تغييرات بغداد المتسارعة: هل بدأت حكومة الزيدي تفكيك شبكات النفوذ؟

أثارت التغييرات الأمنية والإدارية الأخيرة تساؤلات واسعة بشأن دوافعها الحقيقية وتوقيتها، ولا سيما مع تصاعد الحديث عن ضغوط أمريكية وحراك سياسي وأمني متزامن مع زيارة المبعوث الأمريكي توم باراك.

ميدل ايست نيوز: أثارت التغييرات الأمنية والإدارية الأخيرة تساؤلات واسعة بشأن دوافعها الحقيقية وتوقيتها، ولا سيما مع تصاعد الحديث عن ضغوط أمريكية وحراك سياسي وأمني متزامن مع زيارة المبعوث الأمريكي توم باراك. وبين مؤيد يعدها خطوة لتعزيز سلطة الدولة، ومحذر من تداعياتها، تتجه الأنظار إلى آثارها الإيجابية والسلبية وموقف قوى الإطار التنسيقي من هذه التحولات.

تحول أمني

ويقول الخبير الأمني سيف رعد طالب، إن “التغييرات الأخيرة في المناصب الأمنية فرضتها المعطيات الميدانية والضغوط الخارجية والتقاسم السياسي، كما أنها تأتي ضمن سياق أوسع يرتبط بخطة حصر السلاح بيد الدولة، ويمكن النظر إليها بوصفها نقطة انطلاق لتحول أمني بعيد الأمد أو إجراءات فرضتها الظروف والضغوط الدولية، وفي مقدمتها الضغط الأمريكي”.

ويضيف، أن “ما جرى يمثل مزيجاً بين العاملين، لكنه أقرب إلى بداية محاولة تحول طويل الأمد مدفوعة بضغوط داخلية وخارجية. والحكومة الحالية تروج لهذه الإجراءات باعتبارها جزءاً من برنامج استعادة سيادة الدولة، إلا أن تنفيذها ما زال يواجه صعوبات بسبب نفوذ بعض الفصائل داخل الإطار التنسيقي، فضلاً عن وجود فصائل أخرى تمتلك أيديولوجية عابرة للحدود ومرتبطة بالحرس الثوري الإيراني ونظام ولاية الفقيه”.

وخلال الساعات الماضية أصدر رئيس الحكومة علي فالح الزيدي أوامر بتكليف قاسم العبودي مستشاراً للأمن القومي خلفاً لقاسم الأعرجي، ونزار ناصر محافظاً للبنك المركزي بدلاً من علي العلاق، إلى جانب تسمية باسم البدري رئيساً لجهاز الأمن الوطني خلفاً لعبد الكريم البصري.

كما أجرى رئيس الحكومة تبديلاً جوهرياً بإعفاء حيدر مكية من رئاسة الهيئة الوطنية للاستثمار، وتعيين عادل الياسري رئيساً جديداً للهيئة.

وحملت الأوامر الحكومية توجيهات أمنية مشددة تقضي بسحب كافة مفارز هيئة المنافذ الحدودية من السيطرات الخارجية الحالية، وإلزامها بالانسحاب الفوري لصالح جهات التفتيش البديلة.

وتزامنت هذه الإجراءات مع أمر لوزارة الداخلية بإغلاق كافة الثغرات والطرق البرية والبحرية غير الرسمية، وتدوير كافة آمري الألوية والوحدات في قيادة قوات الحدود لمنع تشكل شبكات المصالح الثابتة.

ولم تصدر الحكومة، حتى الآن، بياناً رسمياً يوضح أسباب هذه التغييرات أو ما إذا كانت جزءاً من عملية إعادة هيكلة أوسع للمؤسسات الأمنية والاقتصادية.

آثار التغييرات

ويرى الخبير الأمني طالب، أن “من أبرز الآثار الإيجابية لهذه التغييرات تعزيز سيطرة الدولة المركزية على الأجهزة الأمنية والمالية، الأمر الذي قد يسهم في تقليل الفوضى المسلحة وتحسين التنسيق في مواجهة التهديدات الأمنية الأخرى، وفي مقدمتها تنظيم داعش الإرهابي، فضلاً عن تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة ودول الخليج، بما يفتح الباب أمام الاستثمارات والدعم الاقتصادي والعسكري ويقلل من عزلة العراق إقليمياً ودولياً”.

ويشير إلى أن “إمكانية دمج جزء من المقاتلين ضمن القوات الرسمية قد توفر مخرجاً سياسياً لبعض الفصائل، وتسهم في تقليل مخاطر التصعيد الداخلي والخارجي على المدى المتوسط”.

ويحذر من أن “أبرز الآثار السلبية تتمثل في زيادة التوتر مع الفصائل المرتبطة بإيران، واستمرار رفضها للإجراءات أو احتفاظها بأسلحة سرية، الأمر الذي قد يزيد من احتمالات الاحتكاكات الداخلية وربما يصل إلى حد المواجهات”.

ويعتبر، أن “أي تهاون أو ضعف حكومي في تنفيذ هذه الإجراءات قد يؤدي إلى انقسام داخل الإطار التنسيقي أو إلى احتجاجات شعبية مدعومة من تلك الفصائل”، مبيناً أن “التغييرات قد تقود بالفعل إلى احتكاكات جديدة، ولا سيما إذا طالت قيادات معروفة داخل هيئة الحشد الشعبي تمتلك ثقلاً سياسياً وعسكرياً، أو إذا ارتبطت بصورة مباشرة بضغوط أمريكية معلنة”.

دور أمريكي

ويلفت طالب إلى أن “الولايات المتحدة لعبت دوراً بارزاً في تسريع هذه الإجراءات من خلال ضغوط اقتصادية وسياسية واضحة، تمثلت بتعليق شحنات الدولار وتعليق بعض أوجه التعاون العسكري وفرض عقوبات على قادة فصائل ومسؤولين، وذلك على خلفية الهجمات التي نفذتها فصائل مسلحة خلال الحرب الإيرانية”.

وينوه إلى أن “زيارة توم باراك، مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال يومي 15 و16 حزيران يونيو 2026 جاءت قبل التغييرات الأخيرة مباشرة، وشهدت مناقشة ملف حصر السلاح ونزع سلاح الفصائل، إلى جانب تقديم وعود بالدعم قبيل زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي المرتقبة إلى واشنطن منتصف تموز المقبل”.

ويعتقد طالب، أن “ما حدث هو مزيج من الضغوط الأمريكية والحسابات الداخلية العراقية، لكن الضغوط الاقتصادية والأمنية الأمريكية كانت حاسمة في دفع حكومة الزيدي، التي جاءت بتوافق أخذ بنظر الاعتبار الفيتو الأمريكي، إلى التحرك بصورة سريعة”.

ويختتم بالقول، إن “الحسابات العراقية تبقى حاضرة في ملف حصر السلاح بيد الدولة، ولا سيما بعد مواقف رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان والبيانات الصادرة عنه، فضلاً عن رغبة المرجعية الدينية في النجف الأشرف وأكبر تيار شعبي يقوده مقتدى الصدر”.

في خضم التحولات الأمنية والسياسية التي تشهدها المنطقة، عاد اسم المبعوث الأمريكي توم باراك إلى واجهة الجدل السياسي، بعد تداول تقارير ومواقف ربطت زيارته إلى العراق بملفات إقليمية تتجاوز الشأن العراقي الداخلي، وتصل إلى التطورات الجارية في سوريا ولبنان، وسط اتهامات بوجود ترتيبات أوسع تتعلق بمستقبل المنطقة ودور بغداد فيها.

وذكرت مصادر صحفية، تابعتها “العالم الجديد” أن قائمة التغييرات قد تتوسع لتشمل أكثر من خمسين مسؤولاً في مواقع مختلفة، مؤكدة أن ملف رئاسة هيئة الحشد الشعبي يعد من أبرز الملفات المطروحة حالياً، وسط ترجيحات بقرب صدور قرارات جديدة بهذا الشأن.

عوامل متداخلة

من جهته، يقول المحلل السياسي مجاشع التميمي، أن “التغييرات الأمنية الأخيرة تبدو أقرب إلى التفاعل مع مجموعة عوامل متداخلة، وليس مع عامل واحد فقط، كما هناك مؤشرات على تقارب أكبر بين بغداد وواشنطن في الملفات الأمنية، بالتزامن مع ضغوط إقليمية ودولية تتعلق بالاستقرار الداخلي وحصر السلاح وتعزيز المؤسسات الرسمية”.

ويوضح، أن “هذه المعطيات تجعل من الصعب تفسير التغييرات الأمنية على أنها نتاج تفاهم أمريكي خالص أو استجابة لضغوط خارجية فقط، لأن المشهد يرتبط بجملة من التحديات والمتغيرات السياسية والأمنية التي تشهدها البلاد والمنطقة”.

ويعتبر، أن “المواقف الحالية لبعض قوى الإطار التنسيقي يمكن تفسيرها في ضوء التغيرات التي طرأت على البيئة السياسية والإقليمية”، لافتاً إلى أن “العديد من هذه القوى بات يضع أولوية أكبر لاستقرار النظام السياسي وتجنب الصدام مع المجتمع الدولي، فضلاً عن إدراكه لحساسية المرحلة الاقتصادية والأمنية التي يمر بها العراق”.

دور توم باراك

ويشير الباحث السياسي التميمي إلى أن “بعض الإجراءات المطروحة تقدم داخلياً على أنها قرارات سيادية عراقية، الأمر الذي يسهم في تخفيف حجم الاعتراضات التي كانت تطرح سابقاً تجاه خطوات مماثلة، ويمنحها مساحة أوسع للقبول السياسي”.

وفي ما يتعلق بإمكانية الربط بين زيارة المبعوث الأمريكي توم باراك والتغييرات الأمنية الأخيرة، يوضح التميمي أنه “لا يمكن منهجياً الجزم بوجود علاقة مباشرة ما لم تظهر معطيات رسمية أو مؤشرات واضحة تدعم هذا الاستنتاج”.

ويرى، أن “الزيارة يمكن قراءتها ضمن سياق أوسع من الحراك السياسي والأمني القائم بين بغداد وواشنطن”، مؤكداً أن “الربط بين الزيارة والتغييرات الأمنية يبقى احتمالاً قابلاً للنقاش والتحليل، لكنه لم يرتقِ حتى الآن إلى مستوى الاستنتاج المؤكد”.

وتأتي هذه المواقف بالتزامن مع استمرار النقاشات السياسية بشأن نتائج زيارة المبعوث الأمريكي توم باراك إلى بغداد وأربيل، وما إذا كانت الزيارة تندرج ضمن ملفات ثنائية تخص العراق، أم أنها ترتبط بسياقات إقليمية أوسع تتعلق بإعادة ترتيب التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنا عشر − 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى