عندما تنتقل الحرب إلى المفاوضات.. كيف تسعى طهران لترسيخ مكاسبها؟

لا يُقاس النجاح النهائي بمجرد وقف القتال، بل بمدى القدرة على بناء واقع جديد يجعل العودة إلى الحرب أكثر صعوبة، ويعزز في الوقت ذاته حماية المصالح الإيرانية بصورة أكثر استدامة.

ميدل ايست نيوز: انتقلت معادلة المواجهة بعد عام على الحرب الأولى التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل تحت ذرائع وهمية، من ساحة القتال إلى طاولة المفاوضات، حيث ترى إيران أن النجاح العسكري لا يكتسب معناه الكامل إلا عندما يُكرَّس عبر اتفاقات سياسية وقانونية ودبلوماسية، ولذلك تسعى إلى تحويل ما تعتبره انتصاراً تكتيكياً في الميدان إلى مكسب استراتيجي على الساحة الدولية.

تقول وكالة إرنا الحكومية في تقرير، إن السؤال حول موعد وكيفية انتهاء الحروب نفسه يطرح بقوة، ليس فقط باعتباره أحد أبرز تساؤلات المرحلة الراهنة لدى المجتمع الدولي وشعوب المنطقة وإيران، بل أيضاً بوصفه قضية أساسية في حقل العلاقات الدولية، ولا سيما بعد الحربين الأخيرتين ضد إيران. فالمرحلة التي تقف عندها طهران وواشنطن وتل أبيب بعد مرور عام على اندلاع الحرب الأولى وتوقف الحرب الثانية، تستدعي من منظور نظريات الحرب والسلام والعلاقات الدولية تأملاً معمقاً يشمل أسباب اندلاع الحرب وأهدافها، وما حققه كل طرف في ساحة المواجهة، وكذلك دوافع وآليات إنهائها.

وفي 12 يونيو/حزيران 2025 و28 فبراير/شباط 2026، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً ضد إيران استناداً إلى ادعاءات واهية. وبعد مرور عام، باتت محدودية نتائج تلك الحرب أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، وأصبح إنهاؤها أولوية بالنسبة للإدارة الأمريكية.

وكان تغيير النظام السياسي في إيران والقضاء على قدراتها النووية من أبرز الأهداف المعلنة للولايات المتحدة وإسرائيل خلال العمليات العسكرية التي نُفذت ضد طهران خلال العام الماضي. إلا أن الوقائع الحالية تشير إلى أن أياً من هذه الأهداف لم يتحقق رغم الأضرار التي لحقت بإيران.

فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب يستعد حالياً لتوقيع مذكرة تفاهم مع ممثل الجمهورية الإسلامية، ما يعني أن النظام السياسي الإيراني لم يتغير. كما أن اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة لا يزال داخل إيران، وما زال القرار بشأنه بيد السلطات الإيرانية.

ورغم تعرض المنشآت النووية لأضرار، فإن التكنولوجية النووية ما تزال بحوزة العلماء الإيرانيين. كما أن القوات المسلحة والقدرات الصاروخية، رغم ما تعرضت له من خسائر، لا تزال قادرة على مواصلة الدفاع عن البلاد. كذلك لم تقع أي مساحة من الأراضي الإيرانية تحت الاحتلال الأمريكي، ولم يتغير الواقع الميداني بالنسبة لواشنطن بصورة جوهرية مقارنة بما كان عليه قبل يونيو/حزيران 2025.

ترى طهران أن إفشال أهداف قوى عسكرية كبرى في منطقة ساندت فيها دول عديدة، بدرجات متفاوتة “المعتدين الرئيسيين”، يمثل أبرز إنجاز عسكري حققته إيران، ونتيجة لصمود الشعب والقادة العسكريين والجنود.

وتشير الرواية الإيرانية إلى أن استيعاب هذه الحقائق استغرق وقتاً لدى ترامب، إلا أن قبوله وقف إطلاق النار الذي اقترحته باكستان في 8 أبريل/نيسان 2026 عكس إدراكه لصعوبة تحقيق أهدافه العسكرية ضد إيران، ولأن استمرار الحرب كانت له تداعيات تتجاوز بكثير كلفة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.

بالنسبة لإيران، كانت الظروف مختلفة، إذ إن العديد من التقديرات والتحليلات اعتبرها الطرف المنتصر في المواجهة، ولذلك رأت طهران في قبول وقف إطلاق النار دليلاً جديداً على حسن نياتها.

واستمر وقف إطلاق النار لمدة شهرين وسط تقلبات عديدة، قبل أن تقترب الأطراف من توقيع مذكرة تفاهم من شأنها أن تضع نهاية نهائية للحرب، وأن تكرّس، وفق تعبير وزير الخارجية الإيراني، ما تحقق في الميدان.

وخلال فترة الهدنة الهشة، تمسكت إيران بمواقفها، وردت على ما اعتبرته خروقات أمريكية أو إسرائيلية لوقف إطلاق النار، كما لم تتراجع عن مواقفها التفاوضية تحت وطأة الضغوط العسكرية والسياسية.

وفي هذا السياق، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده أثبتت قدرتها وإرادتها في مواجهة الضغوط والإكراه، ولن تتنازل عن مصالح شعبها، مضيفاً أن “المفاوضات والدبلوماسية والاتفاقات الناتجة عنها جزء من ساحة المواجهة، وأن النتائج التي تحققها القوات المسلحة في الميدان يتم تثبيتها عبر المفاوضات، وتحصل على الشرعية الدولية، لتتحول لاحقاً إلى حقوق للشعب الإيراني”.

وكان رئيس البرلمان الإيراني ورئيس الوفد التفاوضي محمد باقر قاليباف قد عبر عن رؤية مشابهة في رسالة صوتية سابقة، قال فيها إن “الميدان العسكري هو المحرك الأساسي لصناعة القوة، لأنه يمنع العدو من التفكير في شن الهجمات، فيما يتعين على الدبلوماسية أن تحول هذه القوة الواقعية في الوقت المناسب إلى مكاسب قانونية وسياسية واقتصادية ملموسة ومستقرة، بدلاً من الاكتفاء بالشعارات وترك المشكلات دون حل”.

منطق طهران في مفاوضات ما بعد الحرب

يرتكز الطرح الذي تكرره السلطات الإيرانية خلال الأسابيع الأخيرة بشأن تثبيت القوة الميدانية عبر الدبلوماسية على قناعة مفادها أن الحروب لا تنتهي فعلياً إلا عندما تُترجم نتائجها إلى مكاسب سياسية ودبلوماسية ملموسة.

ومن هذا المنطلق، لا تُعد المعركة العسكرية بحد ذاتها القضية الأساسية، بل ما تفضي إليه من نتائج لصالح الطرف الذي ينجح في فرض معادلات جديدة على الأرض. ولهذا السبب يرى العديد من الباحثين أن نتائج الحروب تمر بثلاث مراحل مترابطة: عسكرية، ثم دبلوماسية، ثم قانونية وسياسية.

وبحسب هذا التصور، فإن الواقع الجديد الذي تشكل نتيجة صمود إيران في مواجهة قوتين عسكريتين كبيرتين يجب أن يُكرس عبر أدوات الحوار والدبلوماسية، وأن يتحول من خلال الاتفاقات والقرارات القانونية إلى قاعدة معترف بها دولياً.

وفي هذه المقاربة، لا تتمثل الغاية في تحقيق انتصار عسكري مجرد، بل في استخدام عناصر القوة المتولدة عن الحرب لحماية المصالح الوطنية. كما أن تعريف القوة في مرحلة ما بعد الحرب لا يقل أهمية عن تعريفها خلال الحرب نفسها، ولذلك لا يُنظر إلى أي عملية عسكرية على أنها ناجحة إلا إذا أسهمت في تعديل موازين القوى السياسية والأمنية.

وانطلاقاً من هذا الفهم، وافقت الجمهورية الإسلامية الإيرانية على المقترح الذي قدمته إسلام آباد لإجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة، بهدف استثمار ما تعتبره إنجازات تحققت خلال حرب استمرت أربعين يوماً، وتحويلها إلى أدوات تدعم مطالبها وحقوقها.

وبعبارة أخرى، ترى طهران أن الانتصار التكتيكي إذا لم يتحول إلى مكسب استراتيجي، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج حرب استنزاف جديدة. ولهذا يعرّف منظرو العلاقات الدولية الحرب بأنها وسيلة لتغيير السلوك السياسي للطرف المعتدي، لا غاية بحد ذاتها.

كما تؤكد هذه الرؤية أن استمرار الحروب يؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى تراجع كفاءة القوات العسكرية لدى جميع الأطراف وارتفاع الكلفة البشرية والاقتصادية والسياسية للصراع.

فالحروب الطويلة الأمد تفضي إلى إنهاك القدرات الدفاعية والاقتصادية، وقد تؤدي أيضاً إلى تآكل الشرعية الدولية. من هذا المنطلق، انتقلت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة منذ إعلان وقف إطلاق النار في 8 أبريل/نيسان 2026 من الميدان العسكري إلى طاولة المفاوضات، بهدف تثبيت ما تحقق على الأرض عبر أدوات السياسة والدبلوماسية.

وتقول طهران إن الهدف الأساسي للقوات المسلحة خلال الحرب التي استمرت أربعين يوماً كان الدفاع عن البلاد في مواجهة القوات المعادية. ولذلك، فإن توقيع اتفاق يتضمن في بنده الأول إنهاء الحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، سيُنظر إليه باعتباره خطوة تصب في إطار حماية الأمن الوطني وإبعاد شبح الحرب.

وعلى هذا الأساس، ترى إيران أن المنطق الحاكم للمفاوضات الجارية يتمثل في “التثبيت السياسي للإنجازات الميدانية”. ووفق هذا التصور، لا تُعد الدبلوماسية بديلاً عن القوة، بل مكملاً لها، وأداة لتحويل كلفة الحرب والمقاومة إلى ترتيبات تضمن الأمن والاستقرار والمصالح الوطنية على المدى الطويل.

وفي هذه المقاربة، لا يُقاس النجاح النهائي بمجرد وقف القتال، بل بمدى القدرة على بناء واقع جديد يجعل العودة إلى الحرب أكثر صعوبة، ويعزز في الوقت ذاته حماية المصالح الإيرانية بصورة أكثر استدامة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى