الخروج من سجن المضائق: هل ينجح العراق في كسر «عقدة» هرمز عبر البوابة السورية؟

يمثل إعلان إعادة افتتاح معبر “ربيعة – اليعربية” مع سوريا تحولاً مهماً يتجاوز البعد الإداري، ليكون بمثابة “حركة شطرنج” جيوسياسية تهدف لتنويع المسارات التجارية.

ميدل ايست نيوز: يمثل إعلان إعادة افتتاح معبر “ربيعة – اليعربية” مع سوريا تحولاً مهماً يتجاوز البعد الإداري، ليكون بمثابة “حركة شطرنج” جيوسياسية تهدف لتنويع المسارات التجارية. ووفقاً للخبير الاقتصادي منار العبيدي، فإن هذه الخطوة تنهي ارتهان العراق لممر مائي وحيد، وتفتح رئة اقتصادية تربط الموصل بموانئ المتوسط، مما يقلل المسافات والمخاطر، ويؤسس لمرحلة جديدة من التكامل اللوجستي والأمني الإقليمي.

منافذ برية

ويقول الخبير الاقتصادي منار العبيدي، في حديث لـ”العالم الجديد”، إن ”إعادة تفعيل معبر ربيعة – اليعربية بين العراق وسوريا في عام 2026 لا يمكن النظر إليها بوصفها مجرد إجراء إداري حدودي، بل تمثل حركة (شطرنج) الجغرافيا السياسية والاقتصادية في المنطقة”، مبيناً أن ”هذه الخطوة ترتبط مباشرة بتحولات أوسع فرضتها التطورات الإقليمية ومسارات التجارة والبحث عن بدائل أكثر أمنا ومرونة للاقتصاد العراقي”.

وأعلن مجلس محافظة نينوى، الثلاثاء (21 نيسان أبريل 2026) دخول النشاط الاقتصادي والتجاري عبر معبر ربيعة الحدودي بين العراق وسوريا حيز التنفيذ، مع بدء تدفق القوافل التجارية في كلا الاتجاهين، بحسب ما تابعته “العالم الجديد”.

ويضيف العبيدي، أن “قراءة هذه الخطوة تبدأ من مبدأ توزيع المخاطر، إذ إن العراق، على مدى سنوات طويلة، ظل رهينة ممر مائي واحد يتمثل في مضيق هرمز، وهو ما جعله عرضة لهزات كبيرة كلما تعرض هذا المنفذ لأي تهديد أو إغلاق أو توتر أمني”، مشيراً إلى أن “إغلاق مضيق هرمز دفع العراق إلى التفكير بشكل أكثر جدية بالمنافذ البرية عبر سوريا والأردن، بحيث لم يعد الأمر خياراً ثانوياً أو ترفياً، بل تحول إلى ضرورة استراتيجية فرضتها الوقائع”.

ممر اقتصادي قصير

ويرى الخبير الاقتصادي، أن ”هذا التوجه يمكن اعتباره تحولاً فعلياً من حيث النوايا العراقية، إلا أن استمراريته ونجاحه على المدى المتوسط والبعيد يبقيان مرهونين بعامل أساسي، يتمثل في استقرار الداخل السوري، لأن أي خط بديل لا يمكن أن يتحول إلى مسار تجاري مستدام ما لم يكن قائما على بيئة مستقرة سياسيا وأمنيا ولوجستيا”.

ويشير إلى أن ”أهمية معبر ربيعة لا تتوقف عند كونه منفذاً حدودياً فقط، بل تكمن أيضاً في أنه يربط الموصل بموانئ البحر المتوسط، ولا سيما اللاذقية وطرطوس، وهو ما يمنح العراق ممراً أقصر للبضائع القادمة من أوروبا، مقارنة بالطريق البحري الذي يلتف حول شبه الجزيرة العربية حتى يصل إلى ميناء أم قصر”، عاداً ”هذه النقطة تمنح الخط بعداً اقتصادياً واضحاً، لأنها تخفض المسافات وتفتح باباً لخيارات لوجستية جديدة يمكن أن يستفيد منها السوق العراقي إذا جرى الاستثمار فيها بشكل مدروس”.

سلة غذاء للعراق

وفيما يتعلق بقدرة هذا الخط على تعويض الخلل في الاستيراد والتصدير، يؤكد العبيدي أن ”الإجابة في الوقت الحالي تبقى جزئياً فقط”، موضحا أن ”سوريا يمكن أن تمثل للعراق سلة غذاء ومصدراً مهماً لمواد إنشائية عدة، فضلاً عن أن هذا الخط قد يسهل وصول بضائع لبنانية ومصرية إلى الداخل العراقي، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع تعويض الحجم الضخم من التبادل التجاري الذي يمر حالياً عبر موانئ البصرة أو عبر الحدود التركية والإيرانية”.

بنية تحتية متهالكة

لكن الخبير الاقتصادي ينوه إلى أن ”المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في رغبة فتح الخط، بل في الجاهزية الفعلية للبنية التحتية التي يفترض أن تحمل هذا التحول”، مشيراً إلى أن ”الطرق البرية والجسور الممتدة من نينوى باتجاه الحدود السورية لا تزال تحتاج إلى استثمارات ضخمة، حتى تتمكن من تحمل ضغط الشاحنات العملاقة وحركة النقل التجاري المستمرة، وهذا الجانب لا يزال يمثل أحد أبرز مواطن الضعف في المشروع”.

ويردف، أن ”العراق يفتقر أيضاً، في الوقت الحالي، إلى مناطق حرة متطورة عند معبر ربيعة، تكون قادرة على إدارة عمليات التخزين وإعادة التصدير بشكل مستدام ومنظم، وغياب مثل هذه البنى اللوجستية يعني أن المعبر، حتى لو نشط، سيظل محدود الأثر ما لم يتحول إلى عقدة تجارية متكاملة وليست مجرد نقطة عبور فقط”.

بوابة على المتوسط

ويواصل العبيدي حديثه: “الاستدامة الحقيقية لهذا الخط تحتاج إلى ما هو أبعد من حركة الشاحنات، إذ إن غياب الربط السككي، وهو المشروع الحلم، سيبقي النقل البري مرتفع الكلفة وعرضة للابتزاز أو التعطيل أو العقبات الأمنية، لذا أي رؤية بعيدة المدى لهذا المسار يجب أن تضع في أولوياتها ربطا سككياً فعالا إذا ما أراد العراق أن يحول هذا الخط إلى رئة اقتصادية حقيقية”.

ويتابع، أن ”هذا الانفتاح لا يمكن فصله عن مفهوم الاقتصاد السياسي، لأن العراق لا يتحرك هنا فقط بدافع الحاجة التجارية، بل يحاول أيضا بناء شراكات إقليمية متعددة، تقوم على مبدأ تنويع المسارات وعدم الارتهان لجهة واحدة”، مستطرداً أن ”بغداد، كما تسعى إلى الربط مع الخليج عبر مشاريع الطاقة والربط الكهربائي، وتسعى إلى طريق التنمية مع تركيا، فإنها ترى أيضا في سوريا بوابة ضرورية للوصول إلى المتوسط”.

رئة اقتصادية إضافية

ويعتقد الخبير الاقتصادي، أن “هذا المسار قد يحمل بطبيعته أبعاداً سياسية، لأن الانفتاح على دمشق يمكن أن يفسره بعض الفاعلين الإقليميين والدوليين بوصفه تقارباً مع محور معين، إلا أن العراق يحاول تسويق هذا الانفتاح باعتباره حاجة اقتصادية بحتة، هدفها إنعاش المناطق المحررة، ولا سيما نينوى وصلاح الدين، وإيجاد متنفس جديد لحركة التجارة والسلع وإعادة النشاط إلى المناطق الغربية والشمالية”.

ويكمل: “معبر ربيعة يمكن وصفه بأنه رئة إضافية للاقتصاد العراقي، لكنه لن يعمل بكامل طاقته إلا إذا توافرت له شروط أساسية، في مقدمتها الاستقرار السياسي، والابتعاد عن صراعات المحاور، وتطوير البنية التحتية بشكل لا يجعل هذا الخط رهينة لتقلبات الطقس أو التوترات أو الحسابات السياسية”.

ويخلص الى أن “ما يجري اليوم يمثل بداية مهمة، لكنه ليس حلاً نهائياً ولا بديلاً كاملاً عن المنافذ الكبرى القائمة، بقدر ما هو محاولة لتخفيف الاختناق وإعادة توزيع المخاطر وفتح نافذة جديدة أمام الاقتصاد العراقي”، مؤكداً أن “نجاح هذا التوجه يتطلب إرادة اقتصادية واضحة، واستثمارات حقيقية، ورؤية سياسية تتعامل مع المعبر كجزء من مشروع استراتيجي طويل الأمد، لا كإجراء ظرفي فرضته أزمة إقليمية عابرة”.

وقال عضو مجلس نينوى محمد عارف، في تصريح له اطلعت عليه “العالم الجديد”، إن الحركة التجارية والاقتصادية عبر معبر ربيعة، الذي أعيد افتتاحه بحضور رسمي، دخلت حيز العمل الفعلي من خلال عبور قوافل تجارية محملة بالبضائع بين البلدين.

وأوضح أن هناك خطة أمنية عليا وإشرافاً مباشراً يرافقان إدارة المعبر، بما يبدد المخاوف المتعلقة بملف التبادل التجاري، مشيرا إلى أن “حركة المسافرين لم تسجل حتى الآن، إذ لا يزال هذا الملف مؤجلاً إلى إشعار آخر”.

وأضاف، أن “تدفق البضائع المستوردة والمصدرة مستمر ويشهد تصاعداً تدريجياً”، لافتا إلى أن “إدارة المعبر اتحادية وتخضع لخطة مركزية متعددة المسارات، خاصة في الجانب الأمني، بما يضمن استقرار العمل وحماية المنطقة”.

وتابع، أن الفترة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد حجم النشاط الاقتصادي والتجاري عبر المعبر، وفق آليات التبادل المعتمدة بين العراق وسوريا.

ويعد معبر ربيعة الحدودي أحد المنافذ الحيوية للتبادل التجاري بين العراق وسوريا، إذ يمثل شرياناً مهما لحركة البضائع وتنشيط الاقتصاد المحلي، ولا سيما في المناطق الغربية من المحافظة.

وكان المعبر قد شهد إغلاقاً لسنوات بسبب الأوضاع الأمنية والتوترات في المناطق الحدودية، قبل أن تعود الجهود الحكومية لإعادة تشغيله ضمن خطط تنشيط التجارة وتعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان + 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى