ما دلالات تولي “قاليباف” رئاسة الفريق التفاوضي الإيراني؟

أكد دبلوماسي إيراني سابق أن التفاوض القائم على القوة يمكن أن يرتقي إلى مستوى أعلى من الاتفاقات المؤقتة، ويتحول إلى أداة لإعادة تعريف موقع إيران في النظامين الإقليمي والعالمي.

ميدل ايست نيوز: أكد دبلوماسي إيراني سابق، تعليقًا على رئيس فريق التفاوض بين إيران والولايات المتحدة، أنه إذا تم الحفاظ على هذا التوازن، فإن دلالته تعني التوجه نحو نهج «التفاوض القائم على القوة»، وهو تفاوض يمكن أن يرتقي إلى مستوى أعلى من الاتفاقات المؤقتة، ويتحول إلى أداة لإعادة تعريف موقع إيران في النظامين الإقليمي والعالمي.

وأوضح حميد أبوطالبي، المستشار السياسي لحكومة روحاني، في تحليل لموقع خبرأونلاين، أن طرح فكرة تولّي محمد باقر قاليباف رئاسة الفريق التفاوضي الإيراني في الحوار مع نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، يتجاوز كونه مجرد تغيير في الأشخاص، ليعكس تحولًا في منطق التفاوض ومستواه ووظيفته. وأضاف أن هذا الترتيب، إذا تحقق، يشير إلى انتقال من «الدبلوماسية الكلاسيكية» إلى «التفاوض على مستوى القوة والمعنى»، حيث تحضر السياسة والأمن والهوية والرواية في آن واحد ضمن ساحة الحوار، ما يفضي إلى صياغة جديدة للفعل السياسي يُعاد فيها تعريف الحدود بين الوسيلة والغاية.

تحول الميدان: من وزارة الخارجية إلى المستوى السيادي

يعني حضور قاليباف على رأس فريق تفاوضي نقل مركز الثقل من الجهاز الدبلوماسي المهني إلى مستوى أعلى من البنية البيروقراطية. وفي هذا المستوى، لا يُنظر إلى التفاوض كعملية تقنية بحتة، بل كامتداد مباشر لتوازنات القوة، بينما تتقدم الاعتبارات الأمنية والمؤسسية والسيادية على التفاصيل الدبلوماسية. ويمثل هذا التحول إعادة تعريف لـ«فاعل التفاوض» من دبلوماسي إلى فاعل حامل للقوة؛ ليس مجرد ممثل، بل تجسيد لإرادة بنية السلطة على مستوى أوسع، وهو ما يعد نهجًا أكثر تأسيسًا مقارنة بتكليف أمين المجلس الأعلى للأمن القومي بهذه المهمة في السابق.

تغيير مستوى الحوار: من اتفاق تقني إلى إعادة تعريف النظام

يحمل اختيار فانس كطرف في التفاوض رسالة واضحة مفادها أن الحوار لم يعد يدور حول «ملف» بعينه، بل حول صياغة شاملة لـ«صورة النظام». ففانس يمثل تيارًا في الولايات المتحدة يميل إلى إعادة التفكير في النظام الليبرالي، بينما يمثل قاليباف تيار القوة الداخلي على المستويات العسكرية والأمنية والسياسية والسردية. وبناءً على ذلك، يرتقي الحوار من المستوى التقني إلى المستوى البراديمي، ويتحول موضوع التفاوض من مجرد «حل الخلافات» إلى «تحديد العلاقة بين نظامين» من جهة، وإلى تحقيق توازن بين القوة الإقليمية والقوة العالمية من جهة أخرى.

ويمثل هذا التحول خطوة أساسية في تشكيل أمن إقليمي يتكامل مع الأمن العالمي، وهو ما يتطلب تجاوز الأطر الكلاسيكية للدبلوماسية والدخول في مستوى من الحوار تُصاغ فيه القوة والمعنى بشكل متزامن، وهو ما لا تستطيع البنية الدبلوماسية الرسمية في وضعها الحالي تحقيقه أو حتى تقبّله، ما يجعل هذا التحول ضرورة استراتيجية.

المعادلة السياسية بدلًا من التناظر المؤسسي

يقوم العرف الدبلوماسي على مبدأ التناظر بين المؤسسات، إلا أن التناظر هنا يتخذ شكلًا مختلفًا؛ إذ لا يكون التفاوض بين وزير ونظيره، بل بين «فاعل سياسي وفاعل سياسي»، ولا بين ممثل جهاز رسمي، بل بين «حامل مشروع سياسي». ويحوّل هذا التغيير التفاوض إلى ساحة لإدارة الرواية أيضًا، حيث يخاطب كل طرف، بالتوازي مع الطرف الآخر، الرأي العام الداخلي، ساعيًا إلى تثبيت موقع التفاوض ونتائجه في المعادلات الداخلية والخارجية. وفي هذا السياق، حتى العودة إلى الحرب أو الصراع قد تُعاد صياغتها ضمن منطق سردي خاص، باعتبارها تعبيرًا عن إرادة قوة محددة، لا نتيجة ضعف في دبلوماسية فاقدة للصلاحيات.

رسالة إلى الداخل: السعي لتوحيد الفاعل السيادي

يحمل هذا الترتيب أيضًا وظيفة داخلية مهمة تتمثل في تقليص الفجوة بين ميادين القوة المختلفة، سواء الدبلوماسية أو الأمنية أو السياسية أو السردية، وتحويل التفاوض إلى مشروع مدعوم بإجماع نسبي. وضمن هذا الإطار، لا يُنظر إلى التفاوض كأداء حكومي محدود، بل كفعل صادر عن «مجمل البنية السيادية»، يسعى إلى منع تشتت الإرادة وإعادة صياغتها ضمن إرادة موحدة وموجهة.

الفرص: تعزيز الوزن والوضوح في التفاوض

يمكن لهذا المستوى من التفاوض، إذا أُدير بشكل صحيح، أن يعزز الوزن السياسي للحوار، ويوفر إمكانية طرح القضايا الشاملة والأساسية بشكل أكثر صراحة. وفي هذه الحالة، ينتقل التفاوض من «المساومة التدريجية» إلى «صناعة القرار الاستراتيجي»، ما يسهم في تهميش التيارات الداخلية المعارضة للتفاهم، ويمثل تحولًا جوهريًا، خاصة في ظل غياب الدور العلني للمسؤولين رفيعي المستوى في السياسة العالمية سابقًا، حيث يمكنهم الآن المشاركة المباشرة في صياغة المعادلات الدولية.

المخاطر: الجمود وكلفة الفشل والتصور الأمني

في المقابل، ينطوي هذا الترتيب على مجموعة من المخاطر، أبرزها تراجع المرونة التكتيكية نتيجة تغلب المنطق السياسي على الدبلوماسي، وارتفاع كلفة الفشل بسبب انخراط شخصيات رفيعة المستوى بشكل مباشر، إضافة إلى تعزيز التصور بأن التفاوض بات مؤطرًا أمنيًا. وإذا لم يتم احتواء هذه المخاطر، فقد تؤدي إلى تقليص فاعلية الحوار. لذلك، تبرز ضرورة أن يتمتع الفريق التفاوضي بقدرات نظرية ودبلوماسية وسياسية عالية، بما يتيح تقليل هذه المخاطر وتحقيق تنسيق فعال بين مستويات صنع القرار المختلفة.

الحفاظ على التوازن بين صلابة القوة وقابلية الحوار

إذا تم الحفاظ على هذا التوازن، فإن النتيجة ستكون تبني نهج «التفاوض القائم على القوة»، وهو ما قد يرفع مستوى التفاوض إلى ما يتجاوز الاتفاقات المؤقتة، ويجعله أداة لإعادة تعريف موقع إيران في النظامين الإقليمي والدولي.

أما إذا اختل هذا التوازن، فإن النتيجة ستكون إما الجمود والانسداد، أو الاستنزاف وفقدان الفاعلية، وربما العودة مجددًا إلى الحرب والصراع. ومن هنا، قد يشكل اختيار فريق التفاوض تحت إدارته الخطوة الأهم في استكمال ما يُنظر إليه كانتصار للشعب الإيراني، وهو أمر ينبغي عدم تركه عرضة للتجاذبات السياسية الداخلية أو لصراعات مراكز القوة. إذ يوضح هذا الطرح أن القضية لا تتعلق فقط بـ«من يتولى التفاوض»، بل بـ«المستوى الذي يُعرّف فيه التفاوض ضمن الوجود السياسي»، وهي النقطة التي تحدد مسبقًا مسار الحوار ومآلاته.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 − 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى