الصحافة الإيرانية: هل تستطيع إيران إبقاء آبارها النفطية عاملة رغم إغلاق الحصار البحري؟
قال خبير في صناعة النفط إن استهلاك السوق المحلية يقارب مليوني برميل يومياً، ما يجعل من غير الممكن إغلاق جميع الآبار، ويسمح لإيران بالحفاظ على جزء كبير من طاقتها الإنتاجية.
ميدل ايست نيوز: أدى إغلاق مضيق هرمز وفرض حصار بحري على إيران إلى خفض إنتاج دول الخليج النفطية بنحو 10.5 ملايين برميل يومياً في أبريل، أي ما يعادل تراجعاً يقارب 42 في المئة. وفي المقابل، قُدّر انخفاض إنتاج النفط الإيراني بنحو 130 ألف برميل يومياً في مارس و230 ألف برميل يومياً في أبريل، أي أقل من 10 في المئة من إجمالي إنتاج البلاد، وفق تقرير إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA). ويتعارض ذلك مع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي تحدث عن تدمير كامل آبار النفط الإيرانية خلال فترة وجيزة.
وقال محمد حسيني، الخبير في صناعة النفط، لصحيفة شرق الإيرانية، إن الادعاء بإمكانية القضاء على جميع آبار النفط الإيرانية غير دقيق، موضحاً أن استهلاك السوق المحلية يقارب مليوني برميل يومياً، ما يجعل من غير الممكن إغلاق جميع الآبار، ويسمح لإيران بالحفاظ على جزء كبير من طاقتها الإنتاجية. لكنه أشار إلى أن إعادة تشغيل الآبار الخارجة عن الخدمة ليست سهلة وتستلزم كلفة مرتفعة، لا سيما أن نحو 70 في المئة من النفط الإيراني يُستخرج من حقول قديمة في جنوب غربي البلاد، حيث تكون عمليات الاستعادة أكثر تعقيداً، وإن كانت القدرات الفنية متوافرة محلياً.
عبء الإنتاج على الحقول القديمة
يعتمد الجزء الأكبر من إنتاج النفط الإيراني على حقول يجري استغلالها منذ عقود، مثل أهواز ومارون وغجساران وآقاجاري ومسجد سليمان، وبعضها يعود إلى منتصف القرن الماضي. هذه الحقول لم تعد فتية وعالية الضغط كما في بداياتها، بل دخل كثير منها النصف الثاني من عمره الإنتاجي، حيث يتراجع الضغط الطبيعي، وتزداد نسبة المياه المنتجة، وتتراكم الترسبات في الآبار، وتتآكل المعدات. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 70 في المئة من النفط الإيراني يأتي من هذه الحقول، ما يجعل إعادة الإنتاج إلى مستوياته الطبيعية بعد الإغلاق عملية معقدة ومكلفة.
أكثر من مجرد إغلاق صمام
قد يبدو إغلاق بئر نفط إجراءً بسيطاً يقتصر على إقفال الصمام، إلا أن الواقع الفني أكثر تعقيداً. فالبئر والمكمن منظومة ديناميكية من الضغط والسوائل والصخور، ويتوقف أداؤها على استمرار التدفق. في الأعماق، يحتجز النفط داخل مسامات دقيقة في الصخور، ويؤدي الحفر إلى إنشاء مسار صناعي لخروج السوائل. ويتحقق الإنتاج عبر توازن دقيق بين ضغط المكمن وخصائص الصخور ومسار البئر، وهو توازن يتشكل عبر سنوات.
عند توقف الإنتاج، يعاد توزيع الضغط داخل المكمن، وقد تتغير حركة المياه أو الغاز، خصوصاً في الحقول القديمة حيث تتقدم المياه السفلية أو الغاز العلوي نحو مسار البئر. وفي الظروف الطبيعية يحد التدفق المستمر للنفط من هذا التقدم، لكن التوقف يخل بالتوازن، ما يؤدي عند إعادة التشغيل إلى ارتفاع نسبة المياه أو الغاز على حساب النفط. وفي بعض الحالات قد تتحول بئر كانت منتجة للنفط إلى بئر مرتفعة الإنتاج المائي. وتُعد إدارة المكامن أداة أساسية لتفادي هذه السيناريوهات، إذ يضبط المهندسون الإنتاج للحفاظ على استقرار المكمن، بينما قد يؤدي التوقف المفاجئ أو الطويل إلى إخلال هذه الخطة.
ترسبات تعيق التدفق
يتأثر البئر نفسه أيضاً بتوقف الإنتاج. فكثير من نفوط إيران تحتوي على مركبات ثقيلة مثل الأسفلتين والبارافين، تتحرك مع التدفق في الظروف الطبيعية، لكنها تترسب عند تباطؤه أو توقفه، وتتجمع داخل الأنابيب والمعدات أو في مسامات الصخور. ومع مرور الوقت تضيق مسارات التدفق، ما يقلل من معدل الإنتاج عند إعادة التشغيل.
وتتطلب معالجة هذه المشكلة عمليات فنية مثل التحميض، حيث تُحقن محاليل لإذابة الترسبات أو فتح المسامات، إضافة إلى التنظيف بالمذيبات أو التدخلات الميكانيكية المعروفة بعمليات «وورك أوفر». وتتراوح كلفة هذه العمليات بين نحو 500 ألف وخمسة ملايين دولار للبئر الواحدة، وفق حالتها. كما قد تتشكل ترسبات معدنية مثل كربونات الكالسيوم أو الكبريتات، وهي أحياناً شديدة الصلابة ولا تُزال إلا بتدخلات ميكانيكية مكثفة.
التآكل… الخطر الصامت
يسهم التوقف الطويل في زيادة مخاطر التآكل، إذ تحتوي الآبار على مياه مالحة وغازات حمضية مثل ثاني أكسيد الكربون وأحياناً كبريتيد الهيدروجين. ومع توقف التدفق، تبقى هذه المواد على تماس طويل مع المعدات، ما يهيئ بيئة مؤاتية لتآكل الأنابيب الفولاذية وحدوث ثقوب دقيقة قد تؤدي إلى تسرب السوائل. وفي الحالات المتقدمة، يتطلب الأمر استبدال أجزاء من الأنابيب أو تركيب معدات جديدة، وقد يصل الأمر إلى حفر مسار جانبي جديد للوصول إلى جزء سليم من المكمن.
دور الاستهلاك المحلي
يلعب الاستهلاك الداخلي دوراً محورياً في استمرار الإنتاج. إذ تستهلك إيران ما بين 1.7 ومليوني برميل يومياً من النفط الخام ومشتقاته، ما يحول دون توقف الإنتاج كلياً حتى عند تراجع الصادرات. فالمصافي تحتاج إلى إمدادات منتظمة، الأمر الذي يُبقي عدداً كبيراً من الآبار في دائرة التشغيل ويحد من مخاطر الإغلاق الكامل. ويُعد الحفاظ على حد أدنى من الإنتاج عاملاً مهماً في صون توازن المكامن وتقليل الترسبات ومخاطر التآكل.
الغاز وحفظ الضغط
يمثل الحفاظ على ضغط المكمن تحدياً أساسياً في الحقول القديمة. ومع استخراج النفط يتراجع الضغط الطبيعي، ما يقلل قدرة المكمن على دفع النفط نحو الآبار. ولمعالجة ذلك يُستخدم أسلوب حقن الغاز، حيث يُعاد ضخ الغاز الطبيعي أو الغاز المصاحب بعد فصله إلى داخل المكمن للحفاظ على الضغط وتعزيز تدفق النفط. ومن هنا تبرز أهمية إدارة موارد الغاز وتحديد أولويات استخدامه بين الاستهلاك المحلي والتصدير وعمليات الحقن، بوصفها عنصراً أساسياً في سياسة الطاقة.



