الصحافة الإيرانية: كيف تستفيد إيران من اتساع الفجوة بين أوروبا وأمريكا؟

رأى خبير في الشؤون الدولية أن اتساع الفجوة بين أوروبا والولايات المتحدة قد يخلق فرصًا مهمة للدبلوماسية الإيرانية، خصوصًا في ظل تركيز أوروبا المتزايد على مصالحها الاقتصادية وأمن الطاقة.

ميدل ايست نيوز: اعتبر خبير في الشؤون الأوروبية أن الفجوة المتزايدة بين أوروبا والولايات المتحدة لم تعد مجرد خلاف تكتيكي عابر، بل باتت مؤشرًا على تباعد استراتيجي وإعادة تعريف للمصالح في عالم يتجه نحو التعددية القطبية.

من التحالف التاريخي إلى التآكل التدريجي للثقة

وأوضح علي أحمدي، في مقال لموقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، أن العلاقات عبر الأطلسي شكّلت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أحد الأعمدة الرئيسية للنظام الدولي الغربي، إذ ضمنت الولايات المتحدة أمن أوروبا بالاعتماد على قوتها العسكرية والاقتصادية، بينما تحولت أوروبا، عبر مؤسسات مثل حلف شمال الأطلسي، إلى شريك استراتيجي لواشنطن.

لكنه أشار إلى أن التطورات التي شهدها العقد الأخير تُظهر أن هذا التحالف التاريخي دخل مرحلة من التآكل التدريجي.

وأضاف أن الخلافات بشأن الحرب في أوكرانيا، وأزمة الطاقة، والرسوم التجارية، والسياسات المناخية، وحتى طريقة التعامل مع الصين، كشفت أن أولويات ضفتي الأطلسي لم تعد متطابقة كما كانت في السابق.

وأشار إلى أن تحليلات صادرة عن «المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية» تؤكد أن أوروبا تتحرك تدريجيًا نحو صياغة تعريف أكثر استقلالية لأمنها ومصالحها الاقتصادية.

وأكد أن هذا التحول لا يرتبط فقط بتغير الحكومات في الولايات المتحدة أو أوروبا، بل يعكس تغيرًا هيكليًا أعمق في النظام العالمي، موضحًا أن أوروبا باتت ترى أن الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة في عالم متعدد الأقطاب قد يفرض عليها كلفة استراتيجية باهظة.

الاقتصاد والطاقة وبداية التباعد الاستراتيجي

وأوضح أحمدي أن ملفي الاقتصاد والطاقة يمثلان من أبرز أسباب اتساع الفجوة بين الجانبين، مشيرًا إلى أن الحرب في أوكرانيا وأزمة الطاقة الناتجة عنها فرضتا ضغوطًا شديدة على الاقتصادات الأوروبية، وأعادتا طرح مسألة الاعتماد الأمني والاقتصادي على الولايات المتحدة بوصفها قضية مثيرة للجدل.

وأضاف أن دراسات «المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية» بشأن مستقبل الطاقة في أوروبا تظهر أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى حماية نفسه من الصدمات الجيوسياسية المستقبلية عبر توسيع إنتاج الكهرباء، وتطوير البنية التحتية، وتنويع الشركاء الاقتصاديين.

وأشار إلى أن هذه المقاربة لا تُعد مجرد سياسة اقتصادية، بل تشكل جزءًا من مشروع أوروبي لتحقيق «الاستقلالية الاستراتيجية».

ولفت إلى أن عددًا متزايدًا من النخب الأوروبية يرى أن السياسات الأحادية لواشنطن، من العقوبات العابرة للحدود إلى الضغوط الهادفة لفرض الالتزام الكامل بالاستراتيجيات الأمنية الأمريكية، تهدد المصالح بعيدة المدى لأوروبا.

وأضاف أن تقارير صادرة عن مؤسسات بحثية أخرى تُظهر تصاعد حالة من الاستياء حتى داخل أوساط الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة تجاه السياسات الأمريكية.

وأوضح أن هذا الواقع يدفع أوروبا إلى إعادة صياغة علاقاتها مع قوى دولية أخرى، مشيرًا إلى أن النقاش حول التعاون الاقتصادي، وحتى الأمني المحدود، مع الصين لم يعد من المحرمات السياسية داخل أوروبا.

ووفقًا لتقارير صادرة عن معهد «راسي»، فإن بعض الدوائر الأوروبية باتت تعتبر التعاون مع بكين ليس مجرد ضرورة اقتصادية، بل أداة لتحقيق التوازن في مواجهة الضغوط الأمريكية.

أوروبا بين الولايات المتحدة والصين وروسيا

وأشار الخبير في الشؤون الأوروبية إلى أن أوروبا تجد نفسها اليوم في موقع معقد؛ فهي من جهة لا تزال تعتمد على المظلة الأمنية الأمريكية، لكنها من جهة أخرى تحتاج اقتصاديًا وجيوسياسيًا إلى توسيع تعاملها مع الصين، بل وإدارة التوتر مع روسيا في بعض الملفات.

وأوضح أن هذا التناقض يظهر بوضوح في مجالي التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ففي الوقت الذي تسعى فيه واشنطن لتحويل المنافسة التكنولوجية مع الصين إلى مواجهة شاملة، لا تبدي دول أوروبية كثيرة رغبة في قطع التعاون الصناعي والتكنولوجي مع بكين بشكل كامل.

وأضاف أن التقارير المتعلقة بالمحادثات المحتملة بين واشنطن وبكين حول قواعد استخدام الذكاء الاصطناعي تشير إلى أن الولايات المتحدة نفسها باتت تدرك حدود سياسة المواجهة المطلقة.

وأكد أن أوروبا تحاول في هذا السياق رسم موقع مستقل ومتوازن لنفسها، معتبرًا أن تعزيز القدرات العسكرية الألمانية يُعد جزءًا من هذا المسار.

وأشار إلى أن برلين لم تعد، كما في السابق، مجرد ذراع أوروبية للسياسات الأمريكية، بل تسعى إلى لعب دور أكثر استقلالية في أمن القارة.

فرصة جيوسياسية لإيران

ورأى أحمدي أن اتساع الفجوة بين أوروبا والولايات المتحدة قد يخلق فرصًا مهمة للدبلوماسية الإيرانية، خصوصًا في ظل تركيز أوروبا المتزايد على مصالحها الاقتصادية وأمن الطاقة.

وأضاف أن هذا الواقع يفتح المجال أمام إعادة تعريف العلاقات مع طهران، موضحًا أن إيران، بحكم موقعها الجيوسياسي ومواردها الطاقوية ودورها الإقليمي، يمكن أن تتحول إلى لاعب مهم في استراتيجية التنويع الأوروبية.

وأكد أن أوروبا لا تستطيع على المدى البعيد تجاهل القدرات الإيرانية في مجالي الطاقة والنقل.

وأشار كذلك إلى أن التباعد الأوروبي عن السياسات الأمريكية المتشددة والأحادية يوفر هامشًا أوسع للمناورة الدبلوماسية، موضحًا أن ذلك لا يعني نهاية الخلافات، بل يعكس صعود نوع جديد من الواقعية في السياسة الخارجية الأوروبية يقوم على المصالح العملية والاقتصادية أكثر من الاعتبارات الأيديولوجية.

وأضاف أن بإمكان الدبلوماسية الإيرانية استغلال التباينات داخل المعسكر الغربي لبناء علاقات أكثر توازنًا مع الأطراف الأوروبية، والاستفادة سياسيًا واقتصاديًا من القلق الأوروبي تجاه الاعتماد الكامل على الاستراتيجيات الأمريكية.

وختم بالقول إن الفجوة بين أوروبا والولايات المتحدة لم تعد خلافًا مؤقتًا مرتبطًا بتغير الحكومات، بل أصبحت تعبيرًا عن تحول عميق في بنية النظام الغربي، مؤكدًا أن أوروبا تتحرك تدريجيًا نحو شكل من أشكال الاستقلالية الاستراتيجية تحت ضغط الأزمات الاقتصادية والطاقة والتوترات الجيوسياسية.

واعتبر أن دولًا مثل إيران قد تتمكن، إذا أحسنت قراءة هذه التحولات، من استثمار التصدعات المتزايدة داخل المعسكر الغربي لتعزيز موقعها الإقليمي والدولي.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى