الصحافة الإيرانية: استهداف المياه.. مقامرة أميركية إسرائيلية نحو فوضى إقليمية

تجاوزت الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب الثالثة ضد إيران حدود المواجهات العسكرية التقليدية، ووصلتا إلى مرحلة جرى فيها تحويل «الماء» إلى أداة حرب.

ميدل ايست نيوز: تجاوزت الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب الثالثة ضد إيران حدود المواجهات العسكرية التقليدية، ووصلتا إلى مرحلة جرى فيها تحويل «الماء» – وهو أبسط مقومات بقاء الإنسان – إلى أداة حرب.

وقال آرمان علوي نجاد، الخبير في قانون البيئة، في مقال لموقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، إن الاستهداف المتعمد لمحطات تحلية المياه وشبكات الكهرباء والبنى التحتية الحيوية لا يُعد فقط انتهاكًا صارخًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، بل يمثل أيضًا مقامرة خطيرة باستقرار المنطقة بأكملها.

انتهاك ممنهج للقانون الدولي الإنساني

تنص المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 صراحة على حظر مهاجمة المنشآت والمواد الضرورية لبقاء السكان المدنيين، بما في ذلك منشآت المياه والكهرباء. كما تصنّف المادة 52 من البروتوكول ذاته الهجمات التي تستهدف عمدًا البنى التحتية المدنية على أنها «هجمات غير قانونية وغير متناسبة».

ويُعد استهداف الولايات المتحدة وإسرائيل لمحطة تحلية المياه في قشم في 7 مارس، وما أعقبه من تهديدات أطلقها دونالد ترامب بتدمير منشآت المياه والكهرباء في إيران، مثالًا واضحًا على «انتهاك متعمد ومنهجي» لهذه القواعد. كما أن المحكمة الجنائية الدولية صنّفت في المادة 8 من نظام روما الأساسي لعام 1998، وكذلك في سوابقها القضائية، «الهجوم المتعمد على المنشآت المدنية» على أنه «جريمة حرب».

نموذج غزة: سابقة واضحة لجريمة ضد الإنسانية

طبّقت إسرائيل هذا النمط بوضوح خلال حرب غزة (2023–2024). ووفقًا لتقارير اليونسكو ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، جرى استهداف منشآت المياه والكهرباء والمستشفيات والمدارس بشكل ممنهج في قطاع غزة. وأفادت الأمم المتحدة في تقرير صادر في فبراير 2024 بأن «95% من سكان غزة لا يحصلون على مياه شرب آمنة»، معتبرة أن هذه الإجراءات قد ترقى إلى «تطهير عرقي» و«جريمة ضد الإنسانية».

كما أشارت محكمة العدل الدولية في قرارها المؤقت في يناير 2024، في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، إلى أن الإجراءات الإسرائيلية في غزة «قد ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية»، وأمرت بوقف الهجمات على البنى التحتية المدنية. إلا أن إسرائيل واصلت هذه الهجمات، في حين هددت الولايات المتحدة بتطبيق النهج ذاته في إيران.

ترامب وعقيدة “تدمير الحضارة”

لم يُخفِ دونالد ترامب هذه التوجهات، بل قدّمها كاستراتيجية معلنة، مهددًا بإعادة إيران إلى «العصر الحجري» وتدمير «حضارة كاملة خلال ليلة واحدة» عبر استهداف منشآت المياه والكهرباء.

وتُعد هذه التصريحات انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي، إذ تحظر المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أي دعاية للحرب أو التحريض على العنف ضد المدنيين، كما تنص المادة 30 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه لا يجوز لأي دولة، بذريعة الحرب، انتهاك الحقوق الأساسية، بما في ذلك الحق في الوصول إلى المياه.

رد فعل دولي ضعيف

اقتصر رد فعل الأمم المتحدة على بيانات إدانة دون إجراءات فعالة. وتُظهر التجربة أن الإدانات الشكلية دون آليات تنفيذية لا تؤثر على سياسات الولايات المتحدة وإسرائيل، خاصة في ظل استخدام الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لمنع أي قرارات ملزمة.

وقد أظهر المجتمع الدولي عجزًا واضحًا في مواجهة انتهاكات القوى الكبرى، كما حدث في غزة، حيث قُتل أكثر من 70 ألف مدني دون اتخاذ إجراءات فعالة. وقد أرسل هذا الواقع رسالة مفادها أن استمرار انتهاك القانون الدولي ممكن دون عواقب.

هشاشة المنطقة

تشير البيانات إلى وجود مستويات مرتفعة من الاعتماد على محطات تحلية المياه في دول المنطقة، إلى جانب محدودية مخزون مياه الشرب، ما يعكس درجة عالية من الهشاشة. ففي الإمارات وقطر والكويت، يصل الاعتماد على تحلية المياه إلى نحو 90%، في حين لا يتجاوز مخزون مياه الشرب ما بين 3 إلى 5 أيام في الإمارات وقطر، و3 إلى 7 أيام في الكويت. كما تسجل البحرين مستوى اعتماد يبلغ نحو 85%، مع مخزون يتراوح بين 3 و7 أيام.

أما في السعودية، فيبلغ الاعتماد على التحلية نحو 70%، مع مخزون يتراوح بين 5 إلى 7 أيام، في حين تعتمد عُمان بنسبة تقارب 60%، مع مخزون مماثل يتراوح بين 5 إلى 7 أيام. في المقابل، تسجل إيران مستوى اعتماد أقل على تحلية المياه، يقدّر بنحو 30% ويتركز بشكل أساسي في المناطق الساحلية الجنوبية، فيما يتراوح مخزون مياه الشرب في بعض مناطقها بين أسبوعين إلى أربعة أسابيع.

وفي ما يتعلق بالموارد المائية المتجددة، فإن معظم دول الخليج تسجل مستويات متدنية للغاية تقل عن 100 متر مكعب للفرد سنويًا، بينما تبلغ هذه النسبة في إيران نحو 1700 متر مكعب للفرد، ما يعكس فارقًا كبيرًا في القدرة المائية الطبيعية بين إيران وبقية دول المنطقة.

يُظهر تحليل هذه البيانات أن دول الخليج تقف على حافة الهاوية. ففي الإمارات وقطر والكويت والبحرين، ومع اعتماد يتراوح بين 85% و90% على محطات تحلية المياه، ومخزون لا يكفي لأكثر من أقل من أسبوع، تبدو هذه الدول شديدة الهشاشة. ما يعني أن أي هجوم ناجح يستهدف اثنتين أو ثلاثًا من المنشآت الرئيسية كفيل بترك كامل سكان هذه الدول دون مياه خلال خمسة أيام فقط، وهو ما لا يعني مجرد كارثة إنسانية، بل قد يقود إلى انهيار كامل في النظامين الاجتماعي والسياسي.

أما السعودية، فرغم أن وضعها يبدو أفضل نسبيًا، مع اعتماد يبلغ نحو 70% ومخزون يتراوح بين خمسة إلى سبعة أيام، فإنها لا تزال في حالة حرجة، إذ تعتمد العاصمة الرياض بشكل كامل على مياه التحلية القادمة من الخليج، وأي خلل في هذه المنظومة قد يهدد حياة نحو سبعة ملايين شخص.

في المقابل، تتمتع إيران بقدر نسبي من المرونة، إذ يبلغ اعتمادها على تحلية المياه نحو 30% يتركز في السواحل الجنوبية، فيما يصل مخزون المياه في بعض مناطقها إلى ما بين أسبوعين وأربعة أسابيع. غير أن العامل الحاسم يتمثل في أن إيران واجهت لسنوات طويلة أزمة شح المياه واكتسبت خبرة في إدارتها، ما يجعلها أقل عرضة للانهيار من الناحية التشغيلية، رغم هشاشة بعض مواردها الطبيعية.

كارثة تلوح في الأفق

في السيناريو الأول، إذا واصلت الولايات المتحدة وإسرائيل استهداف البنى التحتية، فإن أولى الضحايا ستكون دول الخليج، نظرًا لتركّز منشآت التحلية في مواقع ساحلية محدودة يسهل استهدافها. وقد يؤدي ذلك إلى أزمة إنسانية فورية، حيث يجد ملايين الأشخاص أنفسهم دون مياه صالحة للشرب خلال ثلاثة إلى سبعة أيام. كما قد ينهار النظام الصحي نتيجة تعطل المستشفيات التي تعتمد على المياه، وتنتشر الأمراض الوبائية مثل الكوليرا والتيفوئيد والدوسنتاريا. وفي ظل أنظمة تقوم على تقديم الخدمات مقابل الاستقرار، قد يؤدي انهيار إمدادات المياه إلى اضطرابات اجتماعية واسعة تصل إلى حد الانهيار السياسي وسقوط الحكومات.

وفي سيناريو آخر، فإن استهداف منشآت التحلية قد يؤدي إلى تسرب مواد كيميائية سامة إلى مياه الخليج، ما يخلق مناطق بيئية ميتة تدوم آثارها لسنوات، نظرًا لكون الخليج ممرًا مائيًا شبه مغلق. وهذا يعني أن استخدام مياه البحر للتحلية قد يصبح غير ممكن لأشهر أو حتى سنوات، حتى بعد انتهاء الحرب.

تحذيرات إلى المجتمع الدولي

إن استهداف منشآت المياه والكهرباء لا يمثل فقط جريمة حرب واضحة، بل يشكل قنبلة موقوتة تهدد استقرار غرب آسيا بأكمله. كما أن تحويل المياه إلى سلاح يهدد بإزالة الخط الفاصل بين الحرب وبقاء المدنيين بشكل دائم.

وفي حال كان المجتمع الدولي لا يزال قادرًا على التحرك، فإنه مطالب باتخاذ خطوات عاجلة، تشمل إنشاء آلية رقابة دولية على الهجمات ضد البنى التحتية الحيوية، والضغط عبر مبدأ «مسؤولية الحماية» لدفع مجلس الأمن إلى إصدار قرار يمنع استهداف منشآت المياه والكهرباء، إضافة إلى فتح تحقيقات أمام المحكمة الجنائية الدولية بحق المسؤولين عن هذه الأفعال باعتبارها جرائم حرب.

غير أن الواقع يشير إلى أن استمرار وجود حق النقض في مجلس الأمن يسمح للقوى الكبرى بالإفلات من المساءلة، ما يجعل الإدانات الأخلاقية وحدها غير كافية. وفي ظل ذلك، يبقى سكان غرب آسيا، من غزة إلى الخليج وإيران، الضحايا الأساسيين لهذا التصعيد، في وقت لا بديل فيه للمياه، ما يجعل ما يمكن تسميته بـ«الإبادة عبر المياه» أحد أخطر أشكال الجرائم ضد الإنسانية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

16 − ستة =

زر الذهاب إلى الأعلى