بين لحظة التفاوض وفخّ الاستنزاف: متى تُغلق نافذة السلام؟

تتسم ساحات الأزمات السياسية، بما في ذلك الحروب والأوضاع الراهنة، بدرجة عالية من التقلب والديناميكية، ما يجعل عامل الزمن متغيراً حاسماً في إدارتها.

ميدل ايست نيوز: تتسم ساحات الأزمات السياسية، بما في ذلك الحروب والأوضاع الراهنة، بدرجة عالية من التقلب والديناميكية، ما يجعل عامل الزمن متغيراً حاسماً في إدارتها. وغالباً ما يُشار إلى أن الأزمات تبلغ نقطة هبوط تتوافر عندها «نافذة ذهبية» للتوصل إلى اتفاق، وإذا لم يُستفد من تلك اللحظة، فقد يتحول النزاع إلى صراع استنزافي طويل الأمد. وقد برز هذا النمط في الحرب الأوكرانية، حيث توفرت في مراحل معينة ظروف ميدانية مواتية لروسيا أو لأوكرانيا كان يمكن أن تفضي إلى تسوية، غير أن الطرفين اعتبرا نفسيهما في موقع المنتصر وامتنعا عن تقديم تنازلات، فاستمر النزاع إلى يومنا هذا.

يقول رحمن قهرمان بور، الخبير في الشؤون الدولية، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد، إن هذا المنطق ينطبق على الحرب الأخيرة، إذ تتمثل المسألة الجوهرية في تحديد التوقيت الأنسب للتفاوض وخفض التصعيد. ونظراً إلى أن الطرف المقابل لإيران لا يقتصر على دولة واحدة، بل يشمل عدة أطراف، فإن تحول الأزمة إلى مسار استنزافي أو تعثر التوصل إلى وقف إطلاق نار أو سلام مستدام سيحمل كلفة أكبر على إيران، وإن كانت الأطراف الأخرى ستتكبد خسائر أيضاً. تشير المعطيات إلى أن الولايات المتحدة تميل حالياً إلى خيار التهدئة والتفاوض، غير أن اختلال ميزان القوة في أي نزاع يعني أن الطرف الأضعف يكون أكثر عرضة للضرر. وفي هذا السياق، لم تحقق واشنطن كامل أهدافها، فيما يسعى دونالد ترامب إلى الخروج بمكسب سياسي واضح يمكن تقديمه باعتباره نتيجة ملموسة للحرب.

وبناء على ذلك، يُفترض أن يكون ترامب مستعداً لتقديم بعض التنازلات. إلا أن تقدير الموقف داخل إيران قد يرى أن الوقت لم يحن بعد للتسوية وأن استمرار الأزمة قد يحقق مكاسب إضافية. غير أن أدبيات إدارة الأزمات والصراعات الدولية تفيد بأن إطالة أمد النزاع في ظل تفاوت القدرات يؤدي إلى خسائر أكبر للطرف الأقل قوة. ومن ثم، فإن إيلاء عامل الزمن أهمية قصوى في أي استراتيجية مطروحة يظل أمراً حاسماً، لأن تجاوز «النافذة الذهبية» قد يفضي إلى تعقيد الموقف في حال تحول النزاع إلى حرب استنزاف.

كما أن الوضع الذي أفرزه ترامب وضع الكرة في الملعب الإيراني، مع إظهار الولايات المتحدة دولياً بمظهر الداعم للتفاوض، مقابل تصوير إيران على أنها تتجنب طاولة الحوار. ويُعرف هذا في علم السياسة بـ«الوجه الثاني للقوة»، حيث يُبقي الطرف الآخر في حالة تعليق تحول دون قدرته على اتخاذ قرار حاسم.

وتُعد حالة التعليق من أسوأ الحالات على مستوى صنع السياسات والحكم، إذ تحرم الدولة من أفق واضح طويل المدى يشجع على الاستثمار واستقرار الأوضاع. ويتجلى ذلك في استمرار التعليم عن بُعد في المدارس والجامعات، بما يعكس وضعاً انتقالياً غير محسوم. واستمرار هذا الغموض يفاقم الاضطراب المجتمعي ويضعف منظومة اتخاذ القرار، لتصبح السياسة والمجتمع والاقتصاد جميعها في حالة انتظار، ما يعطل الاستثمارات ويزيد كلفة الإدارة الاقتصادية والاجتماعية.

وفي ظل هذا المشهد، تبرز دعوات داخل بعض الأوساط السياسية إلى مواصلة التصعيد، غير أن مقاربة الكلفة والعائد تفرض نفسها عند تقييم جدوى استمرار الوضع القائم. فحالة «اللا حرب واللا سلم» لا تضمن أن تؤول في النهاية إلى تسوية، وقد تتقلب بين تمديد وقف إطلاق النار أو انهياره. وتضارب الأنباء بشأن مدة الهدنة يعمق حالة عدم اليقين ويزيد الأعباء على الاقتصاد والمجتمع.

في المحصلة، يتعين على صانع القرار ألا يفوّت لحظة التفاوض التي تتيح تحصيل مكاسب ممكنة، مستحضراً تجربة الحرب الأوكرانية، حيث أُهدرت فرص تسوية في مراحل سابقة، ولم تعد الشروط نفسها متاحة لاحقاً. كما تراجعت حماسة الوسطاء بمرور الوقت. ومن ثم، فإن حسن استثمار الإطار الزمني المتاح لإدارة عملية تبادل التنازلات والمكاسب يظل عاملاً حاسماً في تحديد مسار النزاع ومآلاته.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين + عشرين =

زر الذهاب إلى الأعلى