هل إيران جاهزة لجولة أخرى من الاشتباكات؟
تخيّم أجواء من الشكوك والغموض على مسار المفاوضات الجارية في إسلام آباد، في وقت تقود فيه باكستان جهود وساطة بين طهران وواشنطن وسط مؤشرات متضاربة تهدد مستقبل وقف إطلاق النار الهش.
ميدل ايست نيوز: تخيّم أجواء من الشكوك والغموض على مسار المفاوضات الجارية في إسلام آباد، في وقت تقود فيه باكستان جهود وساطة بين طهران وواشنطن وسط مؤشرات متضاربة تهدد مستقبل وقف إطلاق النار الهش. وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أعرب، عقب مباحثات مكثفة في العاصمة الباكستانية وقبيل توجهه إلى مسقط، عن تشكيكه في جدية الجانب الأمريكي، مشيرًا إلى أن الحكم على نيات واشنطن لا يزال مبكرًا.
في المقابل، أعلن دونالد ترامب إلغاء زيارة مبعوثيه إلى باكستان، مدعيًا أن طهران قدمت مقترحات جديدة في اللحظات الأخيرة، ومتحدثًا عن ارتباك داخل دوائر صنع القرار الإيراني، وهو ما قوبل بردود فعل حادة في الداخل الإيراني.
على الأرض، تعكس التحركات المتبادلة حالة جمود استراتيجي. ففريق الدعم اللوجستي الأمريكي غادر إسلام آباد بعد أسبوعين من وجوده، فيما عاد أعضاء الوفد الإيراني إلى طهران للحصول على توجيهات نهائية قبل استئناف المشاورات. وتتمحور العقد الأساسية حول شروط طهران لإنهاء الحرب بشكل كامل، وفي مقدمتها رفع الحصار البحري والحصول على تعويضات، وهي مطالب ترى طهران أنها غير قابلة للحل عبر مساعٍ شكلية.
من الحصار البحري إلى التهديد بالهجوم الاستباقي
في میاه الخليج، تجاوزت الأزمة مستوى التهديدات الكلامية لتتحول إلى مواجهة استنزاف بحرية. وتعتبر طهران أن الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة على موانئها يمثل خرقًا واضحًا لوقف إطلاق النار. أعلن مسؤولون إيرانيون أن جميع السفن العابرة لمضيق هرمز ستكون ملزمة بدفع رسوم، في خطوة تعكس تحولًا في قواعد الاشتباك البحري. كما صدرت تحذيرات عسكرية تؤكد أن استمرار ما تصفه طهران بأعمال القرصنة البحرية سيقابل برد مباشر من القوات المسلحة الإيرانية.
بالتوازي، لوّح نواب ومسؤولون في إيران بإمكانية تنفيذ ضربات استباقية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل إذا اقتضت الضرورة، معتبرين أن الحصار البحري أفرغ وقف إطلاق النار من مضمونه، وأن الحصول على تعويضات يشكل أولوية وطنية.
الولايات المتحدة ردت بتعزيز وجودها العسكري في المنطقة عبر إرسال حاملة طائرات ثالثة، ما شكّل أكبر حشد بحري أمريكي منذ عام 2003. ويرى محللون أن هذا الانتشار يهدف إلى ترميم قدرة الردع الأمريكية ورفع كلفة أي تصعيد محتمل. في المقابل، يحذر خبراء إيرانيون من أن العودة إلى الحرب قد تعني استهدافًا أوسع للبنى التحتية الحيوية، بما في ذلك منشآت الطاقة، وهو ما قد ينعكس مباشرة على الحياة اليومية والاقتصاد.
استراتيجية الاستنزاف ودراسة الأنماط التاريخية
القراءة السائدة في طهران تعتبر أن أي وقف لإطلاق النار لا يتضمن رفع الحصار وضمانات أمنية طويلة الأمد يظل بلا قيمة. ويستحضر مسؤولون تجربة مواجهات سابقة انتهت بوقف هش أعقبه تصعيد جديد، مؤكدين أن الهدف هذه المرة هو تثبيت معادلة ردع تمنع تكرار الهجمات.
في التحليلات الدولية، يجري تشبيه المقاربة الإيرانية باستراتيجية الاستنزاف طويلة الأمد، القائمة على إطالة أمد الصراع لإضعاف الإرادة السياسية للخصم. ويرى بعض الخبراء الإيرانيين أن أوراق الضغط الفعلية تكمن في القدرة الصاروخية وإدارة مضيق هرمز أكثر من الملف النووي، معتبرين أن التركيز على هذه الأدوات غيّر قواعد التفاوض.
في واشنطن، يواجه ترامب تحديات داخل فريقه التفاوضي، وسط تحذيرات من أن التفاصيل التقنية قد تقلب موازين أي اتفاق محتمل. ويشير مسؤولون أمريكيون سابقون إلى أن الخبرة التراكمية لدى الفريق الإيراني تمنحه أفضلية في إدارة الشروط الدقيقة، ما قد يؤدي إلى اتفاقات تبدو في ظاهرها تنازلات إيرانية لكنها تحمل في طياتها مكاسب معاكسة.
السيناريوهات المطروحة ووساطة القوى الكبرى
على صعيد الوساطة، تواصل باكستان جهودها لمنع انهيار المسار الدبلوماسي، فيما طُرحت مقترحات بإشراك قوى كبرى أخرى مثل الصين للعب دور أكثر فاعلية. وتبرز سيناريوهات عدة: اتفاق محدود يوقف العمليات العسكرية دون معالجة جذور الأزمة، أو عودة إلى مواجهة مفتوحة قد تتخذ طابعًا واسعًا ومدمرًا، أو تبقى ضمن حدود اشتباك محسوب يهدف إلى إعادة رسم خطوط الردع.
المعادلة الراهنة تشير إلى أن طهران نقلت ثقل أوراقها التفاوضية من الملف النووي إلى أدوات ضغط ميدانية مباشرة، معتبرة أن الحفاظ على قدراتها الصاروخية ونفوذها البحري يمثلان جوهر أي تسوية مقبلة. وبينما تتواصل التحركات بين إسلام آباد ومسقط، يبقى مصير التهدئة مرهونًا بقدرة الوساطات على تفكيك عقد الحصار وضمانات الأمن، في ظل استعداد معلن من الجانبين لاحتمالي التصعيد أو التسوية.



