رسائل تركيا المائية: هل تقلب فيضانات الفرات موازين المفاوضات وتعيد الحياة لأهوار العراق؟

رغم الفيضانات الأخيرة في سوريا، يجمع خبراء المياه والبيئة على أن العراق لا يواجه موجة فيضانية بالمعنى الفني، بل فرصة لتعزيز خزينه المائي الذي ارتفع إلى نحو 30 مليار متر مكعب بعد سنوات من الجفاف.

ميدل ايست نيوز: رغم الفيضانات الأخيرة في سوريا، يجمع خبراء المياه والبيئة على أن العراق لا يواجه موجة فيضانية بالمعنى الفني، بل فرصة لتعزيز خزينه المائي الذي ارتفع إلى نحو 30 مليار متر مكعب بعد سنوات من الجفاف، وفيما أكد مختصون قدرة السدود العراقية على استيعاب الإطلاقات الحالية، دعوا إلى استثمار الوفرة المؤقتة في انتزاع حقوق العراق المائية من تركيا ووضع استراتيجية طويلة لإدارة هذا الملف.

30 مليار متر مكعب

ويقول الخبير في شؤون الأهوار جاسم الأسدي إن “التحسن الأخير في الخزين المائي العراقي لا يعود إلى نهر الفرات بل يعود بالدرجة الأساس إلى الارتفاع الكبير في واردات نهر دجلة، فالخزين الاستراتيجي ارتفع إلى نحو 30 مليار متر مكعب بعد أن كان دون 10 مليارات خلال المواسم السابقة”.

ويضيف، أن “السدود والخزانات الواقعة على حوض دجلة شهدت تحسناً ملحوظاً، إذ اقترب خزين سد الموصل من 8 مليارات متر مكعب، إلى جانب ارتفاع مناسيب سدود دوكان ودربندخان وحمرين، الأمر الذي عزز المخزون المائي للبلاد بعد سنوات من الجفاف”.

معاناة نهر الفرات

ويؤكد الأسدي، أن “نهر الفرات ما يزال يعاني من شح واضح في الإطلاقات المائية، كما أن مناسيب المياه في مناطق الأهوار الجنوبية ما تزال متدنية، إذ لا يتجاوز منسوب الفرات في الجبايش 72 سنتيمتراً، مقارنة بمستويات أعلى سجلت خلال أعوام 2019 و2020 وكذلك عام 2024.

ويبين، أن “الإطلاقات الحالية الواردة عبر الفرات، والتي تقدر بنحو 700 متر مكعب في الثانية، لا يمكن اعتبارها موجة مائية كبيرة”، لافتاً إلى أن “العراق يمتلك سعات خزن واسعة قادرة على استيعاب كميات أكبر، سواء في بحيرة سد حديثة أو بحيرة الحبانية التي ما تزال تحتوي على فراغات خزنية كبيرة”.

ويشدد الأسدي على “ضرورة توجيه جزء من المياه المتاحة نحو الأهوار، ولا سيما هور الحمار الغربي والأهوار الوسطى، التي ما تزال تعاني من نقص حاد في الإمدادات المائية”، مبيناً أن “الإطلاقات الواصلة بين السماوة والناصرية لا تتجاوز 55 متراً مكعباً في الثانية، وهي كميات لا تلبي الحد الأدنى من احتياجات النظام البيئي للأهوار”.

تجاهل أهمية الأهوار

ويرى خبير الموارد المائية، أن “الخيار الأمثل يتمثل في خزن جزء من المياه في سد حديثة، مع إطلاق كميات إضافية عبر عمود الفرات من خلال ناظم اليوسفية باتجاه المحافظات الجنوبية والأهوار، بما يضمن تحقيق توازن بين متطلبات الخزن الاستراتيجي والحفاظ على البيئة المائية”.

ويعتقد، أن “صانع القرار ما زال لا يمنح الأهوار الأهمية التي تستحقها ضمن أولويات إدارة الموارد المائية”، مشيراً إلى أن “كميات محدودة فقط تصل إلى الأهوار الوسطى، في وقت تتجه فيه كميات كبيرة من مياه دجلة إلى بحيرة الثرثار”.

ويخلص الأسدي إلى أن “الوضع المائي في العراق ما يزال غير مستقر رغم التحسن النسبي في الخزين”، محذراً من “استمرار حرمان الأهوار من حصصها المائية سواء من الواردات القادمة عبر تركيا أو تلك التي تمر من الجانب السوري، الأمر الذي يهدد استدامة هذا النظام البيئي الحيوي”.

وأظهرت المتابعات الميدانية ارتفاعاً في مستويات المياه على طول مجرى الفرات داخل الأنبار، بالتزامن مع وصول موجات مائية قادمة من الأراضي السورية، ما دفع الجهات المختصة إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات الاحترازية ومتابعة حركة المياه بشكل متواصل لضمان استيعاب الكميات الواصلة والاستفادة منها بالشكل الأمثل.

تدفقات مائية محدودة

من جهته، يؤكد الخبير المائي تحسين الموسوي، أن ما يشهده نهر الفرات حالياً لا يمكن وصفه بموجة فيضانية بالمعنى الفني، مشيراً إلى أن الإطلاقات المائية لم تتجاوز حتى الآن 700 متر مكعب في الثانية، وهي أقل بكثير من معدلات تاريخية كان يستقبلها النهر في سنوات سابقة.

ويشير الموسوي إلى أن “الفرات كان يستقبل في بعض المواسم تدفقات مائية أكبر بكثير مما يشهده اليوم، إذ وصلت الإيرادات السنوية في بعض السنوات إلى نحو 40 مليار متر مكعب”، مبيناً أن “الوضع الحالي لا يشكل خطراً فيضانياً على العراق بقدر ما يكشف هشاشة إدارة الملف المائي على المستوى الخارجي”.

ويرى أن “التطورات الأخيرة كشفت ضعف المفاوض العراقي في ملف المياه، مقابل استمرار السياسة التركية القائمة على التحكم بالإطلاقات المائية وفق احتياجات السدود المقامة على حوض الفرات”، لافتاً إلى أن “السدود التركية التي تتجاوز طاقتها الخزنية 100 مليار متر مكعب اضطرت إلى زيادة الإطلاقات مع بدء ذوبان الثلوج وارتفاع مناسيب الخزن فيها”.

حديثة والحبانية والرزازة

وينبه الموسوي إلى أن “تركيا أطلقت كميات تراوحت بين 1500 و2000 متر مكعب في الثانية باتجاه الأراضي السورية، إلا أن هذه الكميات لا تمثل تهديداً للعراق، نظراً لوجود طاقات خزنية كبيرة قادرة على استيعابها”، موضحاً أن “سد حديثة وحده يمتلك سعة خزنية تتجاوز 10 مليارات متر مكعب، فيما ما يزال يحتوي على فراغ خزني يقدر بنحو 7 مليارات متر مكعب”.

ويتابع، أن “بحيرة الحبانية قادرة أيضاً على استيعاب نحو 3 مليارات متر مكعب من المياه، فضلاً عن إمكانية توجيه كميات إضافية إلى الأهوار العراقية التي تمثل خزاناً طبيعياً مهماً وتؤدي دوراً بيئياً واقتصادياً كبيراً في استعادة التنوع الحيوي والثروة الحيوانية والحفاظ على التوازن المناخي في البلاد”.

ويشير الموسوي، إلى أن “العراق يمتلك خيارات خزنية إضافية، من بينها بحيرة الرزازة التي تتجاوز سعتها 27 مليار متر مكعب، رغم أن الاستفادة منها ما تزال محدودة بسبب ارتفاع ملوحة مياهها”، مؤكداً أن “العراق بحاجة فعلية إلى هذه الإطلاقات المائية في ظل سنوات الجفاف التي مر بها خلال الفترة الماضية”.

تحديات ومفاوضات

ويشدد الخبير المائي على أن “الأولوية الحالية يجب أن تتركز على استثمار هذه التطورات في تعزيز المفاوضات مع الجانب التركي والتوصل إلى اتفاقات واضحة تضمن الحصص المائية للعراق”، موضحاً أن “تطبيق الاتفاقات السابقة الخاصة بتقاسم مياه الفرات بين العراق وسوريا من شأنه أن يحسن الواقع المائي بشكل كبير”.

ويلفت إلى أن “التحسن الحالي يبقى مؤقتاً ومرتبطاً بموسم ذوبان الثلوج، ما يستوجب العمل بالتوازي على إصلاح الملف المائي الداخلي ومعالجة التحديات الخارجية، وفي مقدمتها ضمان حقوق العراق المائية مع دول المنبع”.

ويؤكد الموسوي، أن “سنوات الجفاف الأخيرة أفرزت تحديات إضافية داخل مجرى النهر، من بينها التكلسات وظهور الجزر النهرية والتجاوزات على حرم النهر وخطوط التهذيب، وهو ما أثر في قدرة المجرى على استيعاب التدفقات المائية”، مستدركاً بالقول إن “الوضع الحالي مطمئن، والعراق قادر على استيعاب كميات أكبر من المياه، بل إنه بحاجة ماسة إلى استمرار هذه الإطلاقات خلال المرحلة المقبلة”.

وخلال زيارة أجراها إلى سد حديثة، أكد وزير الموارد المائية مثنى التميمي، أن المؤسسات الحكومية أتمت استعداداتها الفنية والإدارية للتعامل مع الموجة المائية القادمة عبر الحدود السورية، مبيناً أن التصاريف الحالية التي تصل إلى نحو 700 متر مكعب في الثانية تقع ضمن المعدلات الطبيعية ولا تمثل تهديداً للمناطق السكنية أو المرافق الحيوية القريبة من مجرى النهر.

وأشار التميمي، إلى أن الوزارة تنظر إلى هذه التطورات بوصفها فرصة مهمة لتعزيز إدارة الموارد المائية ورفع مستويات الخزين الاستراتيجي، موضحاً أن سد حديثة يؤدي دوراً محورياً في استيعاب الكميات الإضافية من المياه وتوظيفها في دعم المخزون المائي الوطني بعد سنوات من التراجع الناجم عن الشح المائي.

تسييس إدارة المياه

إلى ذلك، يرى الخبير البيئي والجيولوجي رمضان حمزة أن الارتفاع الكبير في مناسيب نهر الفرات خلال الأيام الأخيرة لا يمكن فصله عن الأبعاد السياسية لإدارة المياه في المنطقة، معتبراً أن ما جرى يمثل رسالة واضحة من تركيا بوصفها دولة المنبع بأنها ما تزال تمتلك القدرة على التحكم بتدفقات المياه نحو كل من العراق وسوريا.

ويقول حمزة، إن سنوات الجفاف الماضية شهدت انخفاضاً حاداً في تصاريف نهر الفرات، إذ تراجعت في بعض الفترات إلى ما بين 180 و200 متر مكعب في الثانية، بدلاً من المعدلات المفترضة التي تصل إلى 500 متر مكعب، الأمر الذي تسبب بأضرار كبيرة على امتداد مجرى النهر في سوريا والعراق، فيما احتفظت السدود التركية بفراغات خزنية كبيرة نتيجة محدودية الإطلاقات.

ويلفت حمزة إلى أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في حجم المياه المطلقة فحسب، بل في طريقة إدارتها، موضحاً أن السلطات التركية باشرت بفتح بوابات عدد من السدود الرئيسية، بينها كيبان وأتاتورك وبيراجيك، قبل إبلاغ كل من سوريا والعراق بالإطلاقات الجديدة، وهو ما يعد، بحسب وصفه، مخالفاً للأعراف المتبعة في إدارة الأنهار الدولية المشتركة.

فيضانات سوريا

ويشير الخبير البيئي إلى أن تركيا كانت تمتلك معطيات دقيقة حول حجم الثلوج والأمطار والمخزون المائي في سدودها، وكان بإمكانها التخطيط للإطلاقات بشكل تدريجي ومنظم قبل أيام أو أسابيع من تنفيذها، بما يمنح دولتي المصب فرصة للاستعداد والتعامل مع الكميات الواردة بصورة أكثر كفاءة.

ويؤكد حمزة، أن ما حدث في سوريا، ولا سيما في محافظة دير الزور، كشف حجم الهشاشة التي خلفتها سنوات الجفاف الطويلة، إذ دفعت قلة المياه السكان إلى استغلال مساحات واسعة من ضفاف النهر ومناطق الحرم النهري للزراعة والسكن، ما جعلها أكثر عرضة للتضرر مع ارتفاع المناسيب بشكل مفاجئ.

ويلفت إلى أن تركيا رفعت الإطلاقات إلى نحو ألفي متر مكعب في الثانية، وهي كميات تفوق بكثير المعدلات التاريخية لنهر الفرات التي كانت تدور بحدود 900 إلى ألف متر مكعب في الثانية قبل إنشاء السدود الكبرى، الأمر الذي أدى إلى حدوث فيضانات محلية في بعض المناطق السورية.

تعزيز الخزين المائي

وبشأن العراق، يرى حمزة أن البلاد تعد المستفيد الأكبر من هذه الإطلاقات في الوقت الراهن، نظراً لوجود فراغات خزنية كبيرة في سد حديثة والخزانات الأخرى على حوض الفرات، موضحاً أن الكميات الواصلة إلى العراق والبالغة نحو 700 متر مكعب في الثانية تبقى ضمن الحدود التي يمكن استيعابها وإدارتها بسهولة.

ويبين، أن استمرار هذه الإطلاقات قد ينعكس إيجاباً على الواقع البيئي والزراعي، من خلال إنعاش مجرى الفرات وإزالة جزء من الترسبات والجزرات الوسطية التي تشكلت خلال سنوات الشح المائي، فضلاً عن تحسين نوعية المياه والتخفيف من آثار التملح التي تفاقمت نتيجة الاعتماد على المياه المحولة من بحيرة الثرثار خلال السنوات الماضية.

ويعتقد، الخبير البيئي أن العراق بحاجة إلى استثمار المرحلة الحالية في تعزيز خزينه المائي وإدارة موارده بصورة أكثر فاعلية، خصوصاً مع التوقعات المناخية التي تشير إلى استمرار الدورة الرطبة خلال السنوات المقبلة، واحتمال تسجيل مواسم مطيرة فوق المعدلات الطبيعية في العراق وتركيا وسوريا.

ويشدد حمزة، على أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بوفرة المياه أو ندرتها فحسب، بل بقدرة المؤسسات العراقية على إدارة الملف المائي بكفاءة في الحالتين، سواء خلال مواسم الجفاف أو خلال مواسم الوفرة، عبر اعتماد خطط متكاملة للخزن والتصريف والاستثمار الأمثل للموارد المتاحة.

ويخلص إلى أن الوضع المائي الحالي يبدو إيجابياً مقارنة بالسنوات الماضية، لكنه يتطلب رؤية استراتيجية طويلة الأمد تضمن تحويل الوفرة المؤقتة إلى مكاسب مستدامة، بما يحمي العراق من أي أزمات محتملة في حال عادت دورات الجفاف مستقبلاً.

وشهدت سوريا، على مدار الأيام الماضية، أزمة فيضانات غير مسبوقة في نهر الفرات أغرقت قرى ومزارع، ما دفع العراق إلى رفع حالة الاستنفار لاحتواء هذه الموجة وتوجيهها لتعزيز خزانات السدود بدلاً من وقوع كوارث.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنا عشر − 6 =

زر الذهاب إلى الأعلى