى شركات الطيران. استهدفت إيران مراكز بيانات لشركة أمازون، ومطار دبي، ومنشآت موانئ في عدة دول خليجية. كما أن تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز يؤثر على نقل الحاويات والسلع والمنتجات الصناعية مثل البتروكيماويات والأسمدة الزراعية.
في الحرب، الجغرافيا لا تقل أهمية عن التكنولوجيا. تسيطر إيران على كامل الساحل الشمالي للخليج، وتطل على حقول الطاقة في الساحل الجنوبي، وتتمكن من مراقبة كل ما يمر عبر المياه الإقليمية. كما يتمركز حلفاؤها في اليمن عند مدخل البحر الأحمر وعلى طريق قناة السويس، ما يمنح إيران القدرة على الضغط على الاقتصاد العالمي من جانبي شبه الجزيرة العربية.
القيادة الحالية في إيران تضم قدامى المحاربين في الحروب غير المتكافئة في العراق وسوريا، وهم يستخدمون اليوم نفس الاستراتيجية لمواجهة الولايات المتحدة، لكن في ساحة الاقتصاد العالمي. الطائرات المسيّرة والصواريخ قصيرة المدى والألغام التي تستهدف ناقلات النفط والموانئ يمكن أن تحدث تأثيرًا مشابهًا لتأثير العبوات الناسفة في العراق، لكن على نطاق أوسع: تعطيل سلاسل الإمداد العالمية ورفع أسعار النفط.
الهجمات الصاروخية الإيرانية على مخزونات الصواريخ الاعتراضية الإسرائيلية، في آخر مواجهة بين البلدين في يونيو 2025، ساعدت في دفع الولايات المتحدة وإسرائيل نحو وقف إطلاق النار. لكن الحرب ضد الاقتصاد العالمي قد تُسفر هذه المرة عن نتائج مختلفة.
إيران قادرة على مواصلة هجومها المضاد بسهولة ولفترة أطول بكثير، وحتى وقف إطلاق النار لن يُزيل خطر الحرب في الخليج، وهو منطقة تعيش حاليًا أسوأ السيناريوهات. ولهذا يقول القادة الإيرانيون إنهم لن يقبلوا بوقف إطلاق النار ما لم تدرك واشنطن تمامًا الكلفة الاقتصادية العالمية للصراع.
إذا اعتقدت الشركات والمستثمرون والسياح أن الحرب قد تتجدد، فقد لا يعودون إلى دول الخليج، ما لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لشن هجوم عسكري والبقاء هناك لضمان الاستقرار. وبخلاف ذلك، لن تعود الثقة إلى الخليج إلا إذا توصلت واشنطن وطهران إلى وقف إطلاق نار دائم.
الضغط على الولايات المتحدة للتوصل إلى مثل هذا الاتفاق يتزايد، فليس فقط دول الخليج ترغب في إنهاء الحرب، بل أيضًا دول في آسيا وأفريقيا وأوروبا تخشى من أزمات اقتصادية حادة إذا استمر الصراع.
في الأيام الأخيرة، كثفت الولايات المتحدة وإسرائيل وتيرة وقوة غاراتها، على افتراض أنها تستطيع دفع إيران نحو الانهيار أو الاستسلام. في المقابل، تبدو إيران مستعدة لمواصلة حرب غير متكافئة ضد الاقتصاد العالمي حتى تقنع واشنطن بأن الحل الوحيد هو الحل السياسي.
وتقول إيران إنها لن تقبل بوقف إطلاق النار إلا إذا حصلت على ضمانات دولية لسيادتها، وهو ما قد يعني دورًا مباشرًا لكل من روسيا والصين. كما قد تطالب بتعويضات عن أضرار الحرب، ووقف إطلاق نار يمكن التحقق منه في لبنان. وفي هذه الحالة، سيكون على الولايات المتحدة الموافقة على نوع من الاتفاق النووي الذي طُرح في جنيف، والتعهد برفع العقوبات.
وقد دخلت إيران هذه الحرب بهدف واضح: أن تكون الحرب الأخيرة. فإما أن تكسرهم هذه الحرب، أو تغير وضع البلاد بشكل جذري. وهم يراهنون على قدرتهم على الصمود بما يكفي للضغط على الاقتصاد العالمي حتى الوصول إلى هذا الهدف.



