الصحافة الإيرانية: هل سيتغير النظام الاقتصادي الإيراني بعد الحرب؟

مع الحديث عن أن الحرب والهجوم على إيران أحدثا تغييرات كبيرة في النظام العالمي، يبرز التساؤل عمّا إذا كان الإيرانيون سيشهدون بدورهم تحولات في النظام الاقتصادي لبلادهم.

ميدل ايست نيوز: يثير سؤال ما إذا كان الاقتصاد الإيراني سيتغير بعد الحرب اهتمامًا واسعًا ويشكّل مصدر قلق حقيقي لكثيرين. فمع الحديث عن أن الحرب والهجوم على إيران أحدثا تغييرات كبيرة في النظام العالمي، بما في ذلك أنظمة السوق والتجارة، يبرز التساؤل عمّا إذا كان الإيرانيون سيشهدون بدورهم تحولات في النظام الاقتصادي لبلادهم.

ويرى عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، أحد مؤسسي علم الاجتماع، أن الحرب كانت ولا تزال من العوامل الرئيسية التي تُحدث تغييرات في الأنظمة الاقتصادية. وبحسب رؤيته، فإن الحرب ليست ظاهرة اقتصادية بحد ذاتها، لكنها تحمل توجهًا اقتصاديًا، بمعنى أن القضايا الاقتصادية تحضر في بدايات الحروب وأثناءها وحتى بعد انتهائها. والمقصود بالتوجه الاقتصادي هو أن الظاهرة، رغم أهدافها غير الاقتصادية، تخلّف آثارًا واعتبارات اقتصادية.

ويقول الخبير في علم الاجتماع، حمزة نوذري، في مقال لصحيفة شرق، إن بعض الحروب تخاض لتحقيق أهداف اقتصادية، لكن المسألة الأهم تتعلق بطبيعة التغييرات التي تطرأ على النظام الاقتصادي بعد وقف إطلاق النار أو إبرام السلام. فالحرب غيّرت النظامين الاقتصاديين في اليابان وألمانيا، كما تغيّر النظام الاقتصادي في إيران بعد الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، رغم الجدل الواسع بشأن طبيعة ذلك النظام ونتائجه.

وبعد انتهاء الحرب، وتحديدًا في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، أصبح النظام الاقتصادي مختلفًا عمّا كان عليه خلال فترة الحرب، حتى إن نهاية الحرب الثماني سنوات اعتُبرت بشكل ما نهاية للنظام الاقتصادي الذي ساد خلال العقد الأول بعد الثورة الإسلامية.

واليوم يطرح السؤال نفسه مجددًا: هل سيتغير الاقتصاد الإيراني بعد هذه الحرب والهجمات الأمريكية والإسرائيلية وهجمات بعض دول الخليج على إيران؟ وهل سيؤدي ذلك إلى انخفاض مستوى المعيشة والموارد؟ وكيف سيكون وضع توزيع المنافع والموارد الاقتصادية؟ وهل تمثل الحرب فرصة مناسبة لإحداث تغيير في النظام الاقتصادي الإيراني؟

وتتمحور القضية الأساسية حول ما إذا كان بالإمكان تحسين الوضع الاقتصادي رغم نقص الموارد والإمكانات بعد الحرب، والحاجة الملحة إلى إعادة الإعمار. ويبدو أن الحرب قد تقود إلى نوعين مختلفين من التحولات في النظام الاقتصادي.

أولًا: أن يصبح النظام الاقتصادي الإيراني أكثر عقلانية، وهو ما يمكن تلخيصه في عدة عناصر. فقد يجري ترشيد واسع للنفقات، وتقليص هدر موارد الطاقة والمياه، وكذلك خفض الهدر في موازنة الدولة. وبعبارة أخرى، قد تؤدي الضغوط الناتجة عن محدودية الموارد إلى جعل الأنشطة الاقتصادية، وخاصة أداء الحكومة، أكثر عقلانية، مع توزيع أكثر عدالة لأدوات الإنتاج وتقليص الاحتكار في توزيع الموارد.

كما أن متطلبات إعادة الإعمار ونقص موارد الدولة قد يدفعان نحو خلق منافسة منظمة بين الشركات والمؤسسات الاقتصادية، بما يؤدي إلى تنشيط الاقتصاد في إطار هذه المنافسة. فالحاجة إلى إعادة الإعمار المادي قد تفرض تغييرات في سياسات الاقتصاد والتكنولوجيا المستخدمة في الإنتاج، بحيث تتجه الشركات نحو التقنيات الحديثة، وهو أمر يرتبط أيضًا بإمكانية تخفيف العقوبات وإعادة بناء العلاقات الخارجية بعد الحرب.

أما الاحتمال الثاني، فهو أن يصبح النظام الاقتصادي أقل عقلانية، بما قد يؤدي إلى تضخم أكبر في حجم الدولة واستمرار معدلات التضخم المرتفعة والمتقلبة. كما قد تزداد مستويات الرقابة الحكومية على الشركات والأنشطة الاقتصادية، وقد تصبح عملية توزيع الموارد أكثر احتكارًا بحجة متطلبات إعادة الإعمار.

وفي هذا السيناريو، قد يؤدي التركيز على إعادة الإعمار المادي إلى إهمال إعادة بناء النظام الاقتصادي نفسه. ومع ذلك، يبدو أن مرحلة ما بعد الحرب قد تشكل فرصة مناسبة لإحداث إصلاح اقتصادي شامل، بحيث تتم إعادة بناء الاقتصاد بالتوازي مع إعادة الإعمار المادي.

وبينما ينظر بعضهم بتفاؤل إلى هذا التغيير المحتمل، يتعامل آخرون بتشاؤم مع مستقبل الاقتصاد الإيراني بعد الحرب. ويُقال أحيانًا إن إيرادات الدولة قد ترتفع بعد الحرب نتيجة زيادة المبيعات النفطية وتراجع تأثير العقوبات، وهو ما قد يحسن الوضع الاقتصادي.

لكن يبقى السؤال المطروح: هل يؤدي ارتفاع إيرادات الدولة وحده إلى إحداث تغيير حقيقي في النظام الاقتصادي؟ يبدو أن زيادة الإيرادات الحكومية، ما لم تترافق مع إعادة هيكلة للنظام الاقتصادي، لن تؤدي بالضرورة إلى تغييرات إيجابية ملموسة في الاقتصاد الإيراني.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى