كيف كانت ردود الفعل الإيرانية على مقترح ظريف لوقف إطلاق النار؟
أثار وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف، الذي ينشط مؤخرًا بشكل لافت ويعبّر باستمرار عن مواقفه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، جدلًا واسعًا بمقاله الأخير في مجلة «فورين أفيرز».

ميدل ايست نيوز: تحوّل مقال محمد جواد ظريف حول إنهاء الحرب إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في المشهد السياسي الإيراني خلال الأيام الأخيرة، حيث واجه موجة من الانتقادات الحادة والاتهامات، بل وحتى تهديدات مباشرة، لكن الأمر لم يخلو أيضا من مواقف داعمة وردود جديدة.
وأثار وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف، الذي ينشط مؤخرًا بشكل لافت ويعبّر باستمرار عن مواقفه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، جدلًا واسعًا بمقاله الأخير في مجلة «فورين أفيرز». ولم تحظَ الرؤية التي طرحها لإنهاء الحرب بقبول لدى التيار الراديكالي في إيران، ما أدى إلى موجة من الهجمات عليه، لتتحول الساحة السياسية الداخلية إلى ميدان مواجهة مفتوحة، بين من وصف طرحه بأنه «وطني» ومن اتهمه بـ«انعدام الوطنية»، وصولًا إلى تهديدات مباشرة. وتعكس هذه التفاعلات عمق الخلاف حول كيفية إنهاء الحرب.
تحويل التفوق إلى اتفاق
في هذا المقال، ينطلق ظريف من فرضية امتلاك إيران اليد العليا ميدانيًا، ليقترح مسارًا مختلفًا يقوم على تحويل هذا التفوق إلى مكسب سياسي. ويؤكد صراحة أن على إيران استخدام موقعها «ليس لمواصلة الحرب، بل لإعلان النصر والتوصل إلى اتفاق ينهي الصراع ويمنع حربًا جديدة». وفي هذا السياق، يقترح «مفاوضات شاملة» تشمل جميع القضايا الخلافية، من البرنامج النووي إلى الترتيبات الأمنية الإقليمية.
ووفق هذا الطرح، يمكن لإيران، مقابل رفع كامل للعقوبات، قبول بعض القيود، بل والحفاظ على انفتاح مسارات مثل مضيق هرمز في إطار اتفاق. وهذه النقاط تحديدًا تحولت سريعًا إلى محور الانتقادات.
موجة انتقادات حادة
جاءت غالبية الردود على مقال ظريف بنبرة شديدة، حيث كتب البرلماني الإيراني علي خضريان في أحد أبرز المواقف: إن المقال «صرخة انعدام وطنية»، معتبرًا أنه يؤكد صواب قانون منع شغل مزدوجي الجنسية للمناصب الحساسة، مشيرًا إلى أن هذا الطرح يتجاهل حتى إدانة غير الإيرانيين لما وصفه بجرائم العدو.
بدورها، شككت وكالة «فارس» في مضمون المقال وهوية كاتبه، معتبرة أن النص قد لا يبدو وكأنه صادر عن كاتب إيراني، منتقدة ما وصفته بإعادة إنتاج منطق «التفاوض بأي ثمن» رغم اعتراف ظريف بعدم التزام الولايات المتحدة بتعهداتها.
وفي السياق ذاته، انتقد فؤاد إيزدي الأسس الفكرية للمقال، معتبرًا أن الرهان السابق على الاتفاق النووي لتخفيف الضغوط الأمنية انتهى إلى الحرب، متسائلًا عن جدوى الدعوة إلى تقليص التركيز على القدرات الدفاعية في ظل التعرض لهجوم عسكري.
وفي أحد أشد المواقف حدة، دعا سعيد حداديان ظريف إلى الاعتذار خلال مهلة محددة، ملوّحًا بالتصعيد في حال عدم القيام بذلك.
كما دعا أحد مقدمي البرامج التلفزيونية ظريف إلى طرح رؤيته مباشرة أمام الجمهور في الشارع لمعرفة ردود الفعل، في خطاب غير معتاد يعكس تصاعد حدة التوتر.
وفي السياق نفسه، اعتبرت بعض التحليلات أن هذا الطرح يمثل «عودة إلى ماضٍ وهمي»، محذرة من الرهان مجددًا على ترتيبات تقودها الولايات المتحدة بدل التوجه نحو نظام إقليمي جديد.
دعم وتفسيرات مختلفة
في المقابل، دافع عدد من الشخصيات عن ظريف أو قدموا قراءة مختلفة لمقاله. فقد وصف عباس آخوندي، وزير الطرق والإسكان الأسبق، الطرح بأنه «وطني ومدروس»، معتبرًا أنه يجمع بين الحفاظ على الموقع القتالي لإيران والسعي إلى حل سياسي تدريجي.
من جهته، شدد حسام الدين آشنا على ضرورة قراءة المقال كاملًا، معتبرًا أن مضمونه يحمل رسالة تحذير للغرب بشأن تغيّر موازين القوى، محذرًا في الوقت ذاته من الانجرار وراء ردود فعل انفعالية قد تنقل الخلافات إلى الشارع.
مواقف وسطية وانتقادات جزئية
وفي موقف وسطي، أشار يوسف بزشكيان إلى أن طرح ظريف يقوم على أن إنهاء العقوبات والحرب يتطلب مفاوضات شاملة، لكنه انتقد توقيت هذا الطرح، معتبرًا أنه يعود إلى ما قبل الحرب، في حين أن المعطيات الحالية تغيرت مع امتلاك إيران موقعًا أقوى، كما أبدى تحفظًا على عدم وضوح ما يمكن أن تحصل عليه إيران مقابل ما قد تقدمه.
رد ظريف وتفاعلات الرأي العام
رغم ضعف نشاط وسائل التواصل بسبب القيود على الإنترنت، امتدت التفاعلات إلى الشارع، حيث أثار إحراق صورة ظريف من قبل شابة جدلًا واسعًا. ورد ظريف برسالة حاول فيها الدفاع عن موقفه، مؤكدًا أن إيران، التي تجمع بين السلمية والقدرة على مواجهة المعتدين، لن تخضع.
وأشار إلى أن حضور المواطنين في الشارع يعكس روح الصمود والمسؤولية، معتبرًا أن مقاله كان يهدف إلى إبراز قوة إيران وكسر الاحتكار الإعلامي، وليس إثارة الانقسام الداخلي.
كما لفت إلى أن العالم يشهد إعادة تشكيل للنظام الدولي، وأن إيران تسعى إلى دور فاعل في نظام عالمي جديد، قبل أن يختتم برسالة موجهة إلى الشباب تدعوهم إلى التمسك بالأمل والمستقبل.
جدل حول كيفية إنهاء الحرب
تحول مقال ظريف إلى ما يشبه مرآة للخلافات الداخلية، ليس فقط بسبب مضمونه، بل أيضًا لتوقيته في ذروة التصعيد. إذ باتت الساحة منقسمة بين من يرى أن إنهاء الحرب يمر عبر تحويل التفوق العسكري إلى اتفاق سياسي، ومن يعتقد أن أي تراجع يعني خسارة المكاسب.
ويكشف هذا الجدل أن الخلاف حول المسار المستقبلي لا يزال مفتوحًا، وأن النقاش حول كيفية إنهاء الحرب دخل مرحلة أكثر وضوحًا وحدّة.



