لماذا لا تنضم أوروبا إلى آلة الحرب الأمريكية؟
تسلك أوروبا، في خضم أزمة مضيق هرمز، مسارًا مختلفًا عن الولايات المتحدة؛ مسارًا يركّز على احتواء التوتر والحفاظ على تدفق الطاقة بدلًا من الاعتماد على الخيارات العسكرية.

ميدل ايست نيوز: تسلك أوروبا، في خضم أزمة مضيق هرمز، مسارًا مختلفًا عن الولايات المتحدة؛ مسارًا يركّز على احتواء التوتر والحفاظ على تدفق الطاقة بدلًا من الاعتماد على الخيارات العسكرية، في مؤشر على تباعد ملحوظ داخل المعسكر الغربي.
ومع تصاعد التوترات في الخليج وتحول مضيق هرمز إلى بؤرة قلق للأسواق العالمية، تكشف تغطية وسائل الإعلام الغربية عن واقع مهم مفاده أن أوروبا اختارت، خلافًا لواشنطن، نهجًا مختلفًا في التعامل مع هذه الأزمة؛ نهجًا يقوم على ضبط التوتر وضمان استمرار تدفق الطاقة أكثر من استعراض القوة العسكرية.
ويُظهر تقرير حديث لموقع «ذا هيل»، الذي تحدث عن «تجاوز أوروبا للولايات المتحدة»، جانبًا من هذه الصورة. فخلف هذا العنوان، يتشكل نوع من الانقسام الناعم، تعود جذوره إلى اختلاف الأولويات؛ إذ تركز واشنطن على الردع الصلب واستعراض القوة، بينما تضع أوروبا استقرار الأسواق وتجنب أزمة غير قابلة للسيطرة في مقدمة أولوياتها.
مخاوف من صدمة الطاقة
أفادت صحيفة «فايننشال تايمز» في تقرير ركز على التداعيات الاقتصادية للأزمة، بأن العواصم الأوروبية تشعر بقلق بالغ من «صدمة مفاجئة في سوق الطاقة». وذكرت أن الحكومات الأوروبية تدرس سيناريوهات لضمان تدفق النفط والغاز، لكنها لا تبدي رغبة في مرافقة الخيارات العسكرية الأمريكية، مثل مرافقة ناقلات النفط بشكل هجومي، لما قد يسببه ذلك من ارتفاع الأسعار وزيادة عدم الاستقرار.
وتشير هذه الرواية إلى أن أوروبا تنظر إلى قضية هرمز، على خلاف الولايات المتحدة، ليس فقط كمسألة أمنية، بل كأزمة اقتصادية محتملة.
مساعي لاحتواء التوتر عبر الدبلوماسية
يحاول الاتحاد الأوروبي من خلال القنوات الدبلوماسية منع تصعيد النزاع. وذكرت صحيفة «الغارديان» أن بروكسل وبعض الدول الرئيسية مثل فرنسا وألمانيا تسعى للحفاظ على قنوات الاتصال مع طهران لتجنب تحول الأزمة إلى مواجهة مباشرة.
وفي هذا الإطار، تفضل أوروبا، حتى في حال مشاركتها في مهام بحرية، أن يكون دورها «وقائيًا ورقابيًا» بدلًا من الانخراط في القتال.
تردد ألماني وظلال حرب غير مرغوبة
تحدثت مجلة «دير شبيغل» الألمانية بنبرة حذرة عن «تردد عميق» في برلين تجاه أي مشاركة في سيناريوهات عالية المخاطر. وأفادت بأن الحكومة الألمانية تخشى أن يؤدي أي وجود عسكري في هرمز إلى تحول سريع من مهمة محدودة إلى صراع واسع، وهو سيناريو لا تملك أوروبا الاستعداد له ولا الرغبة في تحمل كلفته.
وأشارت المجلة إلى أن هذا التردد لا يقتصر على ألمانيا، بل يمتد إلى عدد من الدول الأوروبية الأخرى.
انقسام ناعم داخل الغرب.. أين يكمن الخلاف؟
تُظهر هذه المعطيات أن الخلاف بين أوروبا والولايات المتحدة لا يتعلق بأهمية إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا، بل بكيفية تحقيق ذلك. ففي حين تدرس واشنطن خيارات أكثر تشددًا، بما في ذلك تعزيز الوجود العسكري وربما التحرك المباشر، تركز أوروبا على إدارة الأزمة بأقل قدر من التصعيد.
وبعبارة أخرى، تسعى أوروبا إلى ضمان أمن الملاحة دون الانخراط في مواجهة مباشرة مع إيران، وهو هدف أكثر تعقيدًا من المقاربات العسكرية المباشرة.
هرمز.. اختبار «الاستقلال الاستراتيجي» الأوروبي
في هذا السياق، يضيف دور إيران، باعتبارها طرفًا يعتبر مضيق هرمز جزءًا من استراتيجية الردع الخاصة به، مزيدًا من التعقيد إلى المشهد. كما أن مقترحات مثل فرض قيود أو رسوم عبور توجّه رسالة إلى أوروبا بأن أي قرار في هذه المنطقة ستكون له تبعات اقتصادية وسياسية مباشرة.
وهكذا، أصبح مضيق هرمز اختبارًا لمفهوم طالما تكرر في الخطاب السياسي الأوروبي، وهو «الاستقلال الاستراتيجي».
وبات على أوروبا أن تثبت ما إذا كانت قادرة على اتباع مسار مستقل عن الولايات المتحدة في واحدة من أكثر الأزمات العالمية حساسية، أم أنها ستعود في نهاية المطاف إلى نمط التوافق التقليدي تحت ضغط التطورات.
موقع أوروبي دقيق
تشير المعطيات، كما تعكسها وسائل الإعلام الغربية، إلى أن أوروبا تسير على حافة دقيقة وخطرة؛ محاولةً تحقيق توازن بين حماية مصالحها الاقتصادية والطاقة، وتجنب الانجرار إلى حرب مكلفة.
ورغم أن هذا النهج قد يسهم في خفض التوتر على المدى القصير، إلا أنه يطرح سؤالًا أساسيًا على المدى الطويل: هل تستطيع أوروبا الحفاظ على هذا المسار المستقل في مواجهة الضغوط الأمريكية وتعقيدات الواقع الميداني، أم أن مضيق هرمز سيكشف بشكل أوضح من أي وقت مضى عن الانقسامات داخل الغرب؟



