الصحافة الإيرانية: من «الشتاء القاسي» إلى «الصيف القاسي».. هل يكرر الخطاب الإيراني رهانات لم تتحقق؟

ثمة إشكالية هامة جدا تتمثل في أن المتشددين في إيران الذين يبشرون بـ«صيف غربي قاسي» يركزون حصراً على ما قد يواجهه الغرب من صعوبات، ويتجاهلون الطرف الآخر من المعادلة، أي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية داخل إيران.

ميدل ايست نيوز: شهدت المفاوضات الإيرانية الأميركية حالة من الجمود. ففي الوقت الذي كانت فيه بعض الأطراف خلال عام 2021 يبشرون بـ«شتاء قاسٍ في أوروبا»، بدأوا اليوم بالترويج لفكرة «صيف قاسٍ في الولايات المتحدة»، مؤكدين لحكومة إيران أن التخلي عن المفاوضات والإبقاء على إغلاق مضيق هرمز سيؤدي إلى تفاقم أزمة الطاقة في الغرب خلال الصيف، ما سيدفع واشنطن في النهاية إلى التراجع.

يقول كوروش أحمدي، الدبلوماسي الإيراني السابق، في مقال لصحيفة شرق الإيرانية، إن التيار الذي يروج لهذا الطرح داخل إيران، يضم إلى جانب جناحه السياسي، عدداً من الخبراء الذين يطرحون آراءهم بصورة مستمرة، سواء بصفتهم مستشارين لبعض المسؤولين أو عبر البرامج التي تبثها هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، حيث يكررون هذه التصورات أمام صناع القرار والرأي العام، ويعملون على ترسيخ مسلمات ذهنية قد لا يكون تجاوزها أمراً سهلاً لاحقاً.

وتواجه توصيات هذا التيار السياسي وخبرائه ثلاث إشكاليات أساسية:

أولى هذه الإشكاليات أنهم يتجاهلون الطبيعة الديناميكية لسوق الطاقة، الذي يتأثر بعوامل متعددة ومتغيرة، الأمر الذي يجعل من الصعب تقديم توقعات مؤكدة بشأن الأشهر المقبلة. وخلال المئة يوم التي أعقبت الحرب، قدم هؤلاء الخبراء مراراً توقعات تتعلق بارتفاع أسعار النفط، واستنزاف الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية والتجارية، وخروج أسعار الطاقة عن السيطرة، إلا أن هذه التوقعات لم تتحقق.

كما أنهم يتجاهلون حقيقة أن سوق الطاقة اتخذ خلال هذه الفترة خطوات للتكيف مع الظروف الجديدة، وهو ما انعكس على الأسعار، إذ بلغ سعر خام برنت يوم الجمعة الماضي 93 دولاراً للبرميل، علماً أن تبادل الضربات الصاروخية بين إيران وإسرائيل أدى يوم الاثنين إلى ارتفاع السعر بما يتراوح بين دولارين وأربعة دولارات.

ومن أصل نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط الذي تأثر بإغلاق مضيق هرمز، جرى تعويض ما يقرب من 15 مليون برميل من مصادر أخرى، منها صادرات السعودية والإمارات عبر خطوط الأنابيب، والتي تتراوح بين سبعة وثمانية ملايين برميل يومياً، إضافة إلى زيادة الإنتاج لدى دول أخرى منتجة للنفط، وتراجع الاستهلاك العالمي بنحو 4.5 ملايين برميل يومياً نتيجة إجراءات الترشيد والاتجاه نحو مصادر الطاقة النظيفة.

وتشير التقديرات إلى أن الصين خفضت استهلاكها النفطي بنحو 17 في المئة، فيما تراجع استهلاك الوقود في المنازل الهندية بنحو 13 في المئة.

كما تفيد التقديرات بأنه خلال فترة الشهرين اللذين شهدا وقفاً لإطلاق النار، عبر مضيق هرمز يومياً ما معدله 17 سفينة بعد التنسيق مع الولايات المتحدة أو إيران ودفع الرسوم المطلوبة. وشملت هذه السفن ناقلات نفط نقلت ما بين 600 ألف ومليون برميل يومياً. ويضاف إلى ذلك لجوء عدد من الدول إلى السحب من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية والتجارية.

أما الإشكالية الثانية، فتتمثل في أن هذا التيار السياسي وخبراءه يتجاهلون التوزيع غير المتوازن لتداعيات نقص النفط عالمياً. فالأسواق الآسيوية، التي كانت تعتمد على مضيق هرمز في تأمين نحو 80 في المئة من احتياجاتها النفطية، تتعرض لضغوط أكبر بكثير من غيرها.

ووفقاً لتقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، فإن 65 دولة من أصل 75 دولة في بلدان الجنوب العالمي تعد مستوردة للنفط، وهي شديدة التأثر بارتفاع أسعار الطاقة وبنقص المواد الغذائية وارتفاع أسعارها.

وحتى الآن، لم تمارس غالبية هذه الدول، وخصوصاً الصين، ضغوطاً كبيرة على إيران لإعادة فتح مضيق هرمز، ربما بسبب إدراكها للطابع العدواني للسياسات الأمريكية، أو بسبب مواقفها السلبية من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو. إلا أن التطورات التي قد تشهدها الأشهر المقبلة تبقى غير واضحة.

ومن القضايا المهمة أيضاً أن الولايات المتحدة لا تعاني من نقص في إمدادات النفط نتيجة إغلاق مضيق هرمز. ومع ذلك، فإن ارتفاع أسعار النفط في السوق العالمية الموحدة انعكس على الاقتصاد الأمريكي، حيث أدى إلى زيادة أسعار البنزين ورفع معدل التضخم السنوي من 3.2 في المئة إلى 3.8 في المئة خلال أبريل/نيسان، ومن المرجح أن يتجاوز أربعة في المئة خلال مايو/أيار.

ومن شأن هذا الارتفاع في التضخم أن يعرقل خفض أسعار الفائدة الأساسية، ويرفع عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات، ما قد يؤدي إلى زيادة الإنفاق الحكومي وإبطاء النمو الاقتصادي.

لكن هذه التطورات، أولاً، قد لا تظهر آثارها إلا على المدى المتوسط وربما خلال العام المقبل، وثانياً، ينبغي الانتباه إلى أن ترامب أصبح أسيراً لمسألة المصداقية السياسية، وأن العامل الحاسم بالنسبة له يتمثل في إرثه السياسي وسمعته الشخصية ومكانة الولايات المتحدة في مواجهة خصومها، وليس من المؤكد أنه سيمنح هذه الاعتبارات الاقتصادية الأهمية الكافية.

أما الإشكالية الثالثة، وهي الأهم، فتتمثل في أن الخبراء الذين يبشرون بـ«الصيف القاسي» يركزون حصراً على ما قد يواجهه الغرب من صعوبات، ويتجاهلون الطرف الآخر من المعادلة، أي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية داخل إيران.

فهم لا يتحدثون إطلاقاً عن تداعيات استمرار الحصار البحري على الاقتصاد الإيراني، ويتجاهلون آثار ذلك على التضخم والبطالة وتعليق نشاط العديد من الأعمال والقطاعات الاقتصادية وغيرها من المشكلات الداخلية.

ويقتضي الشعور بالمسؤولية تجاه البلاد وسكانها البالغ عددهم نحو 90 مليون نسمة أن يتحلى هذا التيار السياسي وخبراؤه بالمسؤولية أيضاً، وألا يدفعوا الحكومة، من خلال الدعوة إلى وقف التفاوض، نحو قبول مخاطر هائلة وغير عقلانية.

وحتى هذه المرحلة، تعرضت الولايات المتحدة وإسرائيل لانتكاسة كبيرة بسبب عدم نجاحهما في تحقيق أهدافهما. وتمثل هذه الانتكاسة فرصة مهمة لإرساء وقف إطلاق نار دائم والتوصل إلى سلام شامل مع الولايات المتحدة، ومنع إسرائيل من التحول إلى طرف مباشر في هذه المعادلة.

غير أن تبادل الضربات الصاروخية الذي وقع أمس سار، للأسف، في الاتجاه المعاكس لهذا الهدف.

ولا ينبغي لإيران أن تضيع هذه الفرصة كما أضاعت فرصاً سابقة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى