الصحافة الإيرانية: الجنوب العالمي الأكثر تعرضاً لاضطرابات الغذاء والأمن الاجتماعي

كان لإيران الحق في ظل تعرضها لهجوم باتخاذ ترتيبات في مضيق هرمز، إلا أن إطالة أمد هذه الإجراءات، كما حدث في أزمات سابقة مثل احتجاز الرهائن أو الحرب مع العراق، لن يكون بالضرورة في مصلحة إيران.

ميدل ايست نيوز: تشهد المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة غياباً للجدية، فيما تبرز مشكلتان، إحداهما داخلية والأخرى خارجية، مرشحتان للتحول إلى أزمة.

يقول الدبلوماسي الإيراني السابق، كوروش أحمدي، في مقال لصحيفة شرق، إن حالة من الضبابية والتعليق على المشهد العام تخيم على أجواء البلاد خلال هذه الأيام. ويمكن أن يؤدي استمرار البطالة وإغلاق أو تباطؤ نشاط المنشآت الاقتصادية، إلى جانب التضخم الناجم عن الحرب، في حال بقاء شبح حرب ثالثة في أجواء البلاد وتراجع الآمال بالمفاوضات، إلى دخول الاقتصاد في حلقة مفرغة من موجات جديدة من البطالة وارتفاع إضافي في معدلات التضخم. ووفق الإحصاءات الرسمية، كان الركود قد بدأ في الربع الأول من عام 2025، أي قبل اندلاع الحرب التي استمرت 12 يوماً.

في الوقت ذاته، ومع توقف عبور الأسمدة والمواد الأولية المرتبطة بها عبر مضيق هرمز، يواجه العالم خطر نشوء أزمة غذائية-مالية خطيرة، خصوصاً في دول الجنوب العالمي. وهنا تبذل مساعي حثيثة من قبل الولايات المتحدة لتحميل إيران مسؤولية أزمة غذائية-مالية محتملة في الجنوب العالمي. يتعين على المسؤولين الإيرانيين إدراك أن التداعيات الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز على المستوى العالمي لا تصيب الولايات المتحدة وأوروبا بالدرجة الأولى، بل تطال بشكل أكبر دول الجنوب العالمي. ففي مجال الطاقة، لا تعتمد إسرائيل والولايات المتحدة على نفط الخليج. إذ تؤمن إسرائيل احتياجاتها المحدودة نسبياً من النفط والغاز من جمهورية أذربيجان وكازاخستان وغيرها، كما أن الولايات المتحدة، بعد زيادة إنتاجها من النفط الصخري، لم تعد معتمدة على نفط الخليج.

بل إن الولايات المتحدة استفادت من نقص النفط والغاز خلال الشهرين الماضيين، إذ ارتفعت صادراتها من النفط الخام إلى 5.48 ملايين برميل يومياً. وفي حين بلغت صادرات النفط الأميركية خلال الفترة نفسها من العام الماضي ما يعادل حمولة 27 ناقلة نفط عملاقة، فقد قامت 70 ناقلة عملاقة بتحميل النفط من الولايات المتحدة خلال هذه الفترة. كما ارتفعت صادرات النفط الأميركية إلى آسيا بنسبة 30 في المئة خلال الشهرين الماضيين، رغم أن الأسواق الآسيوية كانت تعتمد تقليدياً على نفط الخليج. كذلك يتزايد اعتماد أوروبا بسرعة على بعض المنتجات النفطية الأميركية، ولا سيما وقود الطائرات والغاز.

أما في المجال الغذائي-المالي، فالمشكلة أكثر تعقيداً. إذ إن توقف تصدير الأسمدة وموادها الأولية من الخليج، إلى جانب ارتفاع أسعار البنزين والديزل المستخدمين في الزراعة، يعزز خطر تصاعد التضخم في الأشهر المقبلة، وما قد يرافقه من لجوء البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة للسيطرة عليه. وفي الوقت نفسه، فإن ارتفاع كلفة الاقتراض سيؤثر سلباً في آفاق الاستثمار والتنمية في الغرب وبقية أنحاء العالم. ورغم أن الناخبين الأميركيين حساسون تقليدياً تجاه ارتفاع أسعار البنزين، وأن زيادة الأسعار بنسبة 25 إلى 30 في المئة أضرت بموقع الجمهوريين في انتخابات الكونغرس، فإن التحدي الأكبر يظل متمثلاً في التضخم وارتفاع أسعار الفائدة.

مع ذلك، تبقى الولايات المتحدة أقل عرضة للضرر مقارنة بمناطق أخرى من العالم، خصوصاً الأسواق الآسيوية ودول الجنوب العالمي، بفضل مزايا هيكلية تحميها نسبياً. إذ إن نحو 15 في المئة فقط من الأسمدة المستخدمة في الولايات المتحدة تعتمد على إنتاج الخليج، بينما يتم تأمين البقية من الإنتاج المحلي أو من كندا وترينيداد. وتشير الإحصاءات إلى أن معظم المزارعين الأميركيين كانوا قد خزنوا الجزء الأكبر من احتياجاتهم قبل اندلاع الأزمة. غير أن سوق الأسمدة، شأنها شأن سوق الطاقة، سوق عالمية، ما يعني أن ارتفاع الأسعار عالمياً سيؤثر أيضاً على الولايات المتحدة. وإذا كان التحدي الأميركي يتمثل في التضخم وارتفاع الفائدة، فإن بقية العالم قد يواجه أزمة إنسانية وأزمة أمن غذائي، في ظل ضعف الإدارة والإنتاج المحلي وغياب شبكات الحماية الاجتماعية في الجنوب العالمي، ما قد يفاقم المشكلات.

في المقابل، يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ينظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها محصنة من تداعيات الأزمة، بل مستفيدة منها. كما أنه يعتبر أن أي تراجع من دون الحصول على تنازل بشأن شحنة اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة ووقف التخصيب في إيران، بمثابة انتحار سياسي. وفي ظل غياب ضغط حاد ناتج عن إغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد الأميركي في المدى القصير، يصعب توقع تراجعه، أو الافتراض بأن أحداثاً مثل كأس العالم أو انتخابات الكونغرس ستشكل ضغطاً حاسماً عليه. وهو يرى أن الخسارة السياسية الناجمة عن التراجع من دون تحقيق مكاسب من إيران لا تختلف عن الخسائر المحتملة من استمرار الحرب حتى الخريف القادم.

يبقى السؤال الأساسي ما إذا كان المسؤولون الإيرانيون يدركون حجم الأزمة داخلياً وخارجياً، وما إذا كانوا بصدد اتخاذ خطوات لمعالجتها. فقد كان لإيران الحق، في ظل تعرضها لهجوم، في اتخاذ ترتيبات في مضيق هرمز، إلا أن إطالة أمد هذه الإجراءات، كما حدث في أزمات سابقة مثل احتجاز الرهائن أو الحرب مع العراق، لن يكون بالضرورة في مصلحة إيران، كما أن الجنوب العالمي سيتحمل أضراراً جسيمة هذه المرة. ومن جهة أخرى، بعد أن أثارت مفاوضات قاليباف-فانس بعض الآمال، يبدو أن المسار عاد مجدداً إلى النهج السابق. إن تداخل الحصار الاقتصادي مع المشكلات الاقتصادية الداخلية والتداعيات التي تطال الجنوب العالمي، يستدعي من المسؤولين الإيرانيين تبني مقاربة جديدة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين − تسعة =

زر الذهاب إلى الأعلى