إيران… تصاعد الجدل حول مشروع «إنترنت برو» ونظام الوصول متعدد الطبقات
يبدو أن الوصول إلى «إنترنت برو» ليس حقاً عاماً، بل امتياز تنظيمي ومهني يقتصر على مجموعات محددة، فيما يُستبعد جزء واسع من المجتمع.

ميدل ايست نيوز: يمر أكثر من 50 يوماً على الانقطاع الواسع وعدم الاستقرار في الإنترنت داخل إيران، دون أن تُسجَّل مؤشرات على عودة الإنترنت الدولي أو تحسن ملموس في وضع الاتصالات. في المقابل، يتزايد الحديث في الأوساط الإعلامية وبين شركات الاتصالات عن مشروع «إنترنت برو»، وهو طرح مثير للجدل يقوم على بنية متعددة الطبقات من القيود والتسعير التدريجي والوصول الانتقائي، ما أثار تساؤلات جدية حول العدالة في الاتصال، والشفافية، وحتى تعريف «الوصول الحر» إلى الإنترنت.
إنترنت لم يُفترض أن يكون بديلاً لكنه أصبح كذلك
يُقدَّم هذا النوع من الإنترنت في ظاهره كخدمة «متحكم بها ومدارة»، لكنه عملياً تحوّل إلى نموذج قائم على الدفع، حيث يُطلب من المستخدمين دفع مبالغ مرتفعة لاستخدامه، وفي بعض الحالات تتجاوز تكلفة الباقات المعتادة بعدة أضعاف.
وبحسب معلومات صادرة عن شركات الاتصالات الثلاث في إيران، فإن الباقات الأولية من «إنترنت برو» (بنحو 40 إلى 50 غيغابايت) تصل تكلفتها إلى نحو مليوني تومان. كما أُعلن أن تكلفة كل غيغابايت للخدمات المحلية تبلغ حوالي 8 آلاف تومان، بينما تصل لبعض الخدمات الدولية إلى نحو 40 ألف تومان.
أحد أبرز الانتقادات الموجهة لهذا المشروع يتعلق بالكلفة. ففي ظل تراجع القوة الشرائية وارتفاع التضخم لدى شريحة واسعة من المجتمع، يصبح هذا النوع من الإنترنت غير متاح عملياً لعدد كبير من المستخدمين.
وتشير التقديرات إلى أنه إذا أراد المستخدم الاعتماد بشكل مستمر على «إنترنت برو»، ومع وجود حد يومي يبلغ 5 غيغابايت وسقف شهري 50 غيغابايت، فإن الباقة لن تكفي في أفضل الأحوال سوى نحو 10 أيام.
بروتوكول واحد وتجارب مختلفة
تؤكد الشركات المشغلة أن «إنترنت برو» يعمل وفق بروتوكول موحد، إلا أن تجربة المستخدمين تختلف فعلياً. فوجود سقف استهلاك يومي يبلغ 5 غيغابايت، إلى جانب قيود إضافية على بعض الخدمات، جعل هذا النموذج أقرب إلى «حزمة إدارة استهلاك» منه إلى وصول حر إلى الإنترنت.
عودة إلى السابق أم تراجع إلى الخلف؟
تشير تصريحات غير رسمية لبعض شركات الاتصالات الإيرانية إلى أن الإنترنت سيعود بعد هذه المرحلة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل «أحداث 9 مارس»، أي إلى نمط كان يتيح الوصول إلى محرك البحث «غوغل» والعديد من الخدمات الدولية دون القيود الحالية.
لكن بالتوازي مع هذه الوعود، تم تصميم بنية «إنترنت برو» بطريقة تخلق تجارب مختلفة بين المستخدمين، حيث يُستبدل مفهوم الوصول الحر بالوصول المصنف أو الطبقي.
وقد دفع ذلك بعض المحللين للحديث عن «تعدد طبقات الإنترنت» داخل إيران، وهو نموذج يُحدد فيه نوع الوصول ليس بناءً على الحاجة العامة، بل وفق طبيعة العمل، والانتماء المؤسسي، والقدرة المالية على شراء الباقات والغيغابايت.
إعلام غير واضح وارتباك في القطاعات
من أبرز نقاط الضعف في هذا المشروع غياب الشفافية في الإبلاغ والتوضيح. ويبدو أن حتى بعض القطاعات المهنية لم تحصل على شرح دقيق لآلية التطبيق.
فعلى سبيل المثال، أظهرت متابعة موقع «اقتصاد نیوز» أن منظمة النظام الطبي وفّرت عبر إجراءات إدارية إمكانية طلب «إنترنت برو» للأطباء. ويتطلب ذلك إرسال ملف Excel، وخطاب رسمي على ورق المؤسسة، وتأكيد من جهة مسؤولة، وبعد التحقق من الهوية يتم تفعيل الخدمة خلال 48 ساعة.
لكن في قطاعات أخرى مثل الأخصائيين النفسيين، والمحامين، والمعلمين، وأعضاء بعض الهيئات المهنية مثل نقابة المهندسين، لا يزال الوضع غير واضح. بعض هذه الجهات لم تقدم أي رد، بينما لم يتم حتى الآن إنشاء آلية رسمية لتمكين أعضائها من الوصول إلى الخدمة.
وبناءً على ذلك، يبدو أن الوصول إلى «إنترنت برو» ليس حقاً عاماً، بل امتياز تنظيمي ومهني يقتصر على مجموعات محددة، فيما يُستبعد جزء واسع من المجتمع.
المحرومون من الإنترنت: فئة خارج الجداول الرسمية
وسط كل هذه التصنيفات، توجد فئة غير مرئية عملياً: فرص العمل غير الرسمية والمستقلة.
وتشمل هذه الفئة أفراداً يديرون أعمالاً رقمية أو شبه رقمية دون ارتباط بمؤسسات أو شركات رسمية، من البائعين الصغار عبر الإنترنت إلى العاملين المستقلين وصناع المحتوى.
هؤلاء لا يظهرون في قوائم الجهات الرسمية، ولا يملكون مساراً قانونياً واضحاً للحصول على الخدمة، ولا توجد آلية محددة لمتابعة وضعهم. عملياً، هم خارج النظام، إذ لا يتم الاعتراف بهم ولا يتم توضيح سبب استبعادهم.
وفي ظل عدم وجود أي إحصاءات رسمية وشفافة حول آثار القيود الأخيرة على الاقتصاد أو الأمن أو المجتمع، يزداد طرح سؤال جوهري: هل يمثل نموذج «إنترنت برو» حلاً مؤقتاً أم تحولاً هيكلياً طويل الأمد في طريقة الوصول إلى الإنترنت؟
في غياب الشفافية والتواصل الواضح والمشاركة العامة، يبقى المشهد محكوماً بمجموعة من الغموض حول الأسعار، والوصول، والعدالة، ومستقبل الإنترنت في إيران.


