قضاء الوقت في إيران… كيف أعاد الإيرانيون ترتيب يومهم؟

يشير تراجع التعلم والرعاية الشخصية بين الإيرانيين مقابل ارتفاع استهلاك الإعلام وتصفح مواقع التواصل الاجتماعي إلى انتقال الأولويات من النمو طويل الأمد إلى الإشباع قصير الأمد.

ميدل ايست نيوز: يكشف نمط قضاء الوقت لدى الإيرانيين في خريف 2025 أن زمن التعلم والرعاية الشخصية تراجع بشدة، في مقابل ارتفاع استهلاك وسائل الإعلام، كما أصبح سوق العمل أكثر ميلاً للذكور.

ينشر مركز الإحصاء الإيراني بشكل متقطع بيانات تتعلق بمشروع يُعرف باسم «قضاء الوقت». وتصف هذه البيانات مقدار الوقت الذي يقضيه سكان المناطق الحضرية في إيران خلال 24 ساعة في أنشطة مختلفة. ووفقاً للبيانات المعلنة، ومنذ بدء نشر هذه الإحصاءات عام 2008 حتى الآن، تراجع الوقت المخصص للرعاية الشخصية والتعلم بشكل حاد، في حين ارتفعت الأنشطة المرتبطة بوسائل الإعلام. كما تُظهر البيانات أن «ذكورة» سوق العمل انعكست أيضاً في إحصاءات قضاء الوقت؛ إذ ارتفع الوقت الذي يقضيه الرجال في العمل من خريف 2008 إلى خريف 2025 بمقدار 25 دقيقة، بينما لم تتجاوز الزيادة لدى النساء 4 دقائق.

نظرة على إحصاءات قضاء الوقت

تكشف تحولات نمط قضاء الوقت لدى الإيرانيين في السنوات الأخيرة عن تغييرات عميقة في نمط الحياة والأولويات، بل وفي البنية الاقتصادية والاجتماعية. وتُظهر بيانات مركز الإحصاء أن الفترة بين 2008 و2025 شهدت تغيرات كبيرة في كيفية توزيع الوقت بين سكان المدن، وهي تغييرات يمكن تحليلها على المستويين الفردي والمجتمعي. ويُعد الانخفاض الكبير في وقت التعلم والرعاية الشخصية، مقابل ارتفاع استخدام وسائل الإعلام، من أبرز مؤشرات هذا التحول، ويمكن تفسيره ضمن سياق التحولات التكنولوجية والضغوط الاقتصادية وتغير الأدوار الجندرية والتحولات الثقافية.

في مجال النشاط المهني، تُظهر البيانات أن وقت العمل ارتفع من ساعتين و35 دقيقة يومياً في عام 2008 إلى ساعتين و52 دقيقة في عام 2025. ورغم أن هذا الارتفاع يبدو محدوداً في ظاهره، فإنه عند قياسه على مستوى السكان الحضريين يعكس زيادة في الضغط المعيشي وارتفاع الحاجة إلى تأمين الدخل. ويبرز هنا فرق واضح بين الجنسين؛ إذ سجل الرجال زيادة أكبر في وقت العمل مقارنة بالنساء، اللواتي كانت زيادتهن طفيفة للغاية. وقد يشير ذلك إلى «زيادة ذكورية» في سوق العمل، بمعنى أن الفرص تميل أكثر نحو الرجال، أو أن مشاركة النساء تراجعت أو لم تستقر نتيجة المسؤوليات الأسرية أو القيود البنيوية.

في المقابل، شهد وقت الأعمال المنزلية تقلبات واضحة. فقد انخفض من 3 ساعات و17 دقيقة يومياً في عام 2008 إلى ساعتين و41 دقيقة في عام 2019، ثم ارتفع مجدداً إلى ساعتين و59 دقيقة في عام 2025. وقد تعود هذه التغيرات إلى تحولات في بنية الأسرة، أو ارتفاع مشاركة النساء في العمل، أو تغير أنماط الاستهلاك واستخدام التقنيات المنزلية. أما الانخفاض الأول فقد يرتبط بدخول النساء إلى سوق العمل أو استخدام أدوات موفرة للوقت، في حين قد يعكس الارتفاع اللاحق الضغوط الاقتصادية أو العودة إلى أنماط تقليدية.

لكن أكثر الاتجاهات إثارة للقلق يتمثل في الانخفاض الحاد في وقت التعلم. فقد تراجع من ساعة و21 دقيقة يومياً في عام 2008 إلى 31 دقيقة فقط في عام 2025، أي بانخفاض يتجاوز 60 في المئة. وقد ينعكس هذا الاتجاه على رأس المال البشري في البلاد على المدى الطويل.

ولا يعني تراجع وقت التعلم تراجع التعليم الرسمي فقط، بل يشير أيضاً إلى انخفاض الرغبة أو الفرصة في التعلم غير الرسمي والقراءة وتطوير المهارات. وفي عالم تتغير فيه المعرفة والمهارات بسرعة، يمكن أن يؤدي هذا الانخفاض إلى تراجع القدرة التنافسية وزيادة الفجوة المعرفية. وبالتوازي، يثير انخفاض وقت الرعاية الشخصية القلق أيضاً، إذ تراجع من أكثر من 13 ساعة يومياً في عام 2008 إلى نحو 11 ساعة ونصف في عام 2025. وتشمل الرعاية الشخصية النوم والراحة والنظافة الشخصية وغيرها من الأنشطة الضرورية للصحة الجسدية والنفسية، وقد يشير تراجعها إلى ارتفاع الضغط النفسي أو تغير أنماط النوم والاستخدام المتزايد للتكنولوجيا.

لماذا يزداد استهلاك وسائل الإعلام؟

تشير البيانات إلى ارتفاع ملحوظ في الوقت المخصص لوسائل الإعلام والأنشطة الثقافية والرياضية بين الإيرانيين. فقد ارتفع من ساعتين و25 دقيقة يومياً في عام 2008 إلى أكثر من 4 ساعات في عام 2019، ثم تراجع إلى 3 ساعات و42 دقيقة في عام 2025، لكنه بقي أعلى بكثير من مستوى البداية. ويرتبط هذا النمو بتوسع الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية وسهولة الوصول إلى المحتوى الرقمي. وقد أصبحت وسائل الإعلام جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، تستحوذ على جزء كبير من وقت الفراغ، وغالباً ما يكون الاستهلاك سلبياً، وهو ما قد يؤثر على جودة الحياة والتركيز والصحة النفسية.

في مجال المشاركة الاجتماعية، تظهر تغييرات أيضاً، إذ ارتفع الوقت من ساعة و15 دقيقة في عام 2008 إلى ساعة و38 دقيقة في عام 2025، مع وصوله في منتصف الفترة إلى ساعة و46 دقيقة. وقد يعكس هذا الارتفاع محاولة للحفاظ على العلاقات الاجتماعية في ظل الضغوط الحياتية، رغم أن جزءاً من التفاعل الاجتماعي انتقل إلى الفضاء الافتراضي، ما يعني أن الأرقام لا تعكس بالضرورة قوة العلاقات الاجتماعية العميقة.

مجتمع في حالة انتقال

في المجمل، تقدم هذه البيانات صورة لمجتمع في حالة تحول، حيث تعيد الضغوط الاقتصادية والتطورات التكنولوجية تشكيل أنماط قضاء الوقت. ويشير تراجع التعلم والرعاية الشخصية مقابل ارتفاع استهلاك الإعلام إلى انتقال الأولويات من النمو طويل الأمد إلى الإشباع قصير الأمد. ورغم أن هذه التحولات قد تبدو متوافقة مع احتياجات الحياة اليومية، إلا أنها قد تحمل آثاراً سلبية على المدى البعيد في ما يتعلق بالصحة الفردية ورأس المال البشري والتماسك الاجتماعي. وتبرز الحاجة إلى سياسات تعزز التعليم والبنية التحتية المعرفية وثقافة التعلم المستمر، إضافة إلى تحقيق توازن بين العمل والحياة، والتوعية بأهمية الرعاية الشخصية وإدارة الوقت في العصر الرقمي، بما يسهم في إعادة التوازن إلى الحياة اليومية، ويتيح فهماً أعمق لهذه التحولات من أجل تخطيط مستقبل أكثر استدامة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى