الصحافة الإيرانية: بين رائحة البارود وحلم التأهل… إيران تستعد لأصعب كأس عالم في تاريخها

في الوقت الذي كانت فيه المنتخبات المنافسة تتدرب في أحدث المعسكرات وبأعلى درجات الاستقرار الذهني، تدرب “النسور” الإيرانية في أجواء مفعمة بالتوتر ورائحة البارود وظلال الحرب.

ميدل ايست نيوز: يستعد العالم اليوم لانطلاق مونديال 2026، البطولة الكبرى التي تمتد عبر دول أميركا الشمالية، وسط توقعات بأن تستحوذ على اهتمام واسع وتقدم نسخة استثنائية من كرة القدم العالمية. غير أن المشهد يبدو مختلفًا لدى المشجع الإيراني الذي يراقب هذه الملاعب الخضراء من مسافة بعيدة، في ظل أجواء مثقلة بالدخان والغبار والقلق الذي يطبع الواقع الحالي. فهذه البطولة، بالنسبة للإيرانيين، ليست مجرد حدث رياضي أو شهر من الترفيه، بل نافذة أمل وسط واقع ضاغط، ومتنفس مؤقت من ثقل الحياة اليومية، وربما الفرصة الأخيرة لاستعادة فرح جماعي طال انتظاره.

تقول صحيفة توسعه ايراني في تقرير لها، إن المنتخب الإيراني يدخل هذه البطولة في ظروف لا تكفي كلمة “صعبة” لوصفها. فريق تشكّل في ظل ضغوط الحرب والتهديدات وعدم الاستقرار النفسي، يجد نفسه اليوم مضطرًا لمواجهة عمالقة كرة القدم العالمية. ورغم ذلك، وسط كل هذا الظلام، يتصاعد في وجدان الناس انتظار حماسي يشبه الملحمة: حلم التأهل الأول في تاريخ إيران من دور المجموعات.

قليل من المنتخبات في تاريخ كأس العالم خاضت تحضيرًا بهذا القدر من التشابك مع الأزمات غير الرياضية والأمنية. ففي الوقت الذي كانت فيه المنتخبات المنافسة تتدرب في أحدث المعسكرات وبأعلى درجات الاستقرار الذهني، تدرب “النسور” الإيرانية في أجواء مفعمة بالتوتر ورائحة البارود وظلال الحرب. إلغاء المباريات التحضيرية، مشاكل التأشيرات، الأجواء غير الآمنة وتأجيل الرحلات الجوية، كلها كانت عوائق في طريق الوصول إلى مونديال 2026. اللاعبون، قبل أن يكونوا رياضيين، هم أبناء هذا الوطن، الذين كانت قلوبهم تخفق مع كل إنذار لصالح عائلاتهم في الداخل.

ومع ذلك، أثبت التاريخ أن كرة القدم الإيرانية قادرة دائمًا على صناعة الملاحم في قلب الأزمات. يدرك الجمهور الإيراني جيدًا أنه كلما اشتدت الظروف، ظهرت قوة تتجاوز التكتيك واللياقة لتدفع اللاعبين نحو الأداء. مشاهدة فريق خرج من قلب كل هذا الضغط ليصل إلى أكبر مسرح كروي في العالم، بحد ذاتها تُعد انتصارًا. إنه انعكاس لشعب تعلّم ألا ينحني أمام الصعاب، وأن يواصل البقاء والمقاومة.

أكثر من أربعة عقود من الحضور شبه المستمر في كأس العالم خلّفت حسرة كبرى لدى المشجع الإيراني: رؤية المنتخب في مرحلة الأدوار الإقصائية. من مونديال الأرجنتين 1978 إلى مونديال قطر 2022، اقترب المنتخب كثيرًا من التأهل، لكنه تعثر دائمًا في اللحظة الأخيرة. مرة العارضة، مرة التحكيم، مرة سوء الحظ، ومرة الأخطاء الفردية، كلها أهدرت حلم أمة كاملة. ومع ذلك، في كأس العالم 2026، ورغم كل الظروف، لم تتراجع التطلعات بل بلغت ذروتها.

اليوم ينظر المشجع الإيراني إلى البطولة بمزيج من العقل والعاطفة. من الناحية المنطقية الرياضية، لا تبدو الظروف التحضيرية مشجعة، لكن الإيمان بالمعجزة وروح “العناد الإيراني” تبقي الأمل حيًا. هذه المرة، التأهل من المجموعة لن يكون مجرد إنجاز رياضي، بل بيان تاريخي يؤكد انتصار الإرادة على الظروف. الجمهور ينتظر ليرى ما إذا كان هذا الجيل سيُخلد كـ”جيل كسر اللعنة” في تاريخ كرة القدم الإيرانية. كل مباراة ستكون بمثابة نهائي حياة أو موت، وهو ما يزيد من جاذبية البطولة بالنسبة للإيرانيين.

الشعب الإيراني اليوم بحاجة إلى هذا النجاح أكثر من أي وقت مضى. ملامح الناس تعكس شهورًا من القلق، الغلاء، الأخبار الثقيلة والخوف من الغد. في هذا المناخ، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة، بل أصبحت علاجًا جماعيًا ومسكنًا مؤقتًا يوقف الألم خارج أبواب المنازل. الجمهور يلجأ إلى الكرة ليحصل على 90 دقيقة ينسى فيها أصوات الإنذارات وأخبار الإحباط وضغوط المعيشة.

هذه الدقائق التسعون تشكل تنفسًا اصطناعيًا لمجتمع مثقل بالضغوط النفسية. قيمة الهدف في كأس العالم بالنسبة للإيرانيين تتجاوز مجرد تغيير النتيجة؛ إنه انفجار فرح في الشقق المظلمة، وأبواق سيارات في شوارع غابت عنها الضحكات، وعناق عفوي بين غرباء ينسون كل شيء للحظات. الشعب بحاجة إلى هذا الإحساس ليؤكد لنفسه أنه ما زال قادرًا على الفرح والانتصار والفخر، وأن فريقه الوطني يحمل على عاتقه ثقل ابتسامات مفقودة.

حين يرتدي 11 لاعبًا قميص المنتخب الأبيض ويطأون ملاعب الولايات المتحدة أو كندا أو المكسيك، يدركون أن خلفهم، على بعد آلاف الكيلومترات، ملايين العيون المترقبة تتعلق بكل حركة منهم. أبٌ يجلس بجانب ابنه، وشاب يحدق في الشاشة بأمل متكسر، جميعهم يرددون بصمت: “فقط اجعلونا نشعر بالتحسن لبعض الوقت”. إنها ربما أثقل مسؤولية يمكن أن يحملها رياضي في مسيرته.

كأس العالم هذا يشكل اختبارًا كبيرًا لنجوم المنتخب الإيراني، عليهم تجاوز كل الضغوط والغيابات والإلغاءات والإرهاق النفسي، والتحول إلى صخور صلبة في الملعب. كل تدخل، كل تصدٍ، وكل هجمة، تعكس روح صمود الجمهور الإيراني. جمال هذه البطولة يكمن في قدرتها على تحويل اليأس إلى ملحمة، وعلى تحويل 11 لاعبًا إلى منقذين مؤقتين لروح أمة بأكملها.

مع انطلاق صافرة كأس العالم 2026، تبدأ الماراثون الكروي الأكبر. ستخلو الشوارع الإيرانية أثناء مباريات المنتخب، تُحبس الأنفاس، وتتسارع القلوب مع كل لمسة للكرة. إيران ليست فريقًا بلا نجوم أو إمكانيات، بل فريق يحمل ثروة اسمها “حب ودعاء أمة متعبة لكنها متمسكة بالأمل”.

المشجع الإيراني، بغض النظر عن النتيجة، سيشاهد روح القتال والإصرار. لكن في أعماق كل قلب إيراني، يبقى حلم تلك اللحظة السحرية حاضرًا: لحظة إطلاق صافرة نهاية المباراة الثالثة، وظهور كلمة “التأهل” بجانب اسم إيران، لتتحول دموع الحزن إلى دموع فرح. يبدأ كأس العالم 2026 من اليوم؛ لتُنسى رائحة البارود، ولتتراجع المخاوف، فهذا يوم كرة القدم، وربما يوم المعجزة التي ينتظرها شعب منذ سنوات.

اقرأ المزيد

إيران تخفي أوراقها قبل المونديال.. مواجهة تحضيرية خلف أبواب مغلقة

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنا عشر − أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى