الصحافة الإيرانية: مضيق هرمز.. صدمة زعزعت بنية أسواق الطاقة في العالم

ذكر محلل دولي في أسواق النفط أن التطورات الأخيرة لم تقتصر على تعطيل التدفقات الفعلية للنفط والمنتجات، بل طالت أيضًا آليات التسعير في آسيا، ونظام التحوط في الأسواق المالية، وحتى آفاق التضخم والنمو الاقتصادي العالمي.

ميدل ايست نيوز: تجاوزت قيود الملاحة في مضيق هرمز خلال الأسابيع الأخيرة مجرد ارتفاع أسعار النفط، إذ يرى محلل دولي في أسواق النفط والطاقة أن هذه الأزمة أثّرت في الوقت نفسه على البنى الأساسية لسوق الطاقة العالمي.

وذكر أفشين جوان في حديث لوكالة إرنا الإيرانية، أن التطورات الأخيرة لم تقتصر على تعطيل التدفقات الفعلية للنفط والمنتجات، بل طالت أيضًا آليات التسعير في آسيا، ونظام التحوط في الأسواق المالية، وحتى آفاق التضخم والنمو الاقتصادي العالمي.

وأضاف أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر عبور، بل تحوّل إلى أحد مراكز تحديد القيمة والمخاطر واتجاهات سوق الطاقة العالمي.

وأوضح جوان أنه في الظروف الطبيعية يُعد هذا الممر المائي الطريق الرئيسي لصادرات النفط الخام والمكثفات والمنتجات النفطية والغاز الطبيعي المسال من الخليج إلى الأسواق العالمية، إلا أن المشكلة في أوقات الأزمات لا تقتصر على تراجع حركة السفن.

وأشار إلى أن فقدان موثوقية الإمدادات، وارتفاع زمن وتكاليف النقل، وقفز أقساط التأمين الحربي، واضطراب بيانات التتبع، وصعوبة اتخاذ القرار لدى المصافي والمتداولين، كلها من تداعيات هذا الوضع، وهي عوامل دفعت السوق إلى تسعير حالة عدم اليقين حتى قبل ظهور نقص فعلي في الإمدادات.

من صدمة التدفقات إلى صدمة الإمدادات

وذكر المحلل الدولي في أسواق النفط والطاقة أنه في الأيام الأولى للأزمة كان يُعتقد أن المشكلة ستبقى محصورة في اضطراب تدفق الصادرات، وأن السوق سيتمكن من إدارتها عبر المخزونات والقدرات البديلة، لكن مع استمرار الاضطراب انتقلت السوق من مرحلة “صدمة التدفقات” إلى “صدمة الإمدادات”.

ولفت إلى أنه في هذه المرحلة لم تعد المشكلة مجرد عدم عبور النفط عبر المضيق، بل شملت أيضًا تراجع إنتاج الحقول، وتعطل عمل المصافي، وصعوبة استعادة مستويات الإنتاج بسرعة، ما حوّل الأزمة من اضطراب قصير الأمد إلى أزمة هيكلية في سلسلة الطاقة.

وبحسب تقدير تحليلي أشار إليه المحلل الإيراني، فإنه حتى مع احتساب المسارات البديلة للصادرات السعودية والإماراتية، فإن نحو 10.8 ملايين برميل يوميًا من إنتاج المنطقة قد توقف، وقد يرتفع هذا الرقم إلى نحو 11.8 مليون برميل يوميًا في حال استمرار الاضطراب.

وأوضح أن ذلك يدل على أن السوق لا يواجه فقط تأخيرًا في الصادرات، بل فقد أيضًا جزءًا من الإنتاج الفعلي في المنطقة.

النفط الخام أول متلقٍ للصدمة

وقال هذا المحلل إن أولى مؤشرات الأزمة ظهرت في سوق النفط الخام، إلا أن المسألة لم تكن مجرد نقص في عدد البراميل، بل شملت أيضًا نقصًا في نوعية النفط المناسبة للمصافي الآسيوية.

وأوضح أن العديد من مصافي آسيا صُممت على مدى عقود لمعالجة خامات متوسطة وثقيلة عالية الكبريت من الشرق الأوسط، واستبدالها بأنواع أخرى ليس أمرًا سهلًا تقنيًا أو اقتصاديًا، ما أجبر هذه المصافي على اللجوء إلى خامات بديلة من أسواق أبعد وبتكاليف نقل أعلى للحفاظ على مستويات التشغيل.

وأضاف أن هذا الوضع أدى إلى قفزة حادة في بنية السوق، وعدم استقرار في الفوارق السعرية الإقليمية، واتساع الفجوة بين مؤشرات مثل برنت ودبي وعُمان ومربان وWTI، إلى حد أصبح معه تحديد “السعر العادل للنفط” مسألة معقدة.

ضربة لنظام تسعير النفط في آسيا

واعتبر هذا المحلل أن من أبرز تداعيات الأزمة توجيه ضربة لنظام تسعير النفط في آسيا، موضحًا أن جزءًا كبيرًا من تجارة نفط الشرق الأوسط في القارة يعتمد على مؤشري دبي/عُمان، لكن اضطراب النقل وتراجع كميات النفط القابلة للتسليم خلال نافذة التسعير دفعا مؤشر دبي إلى ارتفاع حاد.

وأضاف أنه في مرحلة معينة بلغ سعر مؤشر دبي نحو 169.75 دولارًا للبرميل، متجاوزًا حتى مؤشرات النفط العالمية الكبرى.

وأشار جوان إلى أن التغييرات الإجرائية في آليات التقييم، وتقييد إمكانية ترشيح بعض الدرجات ومواقع التحميل، أدّيا إلى تراجع السيولة وارتفاع كلفة استبدال براميل الشرق الأوسط بالنسبة للمشترين الآسيويين، ما جعل المؤشر الذي يفترض أن يعكس توازن السوق يتحول إلى بؤرة ضغط للأزمة.

توجه المصافي الآسيوية نحو برنت

وأوضح أن اتساع الفارق السعري بشكل غير طبيعي بين دبي من جهة وبرنت وWTI من جهة أخرى دفع بعض المصافي الآسيوية إلى اعتبار استمرار الشراء وفق صيغ مرتبطة بدبي خيارًا غير اقتصادي.

وأضاف أنه نتيجة لذلك اتجه جزء من المصافين إلى عقود قائمة على خام برنت في بورصة ICE، خاصة لشراء النفط الأمريكي، وهو ما يعكس تراجع الثقة في مرجعية التسعير التقليدية للشرق الأوسط خلال الأزمات.

موقع خام غرب تكساس في الأزمة

أشار جوان إلى أن خام غرب تكساس الوسيط لم يتحول إلى مرجع تسعير لآسيا، لكنه اكتسب أهمية أكبر كخيار بديل فعلي، إذ جرى تداوله بخصم مقارنة ببرنت وبمستويات أقل بكثير من دبي، ما جعله أكثر جاذبية لبعض المصافي الآسيوية.

وأكد أن سوق المنتجات النفطية يمثل المسار الأسرع لانتقال الأزمة إلى الاقتصاد الحقيقي، إذا كان النفط الخام أول من تلقى الصدمة.

وأضاف أن اضطراب مضيق هرمز أدى إلى خفض طاقة التكرير في المنطقة وتراجع صادرات المنتجات النفطية من الشرق الأوسط، حيث تشير التقديرات إلى تعطّل نحو 2.5 مليون برميل يوميًا من طاقة التكرير الأولية، وانخفاض إنتاج المصافي بنحو 3 ملايين برميل يوميًا، إلى جانب تراجع عالمي في مدخلات المصافي بنحو 4 إلى 5 ملايين برميل يوميًا.

وبيّن أن وقود الطائرات والديزل وبقية المقطرات الوسطى كانت الأكثر تأثرًا، كما أصبحت أوروبا أكثر عرضة للضرر بسبب اعتمادها على واردات المنتجات النفطية من الشرق الأوسط.

خسائر مالية واضطراب في التحوط

وأوضح جوان أن أحد الأبعاد الأقل وضوحًا للأزمة يتمثل في تأثيرها على الأسواق المالية النفطية، حيث يعتمد جزء كبير من التحوط في آسيا على مراكز مرتبطة بمقايضات دبي.

وأضاف أن الارتفاع السريع في سعر دبي، بالتزامن مع انخفاض توافر البراميل الفعلية، حوّل العديد من مراكز التحوط إلى مراكز ورقية غير مدعومة، مشيرًا إلى أن ارتفاع السعر من نحو 63 دولارًا إلى 128 دولارًا قد يتسبب بخسائر تصل إلى نحو 650 مليون دولار لمركز بحجم 10 ملايين برميل.

لماذا لم تكن أدوات الحماية كافية؟

وأشار إلى أنه كان يُعتقد قبل الأزمة أن المخزونات الاستراتيجية والنفط المخزن في البحر والطاقة الإنتاجية الفائضة قادرة على امتصاص صدمة هرمز، لكن تبين أن هذه الوسائل إما كانت متركزة في منطقة الأزمة نفسها أو محدودة من حيث إمكانية الوصول.

وأضاف أن جزءًا كبيرًا من الطاقة الإنتاجية الفائضة يقع في المنطقة المتضررة، كما أن النفط المخزن في البحر تراجع سريعًا مع استمرار الأزمة.

وأكد أن تأثيرات أزمة هرمز تنتقل إلى الاقتصاد العالمي عبر ارتفاع تضخم الطاقة، وتراجع النمو الاقتصادي، والضغط على موازين المدفوعات، وزيادة حالة عدم اليقين المالي.

وأوضح أن آسيا تتحمل العبء الأكبر نظرًا لاعتمادها الكبير على نفط هرمز والغاز الطبيعي المسال وغاز البترول المسال ومواد اللقيم البتروكيميائية من الشرق الأوسط، فيما تتعرض أوروبا لضغوط عبر أسواق المنتجات والطاقة الكهربائية.

واختتم بالقول إن أزمة هرمز لم تعد مجرد مسألة عبور ناقلات، بل تحولت إلى صدمة متعددة الأبعاد تؤثر في الإنتاج والتصدير والتكرير والأسواق المالية وحتى آفاق الاقتصاد العالمي، مشيرًا إلى أن اتجاه السوق لم يعد مرتبطًا فقط بحجم الإمدادات، بل بعوامل مثل متانة البنية التحتية وجودة أدوات الحماية وسيولة المؤشرات وسلوك الحكومات، وأن المضيق بات نقطة يعاد عندها تعريف قيمة النفط والأمن والثقة في آن واحد.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة عشر + 8 =

زر الذهاب إلى الأعلى