واشنطن «تُعمّد» الزيدي: ترحيب أمريكي «دافئ» يمهد لموجة تهانٍ عربية ودولية

في ظل نظام سياسي هش محكوم بمعادلات المحاصصة، يبرز تكليف علي الزيدي كمتغير مفاجئ استدعى ترحيباً غربياً وعربياً ملفتاً، بدءاً من واشنطن ولندن وصولاً إلى دمشق وأبوظبي والدوحة.

ميدل ايست نيوز: في ظل نظام سياسي هش محكوم بمعادلات المحاصصة، يبرز تكليف علي الزيدي كمتغير مفاجئ استدعى ترحيباً غربياً وعربياً ملفتاً، بدءاً من واشنطن ولندن وصولاً إلى دمشق وأبوظبي والدوحة. ورغم هذا الانفتاح الدبلوماسي، يرى محللون أن القبول الدولي يظل “مشروطاً” ومحكوماً بمنطق الضغوط والمصالح؛ حيث تُستخدم ملفات الاقتصاد كأدوات توجيه لضمان عدم انزلاق الحكومة نحو محاور إقليمية مغلقة، مما يضع السيادة الوطنية أمام اختبار حقيقي.

إشكالية وعقدة

ويقول الباحث في الشأن السياسي قاسم الغرواي، إن ”الأسئلة ذاتها تعود لتفرض نفسها بثقل أكبر مع كل تشكيل حكومي، ولا سيما ما يتعلق بآلية اختيار الوزراء وموقع الولايات المتحدة من معادلة توزيع الحقائب، خصوصاً حين يتعلق الأمر بشخصيات تحمل انتماءات سياسية حادة أو ارتباطات بفصائل نافذة”، معتبراً أن ”هذه الإشكالية تحولت إلى عقدة تتحكم بطبيعة العلاقة بين الإدارة الأمريكية والطبقة السياسية المعنية بتشكيل الحكومة”.

ويضيف، أن ”واشنطن لا تنظر إلى تشكيل الحكومة العراقية بوصفه استحقاقاً سيادياً خالصاً، إذ لا تعترض بالضرورة على الانتماء بحد ذاته، لكنها تراقب بدقة هذا الانتماء داخل الدولة، ما يجعل موقفها قائماً على القبول المشروط لا الرفض المطلق، حيث تتحكم به أسئلة غير معلنة تتعلق بمدى قابلية الوزير للاحتواء وإمكانية ضمان سلوكه داخل المنظومة الرسمية”.

وحصل رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، اليوم الأربعاء (29 نيسان أبريل 2026)، على ضوء أخضر أمريكي للمضي في مهمته بتشكيل الحكومة الجديدة، بالتزامن مع تفويض من الإطار التنسيقي في اختيار أعضاء كابينته الوزارية.

وأعربت البعثة الأمريكية العاملة في العراق، في بيان على صفحتها الرسمية في فيسبوك، عن أطيب تمنياتها للزيدي في مساعيه لتشكيل حكومة قادرة على تحقيق تطلعات جميع العراقيين، ودعم مستقبل أكثر إشراقاً وسلاماً.

وأضافت البعثة، أنها تعلن تضامنها مع الشعب العراقي الساعي إلى تحقيق الأهداف المشتركة، المتمثلة في صون سيادة العراق، وتعزيز الأمن لدحر الإرهاب، وبناء مستقبل مزدهر يحقق فوائد ملموسة للأمريكيين والعراقيين.

وزارات ومفاتيح

ويتابع الغراوي، أن ”تعقيد المشهد يتزايد مع اختلاف أساليب الإدارات الأمريكية دون تغير أهدافها، فبين دبلوماسية هادئة تميل إلى تمرير التسويات مقابل ضمانات، ونهج أكثر تشدداً يستخدم أدوات الضغط والعقوبات، تبقى الغاية واحدة وهي منع انزلاق الحكومة العراقية نحو محور مغلق لا يراعي المصالح الأمريكية في الأمن والطاقة والاقتصاد”.

ويعتقد، أن ”الوزارات السيادية تمثل مساحة اختبار حقيقية، إذ إن الدفاع والداخلية والمالية والنفط ليست مجرد حقائب خدمية بل مفاتيح سيطرة على مفاصل الدولة، وهنا يتراجع هامش التسامح الأمريكي ويعلو سقف التدقيق، لأن أي اختلال في هذه المواقع يقرأ بوصفه تحولاً استراتيجياً في اتجاه الدولة”.

أدوات وإشارات

ويوضح الباحث السياسي، أن ”واشنطن نادراً ما تعلن اعتراضها بشكل صريح، إذ تعتمد أدوات أكثر نعومة وعمقاً، من رسائل دبلوماسية وضغوط غير مباشرة وإشارات عبر الشركاء الدوليين أو ممثلين عن ترامب، وأحياناً التلويح بالعقوبات، فيما يجري كل ذلك خلف الستار، بينما يبدو المشهد في العلن وكأنه نتاج توافقات محلية خالصة”.

ويؤكد، أن ”المشكلة لا تكمن فقط في الموقف الأمريكي، بل في طبيعة النظام السياسي العراقي القائم على المحاصصة والتوازنات، ما يجعله هشاً ومفتوحاً أمام التأثيرات الخارجية”، مبينا إن “غياب معايير الكفاءة لصالح تقاسم النفوذ يسهل على أي طرف خارجي إيجاد موطئ قدم داخل معادلة الاختيار”.

ورحبت سوريا ودولة الإمارات العربية المتحدة، اليوم الأربعاء، بتكليف علي الزيدي رسميا لتشكيل الحكومة المقبلة، مؤكدتان على ضرورة العمل على تعزيز العلاقات الثنائية وتنميتها.

وذكرت رئاسة الجمهورية العراقية في بيان رسمي، أن الرئيس نزار آميدي، تلقى اتصالاً هاتفياً من نظيره السوري أحمد الشرع، وناقشا “العلاقات الثنائية بين البلدين وأهمية تعزيزها”.

كما تلقى رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي اتصالاً هاتفياً من نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة منصور بن زايد آل نهيان، هنَّأه فيه بمناسبة تكليفه رسمياً لتشكيل الحكومة الجديدة، وجرى خلال الاتصال بحث العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها وتنميتها في جميع المجالات لما فيه خير الشعبين والبلدين الشقيقين، وفقا بيان لمكتب الزيدي.

دولة هشة

ويرى الغراوي، أن ”أخطر ما في هذا المشهد ليس قبول واشنطن بوزير أو رفضها له، بل تحول القرار العراقي إلى ساحة اختبار لرضا الآخرين”، لافتاً إلى أن ”الدولة التي تبنى وفق معايير الخارج تظل دولة هشة قابلة للاهتزاز مع كل تغيير في المزاج الدولي”.

ويختتم بالقول، إن ”العراق لا يحتاج إلى وزراء يمرون عبر التوازنات، بل إلى وزراء يعبرون بها نحو دولة حقيقية، ويقاسون بقدرتهم على حماية السيادة لا بمهارتهم في التكيف مع الضغوط، لذا التساؤل هو إذا كان العراق سيبقى رهينة لتقلبات المزاج الأمريكي والإقليمي”، مشدداً على ”ضرورة الحفاظ على سيادة البلاد ومنع انزلاقها تحت تأثير الضغوط الخارجية”.

وتلقى الزيدي، أمس الثلاثاء (28 نيسان أبريل)، اتصالاً هاتفياً من رئيس مجلس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن ال ثاني، هنأه فيه بمناسبة تكليفه بتشكيل الحكومة.

وجرى خلال الاتصال بحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، وتوسيع مجالات التعاون المشترك بما يخدم المصالح المتبادلة.

كما أكد الجانبان أهمية التنسيق حيال القضايا والتحديات، بما يسهم في ترسيخ الاستقرار ودعم مسارات التنمية.

وفي اليوم ذاته، رحب السفير البريطاني في بغداد عرفان صديق بتكليف علي الزيدي رئيساً للوزراء، وقال في تدوينة على منصة “إكس”، إن المملكة المتحدة ترحب بتكليف رئيس وزراء جديد في العراق، وتتمنى للزيدي النجاح في تشكيل حكومة جديدة بسرعة.

وأضاف، أن المملكة المتحدة تتطلع إلى العمل مع الحكومة الجديدة على التحديات العاجلة التي تواجه العراق، لا سيما في مجالي الأمن والاقتصاد.

مقبولية أمريكية

من جهته، يقول المحلل السياسي المقرب من الإطار علي فضل الله، إن ”ترحيب السفارة الأمريكية بترشيح السيد علي الزيدي لتشكيل الحكومة يعكس وجود مقبولية له لدى الجانب الأمريكي”، مبيناً أن “هذا الترحيب يختلف عن الموقف الذي اتخذ تجاه نوري المالكي، والذي قوبل بهجوم حاد من قبل الولايات المتحدة”.

ويضيف، أن ”الجانب الأمريكي بات يدير المشهد العراقي من خلال أدوات أمنية واقتصادية، لا سيما ملف الدولار، حيث أصبح وسيلة ضغط، في ظل سيطرة البنك الفيدرالي الأمريكي على مبيعات النفط العراقية وفق القرار الرئاسي 13303، المجحف بحق السيادة العراقية”.

ويوضح فضل الله، أن “هذا الواقع يتزامن مع عجز الحكومات العراقية المتعاقبة عن اتخاذ مواقف دبلوماسية لتحرير الأموال العراقية”، لافتاً إلى أن ”الولايات المتحدة لا تنظر إلى مصلحة العراق بقدر ما تركز على مصالحها، وتتعامل مع الشخصيات التي لا تتعارض مع هذه المصالح، أو التي تنسجم معها”.

وأعلن الإطار التنسيقي، مساء الاثنين (27 نيسان أبريل)، ترشيح علي الزيدي لرئاسة الوزراء، مثمناً “المواقف التاريخية” لرئيس ائتلاف دولة القانون نوري كامل المالكي، ورئيس ائتلاف الإعمار والتنمية محمد شياع السوداني، عبر التنازل عن الترشيح لرئاسة وتشكيل الحكومة المقبلة.

أداة ووسيلة

ويشير المحلل السياسي إلى أن ”الترحيب الأمريكي بأي شخصية سياسية يثير الشكوك، وقد يجعلها موضع تساؤل وعدم ثقة لدى الشارع العراقي”، معتبراً أن ”هذا الترحيب يتناقض أحياناً مع العقوبات المفروضة على مؤسسات مرتبطة بتلك الشخصيات”.

ويتابع، أن ”العقوبات الأمريكية لا تستخدم فقط كأداة تقويم، بل تستثمر كوسيلة ابتزاز لتحقيق المصالح الأمريكية، سواء تجاه دول أو مؤسسات أو شخصيات. وهذه السياسة استمرت لسنوات طويلة تجاه كيانات عراقية مختلفة”.

ويؤكد أن ”بعض الشخصيات المتهمة بالفساد المالي والإداري، والمطلوبة للقضاء العراقي، تقيم في الولايات المتحدة أو دول غربية، ما يعزز، فكرة توظيف العقوبات لخدمة أهداف سياسية واقتصادية”.

ويختتم بالقول، إن الولايات المتحدة تستغل ملف العقوبات للضغط على الكيانات العراقية ودفعها إلى الانصياع، بما يحقق مصالحها داخل العراق والمنطقة”.

ترحيب مرحلي

وبين قراءة ترى الترحيب الأمريكي مؤشراً مقلقاً، وأخرى تعده مجرد موقف مرحلي مشروط، تتقاطع رؤيتا المحللين لتكشفا أن المشهد لا يدار بالدعم، بل بمنطق الضغط وتبادل المصالح.

وفي الإطار، يعلق المحلل السياسي حسين الكناني، أن “طبيعة الموقف الأمريكي تتوقف على حجم الاستجابة للمطالب التي تطرحها واشنطن، وهذه المطالب لن تتوقف عند حد معين، وأن الترحيب الحالي يعد مرحلياً، وقد لا يكون بصورة معلنة”.

ويضيف الكناني أن” الولايات المتحدة لا تقدم دعماً حقيقياً في هذا الإطار، بل تتحمل الإدارة الأمريكية آثار وتبعات الحكومة”، مشيراً إلى أنها ”قد تمارس ضغوطاً وخنقاً من أجل فرض الاستجابة لمطالب صعبة تتجاوز قدرة الحكومة العراقية”.

ويرى، أن ”العقوبات التي تفرضها وزارة الخزانة الأمريكية على العديد من الجهات، سواء بسبب أو من دون سبب، لن تكون مانعاً حقيقياً أمام التعامل أو عدمه”، لافتاً إلى أن ”هذه الإجراءات لا تشكل عائقاً حاسماً في تحديد مسار العلاقات أو التفاعلات السياسية”.

ووجه رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني وزراء حكومته بتقديم الدعم لرئيس الوزراء المكلف خلال مدة التكليف، وتسهيل عمل الحكومة الجديدة.

وقال السوداني، وفق بيان صحفي، إن الكتلة النيابية الأكثر عدداً تمكنت من تسمية مرشح لرئاسة الحكومة، وصدر كتاب التكليف الدستوري له من قبل رئيس الجمهورية، موجهاً الأمانة العامة لمجلس الوزراء بتشكيل لجنة مركزية مع جميع الوزارات لإعداد الحقيبة الوزارية لكل وزير.

وأضاف، أن المطلوب من كل وزير تقديم إيجاز واضح يساعد الوزير الجديد على معرفة الملفات المهمة، ويتضمن تقييماً للعمل والمديرين بأمانة وطنية ومهنية.

وسيكون أمام الزيدي 30 يوماً لإكمال أعضاء حكومته، قبل تقديمهم إلى البرلمان وكسب ثقة 50+1 من أعضائه البالغ عددهم 329 نائباً.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى