الصحافة الإيرانية: مخاوف وآمال في وقف إطلاق النار
يبدو أن الهدنة الممتدة لأسبوعين تحمل في طياتها مؤشرات متناقضة، بين ما يدعو إلى التفاؤل وما يبعث على التحذير.
ميدل ايست نيوز: يبدو أن الهدنة الممتدة لأسبوعين تحمل في طياتها مؤشرات متناقضة، بين ما يدعو إلى التفاؤل وما يبعث على التحذير. وفي ما يتعلق بأسباب هشاشتها، تبرز عدة نقاط، أولها أن الإطار السلوكي لدونالد ترامب لا يختلف عن نهجه قبل الحرب الأخيرة ضد إيران، أي ما يُعرف بـ«دبلوماسية الإكراه». ووفق هذا النهج، يسعى ترامب إما لتحقيق أهدافه عبر التفاوض، أو يلجأ إلى الخيار العسكري في حال فشل المسار الدبلوماسي، وقد أظهر خلال حربين خاضهما ضد إيران أنه لا يتردد في استخدام القوة العسكرية.
يقول رحمن قهرمان بور، الخبير في الشؤون الدولبة، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد، إن مستوى مصداقية تهديدات ترامب يعد عاملًا حاسمًا في مسار المفاوضات المقبلة، إذ سيحاول، كما في السابق، توظيف كافة أدوات الضغط المتاحة لتحقيق أقصى مطالبه على طاولة التفاوض، مع الإبقاء على خيار استئناف الحرب كوسيلة ضغط دائمة. ومن الطبيعي أن يثير هذا النهج ردود فعل سلبية داخل إيران، وقد يضعف الرغبة في التفاوض أو القدرة على تبرير أي اتفاق داخليًا. وبموازاة هذا التقييم الحذر، يمكن أيضًا الإشارة إلى عوامل تدعو إلى التفاؤل بإمكانية التوصل إلى اتفاق.
أولى هذه العوامل تتمثل في الدور الصيني، إذ يبدو أن بكين دخلت هذه المرة بشكل أكثر جدية في مسار الوساطة بين إيران والولايات المتحدة. ورغم أن هذا الدور يُمارس عبر باكستان، إلا أن المؤشرات تفيد بأن الصين لعبت خلف الكواليس دورًا محوريًا في قبول إيران بالهدنة. وعلى خلاف ما كان عليه الوضع قبل الحرب، حيث لم تُقبل الوساطة الصينية، يبدو الآن أن كلًا من طهران وبكين يميلان إلى منح الصين دورًا أكبر، بل طُرح أن تكون ضامنًا لأي اتفاق سلام لاحق.
وانطلاقًا من تجربة الاتفاق بين إيران والسعودية بوساطة صينية، يُرجح أنه في حال أبدت طهران رغبة مماثلة، يمكن لبكين أن تمهّد الطريق نحو اتفاق طويل الأمد بين إيران والولايات المتحدة، وإن كان من المتوقع أن يفرض مثل هذا الاتفاق قيودًا معينة على إيران. كما أظهرت تجربة العامين الماضيين أن عمق الخلافات بين طهران وواشنطن يتجاوز قدرة الدول الصغيرة والمتوسطة، مثل قطر وعُمان، أو حتى دول أخرى كتركيا ومصر وباكستان، على حلها بشكل منفرد.
أما العامل الثاني الذي يعزز التفاؤل النسبي، فيتعلق بتغيير الطرف المفاوض من الجانب الأمريكي. فمشاركة جي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، في هذه المفاوضات تعكس أهمية المسار التفاوضي، وقد تشير إلى وجود إرادة سياسية لدى واشنطن للتوصل إلى اتفاق. ويُذكر أن شخصيات سابقة مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر كانت ترتبط بعلاقات وثيقة مع مسؤولين إسرائيليين، فضلًا عن افتقارها إلى الخبرة السياسية الكافية. وبالتالي، فإن تغيير الطرف الرئيسي في التفاوض، إذا تأكد، قد يرفع من فرص الوصول إلى اتفاق هذه المرة. وفي المقابل، سيكون على إيران أيضًا تعديل كل من شكل ومضمون مفاوضاتها، ما يجعل مجرد الانخراط في هذا المسار عاملًا إضافيًا لتعزيز فرص التوصل إلى تفاهم.
ويتمثل العامل الثالث في أن إيران كانت قد أبدت قدرًا من المرونة في مواقفها حتى قبل الحرب الأخيرة، واستمرار هذا النهج قد يزيد من احتمالات التوصل إلى اتفاق. إلا أن هناك عاملًا داخليًا مهمًا يتمثل في التغيرات التي طرأت على بنية السلطة في إيران بعد اندلاع الحرب، حيث أدى مقتل عدد من القادة العسكريين والشخصيات السياسية إلى إحداث تحولات داخلية، في وقت لم تتبلور فيه بعد ملامح الهيكل النهائي للسلطة. وفي مثل هذه الفترات الانتقالية، قد يتردد صناع القرار في تحمل مخاطر توقيع اتفاق مع الولايات المتحدة.
مع ذلك، تبرز أهمية المؤسسات التي تشكلت خلال العقود الثلاثة الماضية في عملية صنع القرار، والتي يمكن أن تسهم في تخفيف هذا التردد. فعلى سبيل المثال، لعب المجلس الأعلى للأمن القومي دورًا حاسمًا في إنهاء الحرب التي استمرت 12 يومًا وكذلك الحرب الأخيرة، ما يشير إلى أن مثل هذه المؤسسات قادرة على تحمل كلفة القرارات الكبرى، بما في ذلك الاتفاقات الحساسة، في حال تردد السياسيون في تحمل مسؤوليتها بشكل مباشر. ومن هنا، يبقى السؤال حول ما إذا كانت الكلمة الفصل ستكون للأفراد أم للمؤسسات في تحديد مصير أي اتفاق محتمل.
أما العامل الثالث المتعلق بهشاشة الهدنة، فيتمثل في الدور الذي لعبته إسرائيل خلال المفاوضات السابقة، والذي يوصف بأنه معرقل. ومن غير المرجح أن تقبل تل أبيب حاليًا باتفاق طويل الأمد بين إيران والولايات المتحدة، ما لم تضمن أن هذا الاتفاق يخدم مصالحها أو على الأقل يبدد مخاوفها. فقد أبدت إسرائيل، على مدى العقدين الماضيين، قلقًا دائمًا من احتمال التوصل إلى اتفاق ثنائي بين طهران وواشنطن دون مراعاة مصالحها.
وفي الوقت ذاته، تدرك تل أبيب أنها غير قادرة على مواجهة إيران دون دعم أمريكي، ما يضعها أمام معادلة معقدة. فمن جهة، تحتاج إلى الولايات المتحدة لمواجهة إيران، ومن جهة أخرى، لا تستطيع منعها من التوصل إلى اتفاق مع طهران. وفي ظل هذا التناقض، يبدو أن الاستراتيجية الإسرائيلية تركز على تعطيل المفاوضات وخلق أجواء من التشكيك، إلى جانب بذل أقصى الجهود لمنع أي اتفاق لا يأخذ مصالحها بعين الاعتبار.



